صفقات كبيرة تغير خريطة الإعلام المصري

يحاول رجال أعمال مصريون استباق صدور القوانين المحددة لملكية وسائل الإعلام، بالاستحواذ على بعضها، وبناء كيان إعلامي يدعم التوسع الصناعي، بغض النظر عن المكاسب السياسية.
الثلاثاء 2016/05/17
ملل رجال أعمال في صالح نهم آخرين

القاهرة- فتحت عملية استحواذ رجل الأعمال المصري أحمد أبوهشيمة على قناة “أون تي في”، المملوكة للملياردير نجيب ساويرس، الباب مجدداً أمام إعادة تشكيل إمبراطورية الإعلام المصري الخاص، مع قرب إصدار عدد من القوانين المنظمة لعمل المؤسسات الإعلامية.

ومن المرجح أن يضع القانون المقرر مناقشته خلال دورة البرلمان الحالي، حداً لتملك رجال الأعمال للمؤسسات الإعلامية، فلن يحق لأي شخص أن يمتلك أكثر من 5 بالمئة من قيمة أسهم المؤسسة الواحدة، ولن يستطيع الاستحواذ على أسهم في أي قناة أخرى.

ويعني ذلك تحجيم النفوذ، الأمر الذي يدفع البعض إلى إعادة ترتيب الأوراق السياسية، والبحث عن صيغة أو مخرج لتجاوز هذه العقبة. وكخطوة استباقية على إصدار القانون، أعلنت شركة “إعلام المصريين”، التي يرأسها رجل الأعمال أحمد أبوهشيمة، الأحد، قيامها بتوقيع عقد استحواذ على نسبة 100 بالمئة، من كامل أسهم الشركة المالكة لقناة “أون تي في” بعد توقيع عقد الاستحواذ مع مالكها الأصلي نجيب ساويرس.

جاءت هذه الخطوة بينما يعاني عدد من الفضائيات أزمات مالية طاحنة، قد لا تمكن بعض الفضائيات من الاستمرار في المنافسة، خاصة بعد إخفاقها في تقديم مضمون جيد يجذب إليها قطاعا كبيرا من المشاهدين، مما دفع رجال أعمال صاعدين إلى استغلال الإخفاقات التي تمر بها بعض القنوات، ومحاولة توظيفها لصالحهم.

قناة “أون تي في” أصبحت عبئا ثقيلا على الملياردير المصري، لذا سارع بالتخلص منها، والتقت تلك الرغبة مع طموحات أبوهشيمة لبناء كيان إعلامي يوازي توسعه الصناعي

وأكد ياسر عبدالعزيز الخبير الإعلامي، أن صفقة ساويرس- أبوهشيمة تستبق صدور القوانين المنظمة للمجال الإعلامي، وهي حالة أشبه بتبادل الأدوار، مشيرا إلى أن صدور القانون الجديد سيضع قيودا على الملكية والاحتكار. وأضاف في تصريحات لـ”العرب”، إن امتلاك رجال الأعمال للإعلام مسألة معروفة في العالم كله، وفي الدول المتقدمة تحديدا معظم وسائل الإعلام يمتلكها القطاع الخاص، ما يعزز التنوع والتعددية، لكن الأمر مختلف في مصر، حيث يرتبط بحسابات تتعلق بميادين عملهم الأصلية.

ويتردد في الوسط الإعلامي عرض عدد من القنوات للبيع، إلى جانب “أون تي في”، ويدور الحديث عن بيع قناة “الحياة” المملوكة للسيد البدوي رئيس حزب الوفد الليبرالي إلى أحد المستثمرين العرب، وتردد أن قناة “سي بي سي” أيضا يمكن أن تواجه المصير نفسه.

وكشفت الأشهر الماضية عن تعثر مادي طال بعض وسائل الإعلام، الأمر الذي فتح الباب نحو إعادة تدوير الملكية، ودخول ملاك وخروج آخرين، فضلا عن إغلاق بعض الصحف (التحرير مثلا) وتحويلها إلى موقع الكتروني فقط. ويقول متابعون إنه على الرغم من تعثر إحدى الصحف الخاصة، إلا أن مالكها يرفض بيعها، ويتحمل خسائر كبيرة، لأن سطوة الإعلام تحمي رجال الأعمال ومصالحهم الأخرى.

وقالوا إن هذا هو سبب دخول مالك “أون تي في” الجديد أحمد أبوهشيمة القطاع الإعلامي عقب ثورة يناير 2011، كنوع من أنواع الحماية لثروته، حيث استحوذ على أسهم جريدة وموقع “اليوم السابع”، ويمتلك نسبة من أسهم قنوات “النهار”، بعد أن ارتبط اسمه بصناعة الحديد.

وقال حسن علي رئيس جمعية حماية المشاهدين لـ”العرب”، إن الخلافات المتصاعدة بين ساويرس والنظام المصري تسببت في خسائر بالغة لوسائل الإعلام التي يمتلكها، عقب التشويه الذي طال صورته خلال الفترة الماضية. يذكر أن قناة “أون تي في” عرفت في الآونة الأخيرة بانتقاداتها اللاذعة للنظام المصري، وتبني بعض برامجها خطا معارضا لكثير من سياسات الحكومة، بخلاف قنوات خاصة درجت على مهادنتها في أوقات كثيرة.

وحيد عبدالمجيد: الصفقات بين رجال الأعمال لا تؤثر كثيرا على التوجه العام للإعلام

وأضاف علي أن قناة “أون تي في” أصبحت عبئا ثقيلا على الملياردير المصري، لذا سارع بالتخلص منها، والتقت تلك الرغبة مع طموحات أبوهشيمة لبناء كيان إعلامي يوازي توسعه الصناعي، باعتباره لاعبا حديثا في ملعب الإعلام المصري الخاص. وأصبح الإعلام الخاص في مصر الذي انتعش في السنوات الأخيرة مملوكا لعدد من رجال الأعمال، الذين يريدون دعم نفوذهم الاقتصادي بآخر إعلامي.

وكان للثورة المصرية عام 2011 وما تبعها من عزوف الجمهور عن مشاهدة التليفزيون الحكومي الفضل في دخول رجال الأعمال الساحة الإعلامية، ونجاحهم في حفر أسماء قنواتهم لدى الرأي العام، وهو ما مكنهم من التوظيف السياسي لكثير من البرامج التي تمكنت من رفع نسب مشاهديها.

وأبدى رجال الأعمال قابلية للتجاوب مع الضغوط من جانب السلطة، عند مستوى معين، ما يجعل زيادة استثمار القطاع الخاص في هذا المجال غير مرتبطة بمدى استقلال وتنوع وسائل الإعلام. إلا أن سيطرة الحكومة على خيوط كثيرة غير مباشرة في الإعلام الخاص لم تمنع بعض الإعلاميين من التسبب في مشكلات عديدة وصلت حد الضرر الدبلوماسي، وبالتالي كان قرار الحكومة التعجيل بإقرار قانون الصحافة والإعلام الموحد من العلامات التي كشفت عن الضيق والاتجاه لمزيد من إحكام السيطرة.

ويرى وحيد عبد المجيد رئيس تحرير دورية السياسة الدولية، أنه “لا يوجد في مصر إعلام بمعناه الدقيق، بعد أن أصبح خاضعا لبيت الطاعة، المتمثل في السلطة الحاكمة”. وأشار في تصريحات لـ”العرب” إلى أن الصفقات التي تجري بين رجال الأعمال لا تؤثر كثيرا على التوجه العام المفروض على جميع وسائل الإعلام، وتحديدا المرئية.

ولفت إلى أن هذه الحالة ربما تؤدي إلى ظهور إعلام آخر على مواقع التواصل الاجتماعي التي تتوافر فيها مقومات الإعلام البديل، لكن دون ضوابط لمنع استغلالها في ترويج الشائعات.

18