صفقة الأسلحة الروسية لمصر: بين الخشية والتفاؤل

الثلاثاء 2013/11/19
الصفقة المصرية-الروسية تحتوي على طائرات ميغ 29

تعيش مصر في هذه المرحلة الدقيقة على وقع الكثير من التجاذبات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، خلفت حالة من الترقب للوصول إلى وضع الاستقرار والتوازن، بعد محاولات الإخوان المتكررة ارباك المشهد وإدخال البلد في أتون العنف والحرب الأهلية.

ولكن حكام مصر الجدد نجحوا في الحد من خطرهم والعمل عل بناء دولة وطنية قوية لها سيادتها الداخلية والخارجية، وتحدد خياراتها حسب مصالحها وتوجهاتها الخارجية. وتأتي صفقة الأسلحة التي يرتب لها مع الجانب الروسي في سياق سيادة القرار المصري بعد اتخاذ البيت الأبيض قرارا بتأجيل إرسال شحنة من طائرات الأباتشي المقاتلة وقطع غيار للدبابات، بالإضافة إلى تأجيل تسليم مصر أربع طائرات إف 16 مقاتلة، فضلا عن الانسحاب من التدريبات العسكرية المشتركة مع الجيش المصر وتعليقها المعونة العسكرية جزئيا.

وتقول مصادر إعلامية أميركية وثيقة الصلة بالبنتاغون أن القاهرة تتفاوض مع الروس على واحدة من أكبر صفقات السلاح في تاريخها، تتضمن مقاتلات ميغ 29 وأنظمة دفاع جوي وصواريخ مضادة للدبابات. ويذهب مراقبون أن الموقف الأميركي الداعم لجماعة الإخوان هو ما دفع الحكومة المصرية للبحث عن بديل وإحداث توازن في علاقاتها الدبلوماسية. ونعرض هنا لقرائنا الأفاضل موقفين متباينين من القضية الأول لخيام محمد الزعبي الكاتب والباحث الأكاديمي السوري الذي يذهب إلى أن واشنطن مسؤولة عن التوجه المصري تجاه روسيا. والثاني لمحمد قدري سعيد الخبير العسكري والاستراتيجي الذي يرى أن مصر لا يمكنها الاستغناء عن السلاح الأميركي.

خيام الزعبي: مصر تسعى لبناء علاقات جديدة مع روسيا

واشنطن مسؤولة عن التوجه المصري تجاه روسيا


يرى خيام محمد الزعبي الكاتب والباحث الأكاديمي السوري أن مصر تسعى إلى بناء علاقات جديدة مع روسيا التي استغلت الأخطاء الأميركية من قطع المعونات وإلغاء مناورات النجم الساطع مع الجيش المصري.

ويعتقد خيام أن مصر تحولت إلى ساحة منافسة بين الدولتين الأقوى في العالم، الولايات المتحدة الأميركية من جهة وروسيا من جهة أخرى، إذ تبذل الدولتان جهودهما لكسب ود مصر خلال الفترة الحالية.

ويذهب الزعبي أن القاهرة بدت من جانبها حريصة على إذكاء هذه المنافسة الروسية الأميركية للحصول على أكبر قدر من المكاسب، فاتخذت موقفا أكثر ميلا للتوجه الروسي من الأزمة السورية، وأعلنت عن تأييد مصر للجهود التي بذلتها روسيا للحيلولة دون توجيه ضربة أميركية لسوريا.

ويرى أن هناك صراعا بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا على بسط نفوذهما في منطقة الشرق الأوسط خاصة مصر، في ظل الاضطرابات السياسية التي تواجهها، فالتوتر الذي شاب العلاقات المصرية الأميركية في الفترة الأخيرة، ترك مساحة واسعة لروسيا كي تتدخل لملء الفراغ وتقديم يد العون وتكون بمثابة حليف بديل عن واشنطن في مصر.

كما يرى خيام أن واشنطن تعد المسؤولــة عن التوجه المصري الحالي تجاه روسيا، بسبب تذبذب إدارة أوباما في مساندة الشعب المصــري عقب ثورة 30 يونيو، الأمر الذي أدى إلى تزايد قوة التيار القومي الذي ينادي باستقــلال القرار المصري ونقض الشراكة مع واشنطن، فضلا عن العداء الشعبي المتزايد تجاه الولايات المتحــدة ســواء من المؤيـدين للحكومــة المؤقتة أو المعارضين لها من أنصـار الرئيس المعزول محمد مرسي.

فالاضطرابات السياسية وخيبة الأمل التي أصابت مصر من حلفائها الغربيين جعلت مصر تفكر مليا من جديد في سياستها الخارجية وأولوياتها وتحويل محور اهتمامها وتحالفاتها إلى دول شرق الأطلسي، لاسيما النظر إلى الدب الروسي، وهو ما يجعل القاهرة تحاول التقارب من موسكو لبناء علاقات جديدة تعيد ذاكرتها إلى عقود الاتحاد السوفيتي.

ويذهب الزعبي أن مصر تسعى إلى استعادة علاقاتها الطبيعية مع روسيا خلال الفترة القادمة، لأن سياسة مصر الخارجية تتبـــع نظـــــام إحداث توازن في العلاقات من كل الدول دون الانحياز والاعتماد على دولة واحدة، حيث قامت مصر بتنويع سلاحهـا ثلاث مرات بدايـة مـن السـلاح البريطـاني ثـم الروسي وأخيرا الأميــــركــــي، والآن تعمـل مصــــر على التنويـع بين الترسانة الأميركية والروسية.

ويـرى الكاتب السوري أن هناك قلقا أميركيا من أن تقوم مصر بعلاقات مع الروس، لأن ذلك سيؤثر في موازين القوى بالعالم والشرق الأوسط، كما أن الولايـات المتحدة لا تريد أن تحدث وتتطـــور تلك العلاقـــــات، لأنها لا يمكنها الاستغناء عن العلاقة مع مصر، وبالتـــالي فإن الولايات المتحدة الأمريكية تحتاج مـن مصر المحافظة على اتفاقيه السلام مـع إسرائيل التـي هي طـرف أساسي بها، كمـا أن أميركا تستفيد من المساعدات العسكرية أكثر من المصريين.

ويذهب الزعبي إلى أن الولايات المتحدة هي الخاسر الأول والأخير جراء تحول الشرق الأوسط ومصر بشكل أكبر لروسيا، فالتهديد بقطع المعونة عن الدولة لن يؤثر على الاقتصاد كما يتم الادعاء بذلك، والقرارات الأميركية لن تكون ملزمة لمنطقة الشرق الأوسط مما يقلل من هيمنتها وسيطرتها على تلك البلدان.

محمد قدري سعيد: مصر تبقى بحاجة إلى السلاح الأميركي


لا يمكن الاستغناء عن الأسلحة الأميركية

يرى خبير الدراسات العسكرية بمركز الأهرام للـــــدراســـات السياسيــــة والاستراتيجية محمد قدري سعيد أن مصــر اعتمدت على الأسلحة الروسية سابقا لكنهـــا بحاجــة الآن إلى السلاح الأميركي.

ويرفض سعيد تماما فكرة الاستغنـــــاء عن الأسلحة الأميركية، ويقول إن لدينــا مخزون أسلحة أميركية الآن هـــو عماد القوات المسلحة فماذا نفعل به هل نلقيه فى البحر.

ويذهب إلى أن مصر اعتمدت بالكامل على السلاح الروسي فى فترة سابقة ثم لجأت بعد ذلك للجانب الأميركي وحــدث بينهما تدريـــب وتعـــاون مشتــرك ولم تكتف بمناورات النجــم الساطع. فمصر تجري منـــاورات وتدريبـــات مع أطـراف أخرى مثل السعودية ولها الآن علاقات قوية بالصين تدريبا وأسلحة وهناك رغبة مستمرة في عدم الاعتماد على جهة واحـدة.

كما يرى قدري سعيد أن مصر اعتمدت على الروس خاصة فى الصواريخ والدبابات في حرب 1973 وكانت مرحلة لها ظروفها ثم قامت بنقلة مهمة مع الجانب الأميركي، حيث حصلت منه على أسلحة ذات تقنية عالية وحتى وإن كانت هناك مشكلات في العلاقات بين البلدين الآن فهذا ليس معناه أن نلغي الاعتماد على السلاح الأميركي والمشكلة دائمــا ليست في السلاح وإنما في اليد الممسكة به والقادرة على استخدامــه والتدريب عليه.

ويتساءل الخبير العسكري عن ماهية الصدام مع الجانب الأميركي، "لقد أخذنا من أميركا الكثير من الأسلحة والتدريب وربما الجانب الأميركي يقدم لمصر أسلحة أقل تقنية مــن الجانب الإسرائيلـى، ولكــن علينا تعويض ذلك بالتطوير ولتستمر أسلحـة المعونة عن طريـق ســلاح المهندسـين بالجيـش المصري".

كما يرى سعيد أنه يجب رفض ما يؤخذ من أميركا تحت دعاوى سياسية، فالخلافات في وجهات النظر السياسية بين مصر وبين الولايات المتحدة أو أي دولة تعتمد في حلها على قدرة الدبلوماسية المصرية والمفاوض المصري في إقناع الجانب الآخر بسلامة وصحة الموافق المصرية، أما أن أقول إنني سأقاطع السلاح الأميركي فهذا حل سلبي للمشكلات، والدولة التي ليست لها علاقات عسكرية مع دول عديدة هي دولة ميتة عسكريا.

ويؤكد سعيد أن حالة الغموض في الموقف الأميركي كرست نوعا من الشك في العلاقة بين الولايات المتحدة والجيش، وأشار إلى أن العلاقات بين القاهرة وواشنطن وصلت لأعلى مراحل التوتر منذ أكثر من عامين ونصف.

ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي أن الفترة الماضية قبل الثورة وبعدها بقليل حتى قبل حدوث الأزمة السياسية الحالية كان الاعتماد في التسليح بشكل كلي علي الولايات المتحدة الأميركية ودول الاتحاد الأوروبي.

كما أن الجيش المصري لديه إمكانيات تسليحية وتجهيزات وإمدادات كافية من كل نوع من أنواع الأسلحة إذن فإن الوضع ليس سيئا على الإطلاق.

ويعتقد قدري أن مصر لديها قدرات تدريبية هائلة من خلال المناورات العسكرية المشتركة التي كانـت تتم مـع بعـض الدول ومنهـا أميـركـا، وأن الوضـع لـن يصل لدرجة قطـع المساعدات العسكرية وإنمـا مـا حـدث هـو مجـرد تعليق للمساعدات والإمـدادات نظرا لطبيعـة المرحلـة التى تمر بهـا مصـر حاليـا.

ويرى أن مصر دولة مهمة جدا وهي ليست مجرد دولة تتلقى أو تنتظر المساعدات وإنما هي دولة حليفة وصديقة لأميركا ووصلت المناورات العسكرية المشتركة بين البلدين لدرجة إنزال قوات مصرية فى جزر إيطالية كما أن مصر ساهمت فى حرب العراق والحرب الأميركية على أفغانستان وهذا يعزز ويعضد من الموقف المصري.


التوجه المصري شرقا.. أي مكاسب في الأفق

كثيرة هي الأسئلة التي يطرحها المتابعون للخيارات المصرية الجديدة في ظل هذه المرحلة الدقيقة جدا، والتي عرفت مصر خلالها توترا ملحوظا كان الإخوان السبب الرئيسي فيه.

ومن ضمن تلك الأسئلة التي تثير الحيرة لماذا تتجه مصر إلى السلاح الروسي بعد فترة طويلة من انقطاع التعاملات معه وبعد أن جربته في عهد الراحل جمال عبد الناصر.

هل أن ذلك يعود إلى ردة فعل من الموقف الأميركي الذي اتسم بالغموض وبدا عند البعض منحازا للإخوان قبل أن يكتشف فشلهم في حكم مصر وفي مقاربتهم السياسية والاقتصادية.

أم أن الشعب المصري بعد ثورته الثانية، ثورة 30 يونيو التي نجحت في إسقاط الصنم الإخواني يريد أن يرسل رسالة للجميع ومن ضمنهم واشنطن، مفادها أن القرار المصري أصبح حرا ولا أحد يمكنه أن يوجهه حسب رغباته، بل إن مصلحة مصر هي المعيار الوحيد في الخيارات الداخلية والخارجية.

ويذهب العديدون أن اتجاه مصر نحو السلاح الروسي سيحقق العديد من المكاسب وحسب ما أوردت "إرم" نيوز، فإن تلك المكاسب تتمثل في:

- تثبت القاهرة أن شعار "استقلال القرار الوطني "الذي رفعته ثورتا 25 يناير و30 يونيو لم يعد مجرد كلام مرسل بل واقعا ملموسا، إذ لا معنى -لدى الشارع المصري- من التقارب مع الروس في حين أن الجيش في تسليحه لا يزال يعتمد كليا على الأميركان.

- تحقيق شعبية جارفة يحتاجها النظام لاستعادة أجواء توحد الشعب خلف قيادته بعد 30 يونيو حيث يعي صانع القرار المصري مدى تعطش الرأي العام لخطوات ملموسة تؤكد على خروج مصر من "بيت الطاعة الأميركي" إلى الأبد.

- الإعلان عن استعادة القاهرة لدورها المحوري في المنطقة بعد تراجعه الشديد في السنوات العشر الأخيرة من حكم مبارك، فضلا عن عودة مصر كرقم صعب في التوازن الإقليمي والدولي.

- الاستفادة من المزايا التنافسية للسلاح الروسي مثل رخص الأسعار الشديد مقارنة بنظيره الأميركي، ويعود ذلك إلى رخص الأيدي العاملة في روسيا وانخفاض كلفة المواد الخام، لا سيما مع أزمة الاقتصاد المصري الحالية.

- تؤكد دراسات عسكرية عديدة أن اعتماد مصر على السلاح الأميركي فقط، أفقدها مزايا لا تتوفر إلا في نظيره الروسي مثل خفة الوزن وسرعة المناورة والملائمة أكثر للأجواء المصرية ذات الطبيعة الصحراوية.

ويضرب هؤلاء مثالا برشاش "الكلاشينكوف" و"الار بي جيه" والرشاش الخفيف والدبابة "تي 90". وإذا كان الأمريكان يملكون أقوى طائرات مقاتلة في العالم، فإن الروس يملكون منظومة دفاع جوي تعد الأقوي بين جميع الجيوش لاسيما منظومتي "اس اس 300"، و اس اس 400".

- تخفف مصر من "الثمن السياسي" الباهظ الذي كانت تدفعه جراء اعتمادها على السلاح الأميركي فقط، والذي تمثل في الهيمنة على القرار السياسي والاقتصادي للقاهرة.

صحيح أن الروس يبحثون هم أيضا عن مكاسب سياسية من توريد أسلحتهم لمصر، لكنهم على الأقل لن يعطوا انطباعا بـ"تبعية" القاهرة لموسكو.

وهذا ما ألمح إليه وزير الخارجية الروسي لافروف في أكثر من تصريح إذ شدد مرارا على احترام بلاده لمصر واستقلال قرارها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. على عكس الأميركان الذين تورطوا أحيانا في تصريحات تبدو معها مصر وكأنها ولاية أميركية.

- حرمان إسرائيل من ميزة معرفة التفاصيل الدقيقة لخطط التسليح المصري عبر علاقتها الاستثنائية بالبنتاغون. وتبدو هذه المكاسب حسب المراقبين مهمة جدا خاصة في ما يشهده العالم الآن من تغيرات قد تعيد رسم الكثير من التوازنات.

12