صفقات اللحوم الغريبة في زيارات أردوغان الخارجية

إجراءات حكومية لخفض أسعار اللحوم حتى موعد الانتخابات المقبلة، وأنقرة تتكتم على البيانات وسط تراجع حاد في الإنتاج المحلي.
السبت 2018/04/07
زيارات أردوغان الخارجية تستهدف قطعان الماشية

لندن – جان تيومان - هناك شيء غريب تتمخض عنه معظم زيارات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى الدول الأجنبية، حيث تظهر دائما “صفقة لحوم” على جدول الأعمال، في وقت تتكتم فيه الحكومة على تفاصيل بيانات الاستيراد وتبدو عازمة على إبقاء أسعار اللحوم منخفضة حتى موعد انتخابات العام المقبل.

خلال العام الماضي كانت هناك صفقات لحوم في زيارات أردوغان إلى كل من بولندا والبوسنة وصربيا. بل حتى زيارته إلى السودان، الذي يتلقى عادة لحوم الأضاحي التركية خلال الأعياد، أسفرت عن صفقة لشراء لحوم.

لكن التدقيق في هذا الأمر يثير بعض الشبهات. وسبق أن امتنع وزير الجمارك والتجارة التركي بولنت توفكجي عن الرد على استجواب البرلمان عن بيانات الشركات الأجنبية التي تبيع اللحوم لتركيا، مبررا ذلك بأنها “أسرار تجارية”.

ويمكن الحصول على تلك المعلومات بسهولة من وزارة الزراعة الأميركية، والتي تؤكد ارتفاع عدد الدول التي استوردت تركيا منها الماشية واللحوم المذبوحة إلى 26 دولة.

ورجّحت البيانات أن تواصل واردات تركيا من اللحوم في الارتفاع خلال العام الحالي. واستبعدت أن تتمكن أنقرة من معالجة مشكلة ارتفاع أسعار اللحوم في البلاد بسهولة.

177 بالمئة نسبة ارتفاع واردات الماشية الحية في 2016 وقد تضاعفت 100 بالمئة العام الماضي

وتشير البيانات التي أتاحها معهد الإحصاء التركي إلى أن إنتاج لحوم الأبقار في تركيا انخفض كثيرا في السنوات الأخيرة وأنه يصل حاليا إلى ما يزيد قليلا على مليوني طن سنويا، أي أن حصة الفرد منها لا تتجاوز 12.5 كيلوغرام.

وتؤكد وزارة الزراعة الأميركية وجود مشاكل كبيرة أدت إلى التراجع الحاد في إنتاج اللحوم، بينها أن تركيا تستورد ما بين 60 و70 بالمئة من الأعلاف المستخدمة في تربية المواشي.

ويؤدي الانحدار السريع إلى ارتفاع تكاليف استيرادها إضافة إلى ارتفاع الأسعار، وبالتالي زيادة تكاليف الإنتاج. ونتيجة لذلك تراجع الإنتاج بسبب قلة الأعلاف وإرسال المزيد من الماشية الهزيلة إلى المجازر.

وتظهر الأرقام الصادرة عن المجلس الوطني للحوم أن سعر البيع بالجملة للحوم الأبقار والأغنام زاد بنسب تصل إلى 13 بالمئة في العام الماضي بينما بلغ تضخم أسعار المنتجين 17.3 بالمئة. ويرجح سبب كون زيادة أسعار اللحوم أقل من معدل التضخم يعود دون شك إلى زيادة الواردات.

وتستورد تركيا اللحوم من خلال مسارين، أولهما استيراد الماشية الحية الذي قفز في 2016 بنسبة 177 بالمئة ليصل إلى 426 ألف رأس. وفي العام الماضي تضاعف الرقم 100 بالمئة حين خفضت الحكومة الرسوم الجمركية وسمحت باستيراد 975 ألف رأس من الماشية.

وفي المقابل ورغم تدفق واردات الماشية الحية، لم تشهد أعدادها في تركيا زيادة موازية، وهو ما يعني أن الحيوانات كانت تذبح بشكل فوري.

أما السبيل الثاني للاستيراد، فهو شراء اللحوم المذبوحة. وتشير البيانات التي أعلنها وزير الزراعة أشرف فاقي بابا إلى أن تركيا استوردت 41 ألف طن من اللحوم بين منتصف 2016 ومنتصف 2017.

بولنت توفكجي امتنع عن كشف بيانات واردات اللحوم أمام البرلمان بحجة أنها أسرار تجارية
بولنت توفكجي امتنع عن كشف بيانات واردات اللحوم أمام البرلمان بحجة أنها أسرار تجارية

وكان من المتوقع أن تستورد 66 ألف طن أخرى في النصف الثاني من العام الماضي. وتخطط هيئة اللحوم والحليب لاستيراد 51 ألف طن من اللحوم المذبوحة خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الحالي.

ولا تظهر تلك الأرقام سوى كمية اللحوم التي تستوردها هيئة اللحوم والحليب ولا تتضمن ما يستورده القطاع الخاص بعد أن تم خفض الرسوم الجمركية المفروضة على واردات اللحوم المذبوحة إلى 40 بالمئة حتى نهاية عام 2018.

ولذلك تشير التقديرات إلى أن كلا من جورجيا والعراق من بين أكبر الدول المصدرة للحوم إلى تركيا، رغم أن هيئة اللحوم والحليب لا تشتري اللحوم من هاتين الدولتين، حيث أن القطاع الخاص فقط هو الذي يشتري منهما.

ووفقا للتقارير الصادرة عن وزارة الزراعة، فإن هيئة اللحوم والحليب تشتري اللحوم من بلجيكا وفرنسا وبولندا ورومانيا ولاتفيا وإسبانيا والمجر. ويتعين علينا أن نضيف البوسنة والهرسك وصربيا إلى قائمة الدول التي أبرم أردوغان اتفاقات معها في الآونة الأخيرة لشراء اللحوم منها. ومن ثم فإن عدد الدول التي تشتري تركيا اللحوم المذبوحة منها زاد إلى 11 دولة.

ويرى محللون أن الشركات الأجنبية الموجودة في أوروبا، التي تشتري هيئة اللحوم والحليب منها تعد مشكلة أخرى. فمعظم تلك الشركات تشتري الماشية واللحوم البيضاء من دول أخرى، وهو ما يعني عدم وجود ضمانات لأن تكون اللحوم التي تبيعها لتركيا من الإنتاج المحلي.

خلاصة القول، إن ما يحدث هو أن الحكومة تحاول إبقاء أسعار اللحوم الحمراء منخفضة قبيل الانتخابات المقبلة المقرر إجراؤها في العام المقبل من خلال زيادة الواردات، الأمر الذي يدفع المصدرين لاغتنام الفرصة لدخول السوق التركية.

وفي هذه الأثناء زادت الحكومة الدعم الذي تقدمه لمنتجي اللحوم في البلاد والبالغ عددهم 1.1 مليون منتج. كما قرر بنك زراعات والجمعية التعاونية للائتمان الزراعي تأجيل سداد ديون المنتجين وتقديم قروض جديدة بأسعار فائدة مخفضة.

بيد أن أيا من الإجراءات سالفة الذكر لا يوفر حلا دائما لمشكلة إنتاج اللحوم في تركيا.

10