صفقات تسليح جديدة ترسخ اعتماد مصر على استراتيجية الردع لحماية مصالحها

تطوير الأباتشي الأميركية وتحديث المنظومة الهجومية والغواصة الجديدة تعزيز للقدرات القتالية.
الأحد 2020/05/10
طفرة في تسليح الجيش المصري

تطرح صفقات التسليح التي أعلنت مصر عن إتمامها مؤخرا تساؤلات حول أهدافها ودوافعها وعلاقتها بالتحركات الإقليمية، بالإضافة إلى الحرب على الإرهاب، وهل انتقل الجيش المصري من مرحلة التسليح الدفاعي التي رافقته منذ عقد اتفاقية كامب ديفيد عام 1979 إلى مرحلة التسليح الهجومي بعيد المدى؟

القاهرة - ترسخ مصر اعتمادها على إستراتيجية الردع العسكري في مواجهة الأخطار التي تهدد أمنها القومي، دون الاضطرار إلى الدخول في مواجهات مباشرة خارج الحدود، في ظل استمرار التهديدات على الحدود الغربية مع ليبيا والتوتر في منطقة شرق المتوسط وكذلك تأزم مفاوضات سد النهضة مع إثيوبيا.

وأكّدت مصر دعم هذه الإستراتيجية من خلال توقيع صفقات تسليح جديدة، حيث أعلنت الخارجية الأميركية، الخميس، موافقتها على صفقة معدات عسكرية لمصر بقيمة 2.3 مليار دولار، تشمل بيع معدات عسكرية لتجديد 43 مروحية هجومية من طراز أباتشي المتطورة، لافتة إلى أن الصفقة تدعم السياسة الخارجية والأمن القومي للولايات المتحدة، من خلال المساعدة على تحسين أمن بلد صديق لا يزال شريكا إستراتيجيا في الشرق الأوسط، يعتزم استخدام المروحيات الهجومية في عملياته ضد المسلحين في سيناء.

تضمنت الصفقة، التي تأتي في وقت نوّعت فيه القاهرة من مصادر تسليحها، تحديث منظومات التسليح الدفاعية، ومنها منظومة التحذير من الصواريخ وأنظمة تحديد المواقع العالمية والملاحة وأجهزة الاتصالات التكتيكية.

ويرى عسكريون أن القاهرة مهتمة بإظهار قدرتها على حماية مصالحها القومية وفقا لرؤيتها، واستطاعت أن تحجم العديد من التهديدات التي كانت موجّهة إليها بشكل مباشر بتقليص قدرات التنظيمات الإرهابية على الحركة في المناطق الصحراوية وتمكنها من التنقيب عن الغاز في منطقة شرق المتوسط، وحماية مصالحها البحرية دون تهديد يذكر.

مهام متجددة

اللواء نصر سالم: ثمة مهمة جديدة تكمن في الاستعداد للتحوّل إلى التحرك الخارجي في أي لحظة، وسيكون ذلك التحرك مصحوبا برأي عام دولي داعم للدولة المصرية
اللواء نصر سالم: ثمة مهمة جديدة تكمن في الاستعداد للتحوّل إلى التحرك الخارجي في أي لحظة، وسيكون ذلك التحرك مصحوبا برأي عام دولي داعم للدولة المصرية

تحقّق الصفقة الأخيرة جملة من المكاسب السياسية للقاهرة بعد أن أبدت واشنطن اهتماما متصاعدا بالتنسيق العسكري مع مصر، انعكس ذلك على استئناف مناورات “النجم الساطع” المشتركة بين البلدين، وتوالي عقد صفقات السلاح بينهما بعد وصول الرئيس دونالد ترامب إلى السلطة.

وعلى مدار السنوات الماضية تعرضت الحكومة المصرية لانتقادات لاذعة بسبب اهتمامها بعمليات التسليح في ظل أوضاع اقتصادية خانقة، غير أن تنامي التهديدات الخارجية على الحدود الغربية، ونقل تركيا للآلاف من المسلحين إلى ليبيا، إلى جانب عدم القضاء على الإرهاب بشكل نهائي في سيناء، تسبّب في خفوت صوت الانتقادات، خاصة مع وجود حالة من التأييد الشعبي للإجراءات الأمنية المتبعة ضد التنظيمات الإرهابية في الداخل والخارج.

وقال رئيس جهاز الاستطلاع بالجيش المصري سابقا، اللواء نصر سالم، إن صفقة الأسلحة الأميركية تعزّز القدرات القتالية للقوات المسلحة التي سيتوجّب عليها القيام بأدوار فاعلة خلال السنوات القليلة المقبلة لحماية الأمن القومي، مع استمرار تدهور الأوضاع في كل من ليبيا وسوريا، وعدم استقرار الأوضاع في الجنوب، حيث لا يزال شبح النظام السوداني السابق يهدد السلطة الانتقالية في الخرطوم، وتموج منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر بأمواج من الصراعات والنزاعات، ناهيك عن تنامي الخطر القادم من الجبهة الشرقية مع قطاع غزة.

وأضاف، في تصريح لـ”العرب”، أن إستراتيجية الردع تواجه الإرهاب بشكل مباشر في الداخل. وتسعى إلى تدمير قدراته ووقف عملية تمويله وقطع الصلات بين العناصر الموجودة بالداخل وغيرها من التي تتحرك بالقرب من الحدود المصرية.

وأشار إلى أن ثمة مهمة جديدة تكمن في الاستعداد للتحوّل إلى التحرك الخارجي في أي لحظة، وسيكون ذلك التحرك مصحوبا برأي عام دولي داعم للدولة المصرية التي لم تتورط في أي أعمال عنف مسلحة في البقاع المشتعلة بمنطقة الشرق الأوسط طيلة السنوات الماضية، وأثبتت عدم رغبتها في أي أطماع، لكن هي تحرّكات موصولة بالآليات اللازمة للحفاظ على الأمن القومي ووقف عمليات إعادة توطين الإرهابيين بالقرب من الحدود الغربية لمصر.

المؤسسة العسكرية استلمت، الثلاثاء الماضي، الغواصة الألمانية أس – 43، وهي الثالثة من أصل 4 غواصات تعاقدت عليها عام 2014 لتعزيز قدراتها الدفاعية.
المؤسسة العسكرية استلمت، الثلاثاء الماضي، الغواصة الألمانية أس – 43، وهي الثالثة من أصل 4 غواصات تعاقدت عليها عام 2014 لتعزيز قدراتها الدفاعية.

وبحسب رأي سالم، الذي يدرّس العلوم العسكرية في أكاديمية ناصر بالقاهرة، يقع الاعتماد على  سلاح الردع في المواقف التي تكون فيها الدولة تحت تهديد محتمل على حدودها أو داخل المياه الاقتصادية القريبة منها، أو عبر محاولات نقل العناصر الإجرامية أو الإرهابية إلى داخل البلاد. وجرى بالفعل إحباط العديد من عمليات التهديد المباشرة من خلاله. وتتطلب عملية مواجهة التهديد المباشر استخدام نوع آخر من القوة الإستراتيجية لحماية أمن البلاد.

وذهب البعض من الخبراء العسكريين إلى التأكيد على أن الحفاظ على قوة تسليح الجيش المصري التي وضعها موقع “غلوبال فاير باور” في المرتبة التاسعة كأقوى جيوش العالم، يضمن الحفاظ على المصالح الإستراتيجية خارج الحدود، خاصة آبار الغاز المكتشفة حديثا في منطقة شرق المتوسط والحفاظ على قوة مصر كطرف فاعل في منتدى غاز شرق المتوسط الذي تستضيفه  العاصمة المصرية القاهرة، وإسناد أدوار فاعلة إليها ضمن تحالف دول البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

تشير التقاطعات السابقة إلى أهمية أن تملك مصر أنواعا مختلفة من الأسلحة المتطورة، التي تمكنها من الردع والصد والمبادرة عند الضرورة. ووسط الصراعات المشتعلة يبدو التسلح مسألة في غاية الحيوية، وقد عانت مصر من مكايدات وتحرشات كثيرة، نجحت في امتصاصها قبل أن تتورط في مواجهتها مباشرة.

فرضت هذه التحديات على القاهرة المزيد من الاهتمام بتطوير أسطولها البحري الذي يعد سابع أقوى أسطول على مستوى العالم، بعد أن استلمت المؤسسة العسكرية الثلاثاء الماضي، الغواصة الألمانية أس – 43، وهي الثالثة من أصل 4 غواصات تعاقدت عليها عام 2014 لتعزيز قدراتها الدفاعية. ويعزز هذا الاتجاه المخاطر التي يمكن التعرض لها من جهة البحر المتوسط والبحر الأحمر.

تعدّ الغواصة الجديدة أحدث فئة من هذا الطراز في العالم، وجرى إتمام تأهيل الأطقم الفنية والتخصصية العاملة على الغواصة وفقاً لبرنامج متزامن بكل من مصر وألمانيا، وتنفيذاً لإستراتيجية عسكرية تهدف إلى تطوير القدرة على مواجهة المخاطر التي تتعرض لها المنطقة، لاسيما المخاطر الاقتصادية، والمتعلقة باكتشافات الطاقة الجديدة.

إخماد التحرشات مبكرا

اللواء علاء عز: العديد من المناورات البحرية التي أجرتها القاهرة خلال العامين الماضيين ركزت بشكل أساسي على تدريبات الهجوم وإطلاق صواريخ عمق سطح
اللواء علاء عز: العديد من المناورات البحرية التي أجرتها القاهرة خلال العامين الماضيين ركزت بشكل أساسي على تدريبات الهجوم وإطلاق صواريخ عمق سطح

تتنوع مهام القوات البحرية التي تتولى عملية تنظيم حركة الملاحة البحرية وتأمين المياه الإقليمية والاقتصادية، ومنع حدوث اختراقات للسواحل ووقف عمليات تهريب الأسلحة والمخدرات ومكافحة الهجرة غير الشرعية، وتأمين المنشآت الحيوية على الساحل من منصات وحقول البترول والغاز الطبيعي، والقيام بأعمال المعونة والإنقاذ في الكوارث والأزمات.

وأكد رئيس مركز الدراسات الإستراتيجية بالجيش المصري سابقا اللواء علاء عز أن القيادة العسكرية انتبهت لضرورة الاهتمام بالأسلحة الهجومية التي قد تكون بحاجة إليها على نطاق واسع، حال اقتضى الأمر. وذلك ما يفسر تطوير كفاءة طائرات الأباتشي القتالية وتطوير سلاح الغواصات الذي يعد من أقوى الأسلحة الهجومية التي أضحت من الأذرع الطويلة التي تستطيع وقف تحرشات تركيا في المياه الإقليمية المصرية.

وأوضح لـ”العرب” أن العديد من المناورات البحرية التي أجرتها القاهرة خلال العامين الماضيين ركزت بشكل أساسي على تدريبات الهجوم وإطلاق صواريخ عمق سطح، وهو ما يُمكّن الغواصة من أن تغطس تحت سطح الماء بأعماق مختلفة، ويكون لديها اتصال قوي بوسائل أعلى سطح البحر وتستطيع تدمير وإصابة الهدف المحدد.

ومن خلال هذه المنظومة القوية للأسلحة، ضمنت مصر تخفيض مستوى الأخطار العسكرية القادمة من الخارج، وأرسلت رسائل تفيد باستعدادها للتصدي لأي دولة تسول لها نفسها الاعتداء عليها وتجاوز الخطوط الحمراء في تهديد أمنها القومي، بل لن تتردد في الوصول إلى أبعد نقطة، إذا وجدت أن الوسائل الدبلوماسية التي تنتهجها غير ناجعة في حل الأزمات.

7