صفقات التسليح المصرية.. استثمار في دور إقليمي بعيد المدى

تثير صفقات التسليح المتسارعة والمكثفة التي عقدتها مصر في العامين الأخيرين الكثير من التساؤلات حول أهدافها وسبل تمويلها، وعلاقته بالمتغيرات الإقليمية وما تمر به المنطقة العربية في الوقت الحالي، من وجود تهديدات من قوى إقليمية طامعة، بالإضافة إلى الحرب على الإرهاب، بما يفرض خلق تحالفات عربية وإسلامية متينة وتمتلك قوة الردع العسكرية والسياسية.
الأحد 2016/04/24
من الدفاع إلى الهجوم

القاهرة - شهدت مصر مؤخّرا سلسلة من الزيارات الرسمية رفيعة المستوى والمحتوى، كان من أبرزها زيارة العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز، ثم زيارة ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، بالإضافة إلى زيارة الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند.

وأعادت هذه الزيارات، بما حملته من دعم وصفقات ومشاريع، الحديث عن دور إقليمي محوري لمصر في سياق ما تشهده المنطقة من تغيرات فرضت خلق جبهة عربية قويّة قادرة على مواجهة التهديدات الإيرانية ومحاربة الإرهاب وتغطية الفراغ الذي تسببت فيه السياسات الأميركية في السنوات الأخيرة.

وتسّلط هذه التغييرات والتصريحات عن القوة العربية المطلوبة، التي ستكون عسكرية في جانب منها، الضوء على صفقات التسليح المتسارعة والمكثفة التي عقدتها مصر في العامين الأخيرين، والتي كان أغلبها مع فرنسا وبدعم سعودي وإماراتي بالأساس.

وتحتاج هذه الصفقات، المبرمة مع دول من الغرب والشرق، إلى قراءة متأنية في دوافعها خاصة بعدما انتقل الجيش المصري من مرحلة التسليح الدفاعي التي رافقته منذ عقد اتفاقية كامب ديفيد عام 1979، إلى مرحلة التسليح الهجومي بعيد المدى.

وتشير أحدث تقارير المؤسسة الدولية للأبحاث حول السلام في ستوكهولم، إلى أن واردات مصر من الأسلحة من 2011 وحتى 2015، ارتفعت بنسبة 37 بالمئة، مقارنة بالفترة من 2006 حتى 2010، وهي نسبة مرتبطة بما يجري في المنطقة من تطورات.

وجاء في دراسة مركز أي إتش إس جاين البريطاني، المتخصص في تقديم المعلومات الاستراتيجية، أن أكثر ثلاث مناطق قرّرت دولها مضاعفة صفقات السلاح هي الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية وآسيا.

وبعد التوتر الذي ساد العلاقات المصرية الأميركية، حيث كانت واشنطن المصدر الرئيسي للسلاح المصري، انتهجت مصر سياسة عسكرية أكثر انفتاحا مع الدول الأوروبية، إذ طبقا لآخر تقرير صادر عن وزارة الدفاع الفرنسية، ارتفعت قيمة صفقات السلاح الفرنسية إلى مصر في 2014 بمقدار 18 بالمئة، لتصبح 8.2 مليار يورو.

وقال تقرير لليورو نيوز، إن ألمانيا باعت أسلحة لمصر بقيمة 140 مليون يورو في 2011، وصدّرت إيطاليا أسلحة قيمتها 146 مليون يورو في نفس العام، مقابل صفقات بقيمة 236 مليون يورو من قبرص، و113 مليون يورو من جمهورية التشيك.

وفي الفترة من 2014 وحتى الآن اشترت مصر من فرنسا 4 حاملات طائرات من طراز ميسترال، و24 طائرة رافال مقاتلة، بالإضافة إلى 4 غواصات من ألمانيا، و8 أنظمة صواريخ من إيطاليا، و14 طائرة نقل عسكرية من أسبانيا. هذا بالإضافة إلى الصفقات الموقعة مع روسيا.

امتلاك السلاح وتحقيق نجاحات إقليمية على الأرض ينعكس داخليا على الأوضاع الاقتصادية، فالقوة النوعية توفر مناخا أفضل للأمن ومن ثم الاستقرار

حماية الأمن العربي

فتحت هذه الصفقات الباب لأسئلة كثيرة، داخل مصر وخارجها حول سبب الصفقات المكثفة في الوقت الحالي، وأوجه الاستفادة منها، وهل ترتبط بطبيعة الأدوار الإقليمية للقاهرة خلال الفترة المقبلة.

مختار غباشي، نائب رئيس المركز العربي للدراسات الاستراتيجية، قال لـ”العرب” إن الأوضاع الراهنة في المنطقة العربية تتطلب تواجد قوة مواجهة حاكمة من أجل حماية الأمن القومي العربي، وهو ما دفع دولا خليجية للمساهمة في تمويل بعض الصفقات المصرية.

وأضاف أن محاولات تشكيل القوة العربية المشتركة والتحالف الإسلامي تتطلب أن يكون الجيش المصري قويّا، وهو ما لم يكن ليتم دون تنويع مصادر سلاحه وتطويره بشكل كامل، لأن القاهرة تعد قاسما مشتركا رئيسيا في موازين القوّتين.

في المقابل، بيّن عدد من خبراء الاقتصاد أن القوة العسكرية تكون في بعض الأحيان أهمّ من القوة الاقتصادية، فامتلاك السلاح وتحقيق نجاحات إقليمية على الأرض ينعكس داخليا على الأوضاع الاقتصادية، فالقوة النوعية توفر مناخا أفضل للأمن ومن ثم الاستقرار.

وقرأ سياسيون تعدّد الصفقات، على أنها محاولة لتفرض مصر نفسها كقوة إقليمية ذات ثقل سياسي وعسكري لا تقل أهمية عن إسرائيل وتركيا وإيران، خاصة مع تفوّقها النسبي في عاملي الخبرات السابقة والكثافة البشرية.

لكنهم أكدوا أن نجاح تلك الخطة يستوجب وجود ديمقراطية حقيقية بالداخل تساعد على تثبيت أركان النظام الحالي، وإبرام المزيد من صفقات السلاح دون أن يؤدي ذلك إلى تزايد السخط الشعبي.

وقال عبدالرافع درويش، الخبير العسكري، لـ”العرب”، إن التسليح المصري الحديث يستهدف إعطاء الجيش فرصة القيام بعمليات عسكرية خارج الأراضي المصرية بمسافات طويلة، في ظل تراكم التحديات التي تهدد الأمن القومي.

ميسترال.. حامية البحر الأحمر

وأضاف درويش أن صفقة حاملات الطائرات الفرنسية مثلا، تحدد ملامح توجه التسليح المصري، وأنه قد يستخدم في حالة وجود حرب مع إيران وهو أمر تتزايد احتمالاته، بسبب توتر علاقاتها مع دول المنطقة، أو إثيوبيا حال فشل الحلول السياسية لأزمة سد النهضة.

الاتفاقيات العسكرية المبرمة خلال العامين الماضيين وصلت تكلفتها إلى أكثر من 100 مليار جنيه مصري (11 مليار دولار تقريبا) ما آثار تساؤلات عن كيفية توفير تلك الأموال في وقت تعاني فيه مصر اقتصاديا.

وردّ على هذا التساؤل اللواء عبدالرافع درويش مشيرا إلى أن توقيع هذا الكم الكبير من العقود في فترة وجيزة وتمويل تلك الصفقات تمّ من خلال تقسيم فترات السداد على أزمان متباعدة، ومساهمة بعض الدول الخليجية في التمويل، وإبرام العديد من الاتفاقيات السياسية والاقتصادية مع البلدان المصدرة للسلاح، ساعد على توقيع كل هذه العقود في فترة وجيزة.

وفسّر مراقبون حصول مصر على أعداد كبيرة من الطائرات بأنّ القوات الجوية أصبح لها العديد من المهام الجديدة عليها، مثل مهمة تأمين الحدود لمنع أيّ توغل من قبل الجماعات المسلحة على الحدود الشرقية أو الغربية.

كما أن التوجه المصري نحو أفريقيا يدفعها للحصول على أسلحة متطورة، ففي المستقبل القريب سيكون لمصر دور في الحفاظ على مصالحها في العمق الأفريقي، من أجل المزيد من التعاون السياسي والاقتصادي مع تلك البلدان بعد فترات طويلة من القطيعة.

لماذا أوروبا

أسئلة أخرى تثار حول أسباب اقتصار غالبية صفقات التسليح الحيوية على ألمانيا وفرنسا تحديدا. مراقبون أوضحوا أن ذلك يأتي بدافع الرد على موقف الولايات المتحدة الأميركية التي قررت تعليق المساعدات العسكرية لمصر عقب عزل الرئيس السابق محمد مرسي تلبية لمطالب ثورة 30 يونيو 2013، مستفيدا من المنافسات المحتدمة في سوق السلاح العالمي.

لكن، مع ذلك بدا من تحركات الرئيس المصري أنه لم يكن ينوي أو يستطيع التخلي عن الدعم العسكري الأميركي لمصر، ما يبقي على تفسير منطقي وحيد أن مصر تسعى لتنويع مصادر السلاح تفاديا لأيّ محاولات مستقبلية للضغط عليها.

وفسّر هذا الوضع جمال بيومي مساعد وزير الخارجية الأسبق، قائلا لـ”العرب”، إن مصر اتبعت سياسة لم تعتد القيام بها منذ معاهدة كامب ديفيد، هي طرق أبواب حلفاء عسكريين يمكن أن تتطور العلاقات السياسية معهم، مثل فرنسا وألمانيا وروسيا والصين وباكستان.

ورأى أن ذلك التوجه لم يهدف لإجراء صفقات سلاح فحسب، لكنه يهدف لتوجيه السياسة الخارجية المصرية نحو انفتاح أوسع مدى من المعتاد في مجال التعاون العسكري. وأضاف أن مصر ضمنت التعاون مع دول ذات توجهات فكرية وسياسية متفاوتة، بما فيها دول غربية حليفة للولايات المتحدة نفسها دون الإخلال أو الإضرار بالعلاقات بين القاهرة وواشنطن.

ويرى خبراء عسكريون أن دخول مصر في حرب مفتوحة ضد الإرهاب عامل مساعد على زيادة التعاون العسكري مع أوروبا، التي تتعرض بلدانها لهجمات إرهابية متتالية ما دفعها للتعاون الجدّي مع مصر التي تملك مقومات دحره.

وأوضح نبيل ثروت، الخبير العسكري لـ”العرب”، أن دول الاتحاد الأوروبي من مصلحتها دعم مصر بالسلاح كونها يمكن أن تساعد في حال كان هناك تدخل عسكري ضد تنظيم داعش في ليبيا، باعتبارها الدولة الأقرب جغرافيا من التنظيم، وعليها امتلاك السلاح الذي يمكّنها من المساعدة، إن لم تشارك في الحرب فعليا.

بدوره، قال طلعت مسلم، الخبير العسكري لـ”العرب”، إن علاقات الدول قائمة على المصالح، لذلك استغلت أوروبا فرصة توتر العلاقات المصرية الأميركية للترويج لأسلحتها، مثلما استغلت مصر الفرصة للخروج من الهيمنة الأميركية في مجال السلاح وتنويع مصادرها. وقد حققت فرنسا مثلا العديد من الأهداف بتوريد السلاح إلى مصر، حيث جذبت عددا من الأطراف الإقليمية الجديدة لها لتحقيق نوع من التوازن العسكري مع مصر، وقد عقدت بالفعل كل من قطر والهند صفقات لشراء طائرات “الرافال”.

في كل الأحوال، يبدو التسليح المصري مرتبطا بحسابات إقليمية معقدة، تفرض على القاهرة أن تكون رقما مهما في المعادلة التي لا تزال ملامحها النهائية لم تتشكل بعد.

4