صفعة على الخد وأخرى على اليد

بوغبا تلقى صفعة على خده يوم عوضه مورينهو في إحدى مباريات الدوري، كانت بمثابة الوخزة التي كان يتعين على النجم الفرنسي أن يتعامل معها بحكمة.
الأحد 2018/02/25
بوغبا في وضعية غامضة ومعقدة قد تنتهي إلى طلاق قريب

أخبرني والدي يوم كنت يافعا أن هذه الدنيا ليست سوى مجرّد مسالك معقدة وطويلة وتبدو في غالب الأحيان مغرية، قال لي أيضا إن هذه المسالك الملتوية تشبه المتاهة، والشاطر فعلا من ينجح في اختيار أقوم المسالك كي يحقق النجاح المنشود في هذه الدنيا.

حدثني والدي في ذلك الوقت عن شبابه وأحلامه، فقال لي إنه اغترّ بنفسه ووثق أنه سينجح مهنيا في كل مخططاته سواء اختار هذه الطريق أو تلك، لكنه لم يحسن التصرف وأضاع الدرب القويم، فكانت المحصّلة عكس ما كان يرجو، عضّ أصابعه ندما عندما أدرك أنه ضاع في تلك المتاهة.

أعرف تحديدا لماذا عادت ذاكرتي سنوات طويلة إلى الوراء واستذكرت كلام والدي ونصائحه، والسبب هو خبر جذبني يتعلق بمعاناة الفرنسي بول بوغبا مع فريقه الحالي مانشستر يونايتد، ربما هو قياس جمع بين الماضي والحاضر فعقدت مقارنة بين الوالد واللاعب الذي غرّته أضواء الشهرة في مسرح الأحلام معقل اليونايتد وحاصرته الأموال، فاختار الرحيل عن مضجعه المريح السابق لدى اليوفي سيدة إيطاليا العجوز.

وعوض أن يبدأ منذ الموسم الماضي في حصد “حبيبات الذهب الخالص” الكامن في النجاح والألق في إنكلترا، بدأت المشاكل والصعوبات تحاصره من كل حدب وصوب في هذا السرداب الطويل الذي دخله عندما غادر إيطاليا واختار سلك درب أشبه ما يكون بالمتاهة في معقل الأولد ترافورد بمانشستر.

اليوم تبدو وضعية بوغبا غامضة ومعقدة وقد تنتهي إلى طلاق قريب مع الفريق، فهذا “الغزال الأسمر” شغل الدنيا سابقا وكان التعاقد معه حلم أقوى الأندية في أوروبا عندما كان فتى يافعا ولاعبا رائعا في أعوامه الأولى بعد العشرين مع اليوفي، لكنه اليوم بدا عاجزا عن انتزاع مكان ضمن الأساسيين في فريق “الشياطين الحمر”.

لم يعد الخيار الأول في فكر مدربه الذي يبدو أنه اقتنع بأن مستوى بول حاليا لا يجعله قادرا على أن يكون ضمن الصفوف الأمامية “لمحاربي قلعة الأولد ترافورد” التي غدت اليوم بمثابة المتاهة الموغلة في التعقيد أمام بوغبا.

لقد تلقى صفعة على خدّه يوم عوّضه مدربه مورينهو في إحدى مباريات الدوري المحلي، كانت بمثابة الوخزة التي كان يتعيّن على النجم الفرنسي الأغلى في تاريخ الدوري الإنكليزي أن يتعامل معها بحكمة، ثم يعمل على تحسين مستواه.

لكن بول ذلك الغزال الجامح لم يشعر بألم الصفعة ولم يأبه بكونه بات مهدّدا بخسارة مكانه الأساسي، ثم جاءت مباراة دوري الأبطال ضد إشبيلية ليستفيق بوغبا من غفوته على وقع صفعة جديدة، حيث أبقاه المدرب على دكة البدلاء مفضلا التعويل على لاعب آخر يبدو في وضع ذهني وفني أفضل.

غضب بول كثيرا، وبقي حائرا لبعض الدقائق قبل أن يتدخل القدر ويمنحه فرصة الدخول والمشاركة في المباراة بعد أن أصيب اللاعب الأول، إلاّ أنه لم يستغل الفرصة وكان مستواه متواضعا، كان بمثابة الغزال الشارد في الميدان ولم ينجح في استغلال الفرصة، لكن رغم ذلك لم يجرأ بعد على الاعتراف بأنه بصدد خسارة الكثير من تأثيره، ما زال يكابر ويشعر أنه الفتى الأول والمدلّل في الفريق حتى وإن بقي احتياطيا إلى أمد طويل.

ربما قد يتطلب الأمر صفعات أخرى عله يدرك الخطر الداهم، لكن ما عساه يفعل حتى يستفيق من غفوته ويعثر على خيط رفيع ربما يوصله إلى خط النجاة؟

إن الفلاح في هذه الدنيا يكمن في بعض التفاصيل والجزئيات البسيطة، إذ ليس العيب أن نعترف بالخطأ وليس المشكل في ولوج سرداب لا نعرف إن كان مظلما أو العكس، بل يكمن الإشكال في كيفية التعامل مع ذلك الخطر الداهم ونحسن التصرف معه.

من الجيد تبعا لذلك أن يشعر المرء أحيانا بأن درب الحياة مهما بدا مُزركشا بالألوان ومُزدانا بالورود يتطلب الحيطة والحذر، لذلك يتعيّن على هذا المرء أن يحسن وضع قدمه على الأرض الثابتة، فلا هو يتعثّر ولا متعة اللون تتغيّر وتلك الورود ستظل تُزهر، ولهذا السبب يتعيّن على بول الموهوب أن يتخلّص من كل عيوبه وشوائبه ويختار طريقا سالكة توصله إلى خط النجاة والنجاح.

ليس المهم في هذه المسألة الاستمرار مع مانشستر أو اختيار الرحيل في نهاية الموسم بحثا عن مستقر جديد، لكن المهم هو أن يدرك بوغبا أنه مطالب بالاستفادة من الصفعتين، وأن يعمل على تدارك ما فاته ويستعيد سالف مستواه الذي جعله يتألّق بشكل رائع مع يوفنتوس الذي منحه لقب أغلى لاعب في الدوري الإنكليزي.

ورغم صعوبة المهمة في فريق “معقّد” ومع مدرب مزاجي اسمه مورينهو، على بوغبا أن يدرك أن الثبات ثم التقدّم إلى بوّابة النجاح يتطلّب القليل من المرونة والكثير من التعقّل والحكمة، والحكمة في وضعية بول تتطلّب بالأساس تقديم جهد إضافي والسمو عن فكرة أنه الأفضل والأقوى، حينها سينجح وسيتخطّى حاجز السرداب المُقفل بإحكام، وقتها سيقتنع بأن المسلك الذي اختاره من تلقاء نفسه ليعيده إلى مانشستر قد يكون مسلكه الوحيد للخروج من المتاهة.

23