صفر القطار التونسي.. ووصلت الجزائريات الجميلات

الأحد 2013/12/01
مشهد من العرض الجزائري "الجميلات"

عمّان - العرض التونسي "صفُر القطار" الذي شاهده جمهور المسرح الأردني والجمهور العربي الضيف على مهرجان المسرح العشرين في عمان الأردن..، عرض استوفى كل شروط العمل المسرحي. عرض مأخوذ عن نص "بيت برناردا ألبا" للوركا الذي لدى معظم المشاهدين خلفية عنه سواء من خلال قراءته أو عبر الكثير من العروض التي قدمته وكان آخرها العرض المصري "البيت" الذي أخرجته "عزة بلبع" ضمن فعاليات مهرجان "عشيات طقوس" لهذا العام، وبالتالي معرفة النص خففت كثيرا من صعوبة التواصل التي كادت تواجه العرض نتيجة غرابة اللهجة التونسية بالنسبة إلى المشاهد الأردني مما جعل التواصل سهلا وسلسا، وكان المشهد البصري عبارة عن مجموعة من الستائر البيضاء الدالة بداية على هوية البيت الذي تجري فيه الأحداث والتي تتحول تارة إلى غرف نوم الفتيات وتارة إلى شخصيات متخيلة تحادثها الشخصيات ضمن الخواء الإنساني الذي تعيشه، الشخصيات التي ارتأت المخرجة ألاّ تقدمها كما في النص.

ومعروف أن لبرناردا ألبا أربع بنات، اكتفت المخرجة بثلاث بنات الكبيرة الحدباء والصغيرة العفيفة والمتوسطة التي ترغب بالحب والحياة كما أضافت المخرجة شخصية الخادمة حاملة أسرار المنزل وناقلتها من طرف إلى طرف بحسب مصلحتها الآنية مع كل فرد من أفراد الأسرة إضافة إلى جدة البنات الخرفة والتي كان وجودها في العرض بغاية الإضحاك.

تم تقديم العمل ضمن "الفارس" وكان أداء الممثلات المميز حاملا للعرض بشكل واضح، رغم هبوط الإيقاع الذي عاناه العرض في منتصفه ليعود في ثلثه الأخير إلى إيقاعه الذي بدأ به ما جعله يحصد ردود أفعال إيجابية من قبل المشاهدين.

وكما يحق للمخرج اختصار عدد شخصيات النص وفق الرؤية التي يريد، أيضا من حقه إعداد النص والاختصار فيه حيث لا يؤثر ذلك على بنية النص ويخدم الفكرة التي يرغب المخرج تقديمها.

كانت الفتيات الخمس تحملن نفس الاسم "جميلة" تيمنا بالمناضلة الجزائرية جميلة بوحيرد فيردد السجان وراء كل منهن تدلي باسمها "جميلة" قائلا "جريمة"

وهذا ما لم تفعله مخرجة سفر القطار مما تسبب بخلل في بعض مفاصل العرض نتيجة تكرار الجمل والأفعال التي لا تخدم سوى من زاوية إطالة مدة العرض الزمنية.

وتقديم أي عمل مسرحي ينتمي إلى زمان ومكان بعيدين من حيث الجغرافيا والثقافة إذا لم يحمل إسقاطا لما يجري الآن هنا يقع في غربة مع الجمهور العادي أو بالحد الأدنى تكون العلاقة بينه وبين المتلقي حيادية في أحسن الأحوال ومن هنا حاولت مخرجة العرض "دليلة مفتاحي" تقديم إسقاطات للحراك الدائر في تونس من خلال شخصية البنت الصغرى عفيفة الأقرب إلى شخصية الفتاة المتدينة التي تحاول فرض منطقها على العائلة كما يفعل الإخوان المسلمون في تونس الآن، لكن الإسقاط كان صوريا وشكليا مكتفيا ببعض العبارات " الحلال بيّن والحرام بيّن".

والرجل في هذه المسرحية غائب جسدا غير أنه موجود في كل خلجات الشخصيات وأنفاسها وفي دقائق حياتها وثنايا كل أحاديثها، عمدت المخرجة إلى إظهاره على الخشبة من خلال إسقاط صورته عل الخلفية مترافقة مع صوته الناصح والمؤنب ولكن إظهاره ضمن هذا الشكل لم يغن العرض بل كان أحد المطبات التي عاناها لأنه لم يُضف جديدا.

وفي نهاية العرض كان لا بد من الثناء على أداء الممثلات: نورهان بوزيان، فاتن ربيع، سعيدة الحامي، فوزية بن منصور، هدى جمل، والممثل ناجح بن محمود الذي كان لافتا بشكل خاص ومقارنة بأداء آخرين في عروض أخرى.

جميلات الجزائر

العرض الثاني"الجميلات" من إخراج الجزائرية صونيا قدم خمس شخصيات تحمل اسما واحدا هو جميلة. والأدوار الجميلات الخمس لعبتها كل من ليندة سلام، لعريني ليديا، هواري رجاء، منى بن سلطان، حنيفي آمال عروض مهرجان المسرح الأردني العشرين، خمس شخصيات هن قضية وطن في لحظة كانت ذاكرة لآلامهن وبطولاتهن وأحلامهن وعظمتهن، مناضلات معتقلات إبان الاحتلال الفرنسي للجزائر منذ ما يقارب نصف قرن.

كانت الفتيات الخمس تحملن نفس الاسم "جميلة" تيمنا بالمناضلة الجزائرية جميلة بوحيرد فيردد السجان وراء كل منهن تدلي باسمها "جميلة" قائلا "جريمة" دلالة على جرم حرائر الجزائر اللواتي قارعن المستعمر الفرنسي ومن ضمنهن الفتاة الفرنسية التي تعاطفت مع قضية الشعب الجزائري فنابها من المعتقل ما ناب قريناتها الجزائريات اللواتي كنّ وبعد كل جملة تقريبا يرددن "الجزائر حرة" وأيضا إشارة إلى قول جميلة بوحيرد الذي كادت تواجه حكم الإعدام بسببه "الجزائر أمّنا".

مشهد من العرض التونسي "صفر القطار" المأخوذ من مسرحية لوركا "بيت برناردا آلبا"

ولا بد في العرض المسرحي من الحديث عن كل عنصر من عناصر العرض على حدة، فالسينوغرافيا التي صممها هبال البخاري كانت لافتة في بداية العرض حد الدهشة حيث تم استخدام قطع الديكور بداية كجدار تكتب أو ترسم كل من الجميلات عليه ما تريد في إشارة إلى فن الغرافيتي الذي ملأ الجدران في الدول العربية التي شهدت وتشهد الثورات منذ ثلاث سنوات، ومن ثم استخدام نفس القطع في تشكيل الزنزانات، إلى هنا كان التعامل مع عناصر الديكور ضمن الغاية والهدف.

وخلال العرض يتكرر تحريك قطع الديكور من قبل الممثلات على الخشبة ضمن فضاء ومفهوم الزنزانة، وبقي الجمهور يترقب عند كل حركة لقطع الديكور أن يرى فضاء مختلفا عن المعتقل لكن هذا لم يحدث وبالتالي كان تحريك عناصر الديكور مكررا دون هدف أو غاية بل وتبدى أن هذا التحريك كان فقط عاملا مساعدا للممثلات من أجل تقديم بعض اللوحات التي صممها الكريوغراف "توفيق قارة"، فاللوحات التي تميزت بجمالية واضحة وأداء متقن دون أن تتمكن من إثبات كونها أحد عناصر العرض الرئيسية بل كانت عنصرا ثانويا لو تم الاستغناء عنه لما تأثر العرض، وبالتالي المشهد البصري برمته كان ضمن المعتقل مما جعل حركة الممثلات وتحريك قطع الديكور بعد ثلث زمن العرض تبدو تزيينية في أحسن الأحوال.

ولموضوع العرض أهمية تاريخية بالنسبة إلى كل المجتمعات التي عانت احتلالا واستعمارا خارجيا وله أيضا أهمية آنية كون الشعوب العربية تعيش ثورات ضد مستبد يحمل نفس جنسيتها ويمارس عليها كل أشكال العنف التي مارسها المستعمر الفرنسي ضد الشعب الجزائري وربما أقسى، من هنا كان الجمهور يراقب كل حركة ويحاول سماع كل كلمة بالرغم من صعوبة التلقي لغرابة اللهجة الجزائرية واستخدام الكثير من العبارات الفرنسية وهي لغة غريبة عن ثقافة المشاهد الأردني لكن العرض دخل بسرد تاريخي مكرر عن مناضلات الثورة الجزائرية ومصير كل منهن وكان هذا السرد يبدو مجرد محاولة لاستكمال زمن العرض، وبالرغم من أهميته إلا أنه انتزع تعاطف الجمهور الذي استرخى على مقاعده منتظرا جديدا من دون جدوى سوى التكرار على صعيد الحوار الذي كان غالبيته مونولوجات أضفت صفة خطابية تاريخية قومية على العرض لم تكن مقبولة قبل زمن الربيع العربي وثوراته، فكيف في هذا الزمن الثائر المتمرد على كل أشكال الاستبداد!

14