صفقات المصالح بين طهران وواشنطن تقلق دول المنطقة

الخميس 2015/02/12
إيران تستغل المفاوضات حول ملفها النووي لتوسيع رقعة نفوذها في الشرق الأوسط

لندن – يؤكّد المحللون أن الطريق مازال طويلا أمام تحقيق “السبق” الذي يسعى إليه الرئيس الأميركي باراك أوباما، بتجاوز 35 سنة من العداء بين الولايات المتحدة وإيران، التي تبدو، وهي تحيي الذكرى السنوية السادسة والثلاثين لثورة الخميني، مصمّمة على الخروج بأكثر قدر ممكن من الامتيازات في منطقة الشرق الأوسط، حتى ولو كان على حساب جزء من طموحاتها النووية. الأمر الذي يقلق الدول الإقليمية نظرا إلى المفاوضات بين البيت الأبيض والإيرانيين تتجاوز الملف النووي إلى تقاسم النفوذ.

لا تُخفي دول عربية قلقها من تحركات المسؤولين السياسيين والعسكريين الإيرانيين في المنطقة، وذلك في وقت تواترت فيه التقارير حول قرب توصل الولايات المتحدة إلى تسوية مع إيران حول ملفها النووي، وما يحمله من قضايا أخرى تمس من قريب التوازنات الاستراتيجية في المنطقة.

وارتفع منسوب هذا القلق بعد التصريحات المتتالية لعدد من المسؤولين الإيرانيين في بيروت وأفغانستان، مرورا بالتطورات الخطيرة التي يشهدها اليمن، وهي تصريحات عكست نوعا من المغازلة للولايات المتحدة، ومُلاطفة لإسرائيل.

ومع دخول المنطقة العربية في مرحلة التفاهمات وصفقات المصالح التي بدأت تتجلى ملامحها في معالجة جملة من الملفات العالقة، وخاصّة منها الملف السوري وتداعياته، والتقدم المُسجل في المفاوضات الإيرانية الأميركية والغربية ضمن إطار الحوار بين طهران ومجموعة الدول الخمس زائد واحد، الذي ترافق مع فتح نافذة لحوار مباشر بين إيران والولايات المتحدة، تزايدت خشية الدول العربية من الخطاب الإيراني المزدوج الذي يؤشر إلى إمكانية التوصل إلى صفقات أو تفاهمات على حساب العرب.

وحسب الأكاديمي حسان قصار، الأستاذ المحاضر بالجامعة التونسية، فإنّ ما تشهده المنطقة حاليا من تحركات إيرانية متسارعة “يعكس غزلا إيرانيا للولايات المتحدة بحثا عن مدخل تستطيع إيران من خلاله فرض هيمنتها على المنطقة، عبر الحصول على دور إقليمي يتكامل مع توجهات واشنطن”.

واعتبر قصار، في تصريح لـ”العرب”، أنّ تصريحات المسؤولين الإيرانيين السياسيين والعسكريين الذين توزعوا في المنطقة بشكل لافت خلال الأيام القليلة الماضية، “لم تخرج عن سياق البحث عن هذا الدور الإقليمي، مهما كان الغطاء أميركيا أو حتى إسرائيليا”.

وكان عدد من المسؤولين الإيرانيين، عكسوا هذا التوجه، على غرار حسين أمير عبداللهيان، نائب وزير الخارجية الإيراني، الذي أعلن أن الولايات المتحدة طلبت من بلاده المساعدة في حربها على الإرهاب، وعلاء الدين بروجردي، رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني الذي صرح بأن إسرائيل طلبت من إيران، عبر قناة رسمية، عدم التصعيد بعد عملية القنيطرة السورية التي قُتل فيها جنرال في الحرس الثوري الإيراني وستة من عناصر “حزب الله” اللبناني.

بالتوازي مع ذلك، بدأ قائد قوات حرس الحدود الإيراني العميد قاسم رضائي زيارة إلى أفغانستان مثيرة للجدل بالنظر إلى توقيتها، ما دفع الباحث حسان قصار إلى القول “إن ما تقوم به إيران اليوم من تحركات لافتة هو امتداد لتوجهها الاستراتيجي (التوسعي) منذ تدمير العراق”.

الانفراج المسجل على صعيد النووي الإيراني جاء بعد تفاهم طهران وواشنطن حول جملة من القضايا الاستراتيجية

وأضاف قصار لـ”العرب” أنّ الاستراتيجية الإيرانية “هي نتاج تراكم بدأ مع تدمير العراق، وتحول إلى لبنان بحثا عن دور إقليمي، بدعم من الولايات المتحدة، وهو دور يشمل منطقة الخليج العربي، واليمن وسوريا ولبنان، ولا يستثني بقية الدول العربية التي تأسست فيها جمعيات موالية لإيران منها جمعية ‘أحباب أهل البيت’ المنتشرة في أكثر من دولة عربية”.

كما اتّهم إيران بأنها تسعى إلى اقتسام “الكعكة العربية مع الولايات المتحدة، وبالتالي تهشيم أسس الخريطة السياسية في المنطقة العربية وإعادة تشكيلها بما ينسجم مع طموحها”. وتابع قائلا “إنّ كل المؤشرات تدل على أن المفاوضات حول الملف النووي ليست سوى غطاء لمفاوضات أخرى، خاصّة بعد التأكد من أن إيران طلبت فعلا من الحوثيين عدم الاقتراب من مضيق باب المندب، بل حذرتهم من مغبّة القيام بذلك لتجنب الغضب الأميركي، وعدم إحراج مصر”.

وكانت مصادر يمنية أكدت أن جماعة الحوثي تلقت تحذيرات من إيران بعدم السيطرة على مضيق باب المندب، أو الاقتراب من الحدود السعودية، أو المسّ بمنظومة الاتصالات الأميركية الموجودة في جهاز الأمن القومي بصنعاء، التي كانت تُستخدم في توجيه الطائرات دون طيار.


صفقات إقليمية


يؤكد هذا التحذير ما ذهبت إليه مصادر سياسية لبنانية قالت لـ”العرب” إن الانفراج المسجّل على صعيد الملف النووي الإيراني جاء بعد اقتراب طهران وإدارة أوباما من تفاهمات حول جملة من القضايا الاستراتيجية الأخرى، كانت على طاولة مفاوضات جنيف حول النووي الإيراني.

وأكدت المصادر أنّ الجانبين بحثا على هامش جولة المفاوضات الأخيرة حول الملف النووي، عدّة ملفات أخرى مرتبطة بالدور الإقليمي لإيران، كانت المفاوضات حولها تتم عبر وسيط عربي مُقرب من طهران وواشنطن، وهي ملفات تهمّ اليمن، (خاصة مستقبل جماعة الحوثي ومضيق باب المندب الذي يربط بين البحر الأحمر وبحر عدن وبين أفريقيا وآسيا من جهة البحر العربي، والذي يُعد واحدا من أبرز الشرايين الحيوية التي تؤثر مباشرة على تدفق البترول والبضائع من وإلى أوروبا وإسرائيل).

السعودية والكونغرس وإسرائيل.. فيتو يرفع في وجه أي اتفاق سيئ

كما تتعلق تلك الملفات بسوريا، ولبنان، وبطبيعة الصراع الإيراني – التركي، ومسألة التشيّع في مصر، والشأن الأفغاني، وصولا إلى قضية أمن الخليج وكيفية تقاسم مناطق النفوذ هناك بين إيران والولايات المتحدة، وهي قضايا دفعت الرئيس الإيراني حسن روحاني إلى القول، مؤخرا، “إنّ الخلافات في وجهات النظر بين بلاده والولايات المتحدة تقلّصت”.

يدعم الباحث الأميركي مارك أندري النظرية القائلة إن هناك تفاهمات إقليمية وراء الصفقة النووية.

وفي حال سار كل شيء على ما يرام ولم تنسفها الألغام الكثيرة المزروعة على طريقها، ستعطي الولايات المتحدة فرصة إعادة دمج إيران في النظام الدولي، كدولة طبيعية لا مارقة وفق شروطها، وستعطي إيران، ليس فقط طوق النّجاة من الانهيار الإقتصادي – الاجتماعي وحسب، بل أيضا دورا إقليميا مُعترفا به دوليا.

وإذا ما توصّل الطرفان إلى مثل هذه “الصّفقة الكبرى”، سيكون الشرق الأوسط على موعِد بالفعل مع نظام إقليمي جديد وتحالفات دولية – إقليمية، قد لا تخطر الآن على بال أحد. ويرى مراقبون أنّ إيران ماضية في سعيها للتوصل إلى تفاهمات مع الولايات المتحدة حول مستقبل دورها الإقليمي، رغم أنها تواجه صعوبات حقيقية قد تحول دون تحقيقها لهذه الغاية، لاعتبارات ثلاث؛ أولها تزايد الرفض الشعبي العربي للمشروع الإيراني، وثانيها استنزاف الموارد المالية اللازمة لتحقيق هذا المشروع على ضوء التراجع الكبير في أسعار النفط في الأسواق العالمية، والسبب الثالث معارضة إسرائيل وعدد هام من السياسيين الأميركيين للتقارب بين واشنطن وإيران.

دول عربية تتوجس من الخطاب الإيراني المزدوج الذي يؤشر إلى إمكانية التوصل إلى صفقات أو تفاهمات على حساب العرب


قلق أميركي إسرائيلي


كشفت مجلة “نيوزويك” الأميركية أن عددا كبيرا من نوّاب الكونغرس الأميركي ولاسيما النواب المؤيدين لإسرائيل بمجلس الشيوخ، تتطابق وجهات نظرهم مع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، ويرون أن التوصل إلى اتفاقا “سيئا” يشكل خطرا وجوديا.

وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أكّد عزمه التوجه إلى واشنطن، ليقول إنّ “هناك اتفاق سيئ آخذ بالتبلور في ميونخ، ووفق التقارير فإنّ أي اتفاق سيتيح لإيران تصنيع العشرات من القنابل النووية وأنا كرئيس للوزراء من واجبي القيام بكل شيء من أجل منع التوقيع على هذه الاتفاقية، ولهذا أنا مصمم على الذهاب إلى واشنطن من أجل طرح موقفي في الكونغرس”.

ورغم أن باراك أوباما يبدو متفائلا بشأن النووي الإيراني، خاصة بعد أن أجّل الكونغرس تشريع قانون فرض عقوبات جديدة على إيران، إلا أن المحللّين لا يتوقّعون أن يحقّق أوباما “السبق” الذي يحلم به في ما يخص المفاوضات النووية الإيرانية.

وفنّد معهد هدسون لأبحاث السياسة العامة، أسس استراتيجية الرئيس أوباما حيال طهران التي تستند إلى “دمج إيران في النظام الاقتصادي والسياسي الدولي بدل ممارسة مزيد من الضغوطات عليها”.

وأوضح معدّ الدراسة مايكل دوران أن هذه السياسة، التي تبحث عن التوافق بين واشنطن وطهران، هي خطة “كارثية”.

وأضاف دوران: “تفترض سياسة الرئيس أوباما أن إسرائيل وحلفاء الولايات المتحدة الآخرين سوف يجلسون بهدوء، في حين تصبح إيران قوة إقليمية ناجحة… إنهم لن يفعلوا ذلك، ومن الحماقة توقع أن يقوموا بذلك”.


تفاصيل أخرى:


الاتفاق مع إيران يمر عبر تحجيم نفوذها في الشرق الأوسط

6