صفقات إيران مع سوريا تصطدم بالتوازنات الروسية الأميركية

العقوبات الأميركية شطبت قدرة إيران على الاستثمار في سوريا، وتفاهمات واشنطن وموسكو المحتملة تقوض خطط طهران.
الجمعة 2018/08/31
إيران لا تملك ما تقدمه لإعادة إعمار سوريا

لندن – يبدو إصرار إيران على فتح آفاق اقتصادية مستقبلية في سوريا بلا مضمون في ظل أزمتها المالية الخانقة، التي من المرجح أن تتفاقم بدرجة غير مسبوقة مع اقتراب دخول المرحلة الثانية من العقوبات الأميركية حيز التنفيذ في نوفمبر المقبل.

ومن المتوقع أن تخنق تلك العقوبات شريان الحياة الوحيد للاقتصاد الإيراني بتقييد صادرات النفط، إضافة إلى عزلها عن النظام المالي العالمي وخدمات شركات الشحن البحري.

وكانت وكالة الأنباء الإيرانية قد نسبت إلى أمير أميني وزير الطرق وإعمار المدن، قوله إن إيران وسوريا وقعتا “اتفاقية اقتصادية استراتيجية طويلة الأمد ستساهم في توسيع التعاون الاقتصادي بين البلدين”.

وأضاف أن “سوريا على أعتاب فصل جديد من إعادة إعمارها من الحرب التي أنهكتها لثماني سنوات والقطاع الخاص الإيراني يمكنه أن يساعد في ذلك بالقدرات والخبرات العالية التي يمتلكها”.

وجدد وزير الدفاع الإيراني أمير حاتمي خلال زيارته لسوريا هذا الأسبوع الإصرار على بقاء الوجود الإيراني العسكري والاقتصادي في سوريا. وتزامن ذلك مع إعلانه عن إغلاق 130 شركة تابعة لوزارة الدفاع تعمل في مجال النقل والطاقة والبناء.

16 مليار دولار متوسط ما بددته إيران سنويا في دعم دمشق، وفق مجموعة الدراسات الاستراتيجية

ويرى محللون تناقضا كبيرا في تلك التصريحات، في وقت تتوسل فيه جميع المؤسسات الحكومية الإيرانية بالقطاع الخاص لتولي إدارة المؤسسات الحكومية المتعثرة، وتنهار قدرة البلاد على الاستثمار داخل إيران، ناهيك عن قدرتها على الاستثمار في الخارج.

وتزداد الصورة قتامة عند الإشارة إلى إقرار وزير النفط الإيراني أمام البرلمان الأسبوع الماضي بتهالك المنشآت النفطية وحدوث عشرات التسربات فيها، دون أن تملك البلاد القدرة على إصلاحها.

ويبدو من المرجح أن تؤدي ضغوط العقوبات الأميركية إلى إجبار طهران على التخلي عن تواجدها في سوريا وتصرف النظر عن ضخ أموال جديدة بسبب التكاليف التي تفاقم أزماتها الاقتصادية الخانقة.

وتشير الاتفاقية بين طهران ودمشق إلى منح شركات القطاع الخاص الإيرانية عقودا لتنفيذ مشاريع إعادة إعمار نحو 30 ألف وحدة سكنية متضررة في المناطق المحررة، إضافة إلى ترميم الأماكن التاريخية وإعادة بناء البنية التحتية من شبكات النقل والمياه والكهرباء.

وتبدو بنود الاتفاقية مجرد إعلان دعائي في ظل الاحتجاجات المتواصلة في إيران من تردي الخدمات والبنية التحتية وسقوط أكثر من ثلث سكان إيران تحت مستوى خط الفقر.

ستيفان دي ميستورا: ديون إيران المستحقة على الحكومة السورية تصل إلى نحو 35 مليار دولار
ستيفان دي ميستورا: ديون إيران المستحقة على الحكومة السورية تصل إلى نحو 35 مليار دولار

وتقول إيران إن الاتفاقية ستراعي مصالح البلدين، إلا أن محللين يرون أنها مجرد ورقة تفاوضية لمواجهة الضغوط المتزايدة التي تفرضها العقوبات الأميركية التي تربطها واشنطن بإزالة نفوذ طهران في دول المنطقة.

وتبدو تلك الورقة متهالكة، بعد أن أصبح وجود إيران في سوريا محورا أساسيا في الشد والجذب بين روسيا والولايات المتحدة، حيث تطالب واشنطن موسكو بالتعاون لإزالة وجود إيران في سوريا.

ويرجح معظم المراقبين أن تضحي موسكو بإيران لإنقاذ اقتصادها، بعد تزايد قسوة العقوبات الأميركية عليها، في وقت يضغط فيه الكونغرس الأميركي لتوسيع العقوبات بدرجة غير مسبوقة لتصل إلى خنق جميع التعاملات المالية مع النظام المصرفي الروسي.

وكان المبعوث الأممي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا قد ذكر في تصريحات صحافية سابقة، أن ديون إيران على الحكومة السورية تصل إلى نحو 35 مليار دولار. ويبدو أن طهران تحاول تعويض تلك الديون، لكنها ستجد صعوبة كبيرة في ذلك.

لكن دراسة نشرتها مؤخرا “مجموعة الدراسات الاستراتيجية” تشير إلى أن إيران أنفقت ما يصل إلى 16 مليار دولار سنويا منذ اندلاع الأزمة السورية  للحفاظ على نظام بشار الأسد، كما قامت بتوسيع خطوط ائتمان من 6.6 مليار دولار إلى 9 مليارات دولار.

وتؤكد الدراسة أن الحرب المستمرة منذ أكثر من 7 سنوات دمرت ما يقارب من 75 بالمئة من الاقتصاد السوري إلى جانب تدمير جميع القطاعات المنتجة في البلاد، التي ستكون بحاجة إلى مبالغ هائلة لإعادة الإعمار.

وتضرر الاقتصاد السوري بشكل كبير جراء الحرب، حيث فقد الناتج المحلي الإجمالي أكثر من ثلثي قيمته وأصبح نصف السوريين في سن العمل عاطلين. كما فقدت الليرة السورية نحو 90 بالمئة من قيمتها وأدى ذلك إلى ارتفاع أسعار السلع وبضمنها المواد الغذائية بنحو 10 أضعاف.

ويبدو من المستبعد أن تتمكن طهران من ضخ أي أموال سواء من القطاع العام أو القطاع الخاص للمساهمة في إعادة إعمار سوريا، في ظل ترنح اقتصادها على حافة الانهيار التام.

ومن المتوقع أن يتضمن أي تفاهم أميركي روسي محتمل تقليص الوجود العسكري والاقتصادي الإيراني في سوريا، وألا تملك طهران أي قدرة على مقاومة ذلك في ظل تراجع قدرتها على الإنفاق في الخارج.

11