صفقة الرافال تعبد طريق التغيرات الاستراتيجية في الحرب على الإرهاب

الأحد 2015/02/15

حمل التوقيت الذي جاءت فيه صفقة الرافال بين فرنسا ومصر رسائل مهمة عن تبدلات حقيقية في التعاطي الغربي مع ما يجري في مصر بصفة خاصة وما يجري في منطقة الشرق الأوسط بصفة أعم.

فما الذي تغيّر حتى ينتهي التردد الفرنسي في تنفيذ صفقة تقارب ثمانية مليار دولار، ولماذا تم حسم الصفقة في هذا التوقيت بالذات؟

ليس هناك شك في أن الدول الأوروبية التي كانت دائما مرتهنة للاّءات الأميركية بدأت تتحرر من خطاب التخويف المرتبط بأمن إسرائيل وضغوط اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة وحتى داخل أوروبا ذاتها، وهذا التحرر كان في جزء كبير منه بسبب العمليات الإرهابية التي عاشتها في الأشهر الأخيرة وأبرزها عملية شارلي إيبدو التي هزت الفرنسيين هزا لما مثلته من اعتداء بالغ على خصوصية نموذجهم الثقافي.

وقف الأوروبيون بجدية خلال الأشهر الأخيرة، ومع توصل التحقيقات إلى إماطة اللثام عن الشبكات المتشددة التي تعبر باتجاه مواطن النزاعات في الشرق الأوسط، على أنهم أصبحوا مستهدفين بحرب غير تقليدية لا ينفع معها الحياد أو خوضها في أراضي الآخرين وتحريكها عن بعد.

المؤشرات الأولى تقول إنها ربما تصبح حرب وجود بالنسبة إلى أوروبا ذاتها، فالآلاف ممن يحملون جنسيات دولها، وتربّوا على هامش قيمها بسبب مقاربات قاصرة وعنصرية أنتجها عصر ما بعد الاستعمار، هؤلاء تحولوا إلى مجتمعات صغيرة ناقمة وغاضبة تهدد بهدم المعبد على من فيه. واستثمرت الحركات الإسلامية المتشددة التي تقاتل الولايات المتحدة منذ تسعينات القرن الماضي في غضب الأجيال الأوروبية الواقعة على الهامش خاصة أن غالبيتها من أصول عربية وإسلامية، ودفعت أوروبا ضريبة الغضب على السياسات الأميركية حين تحول الآلاف من حملة جنسياتها إلى سوريا، ونشطت شبكات عنكبوتية في استقطاب الشباب المأزوم والمهمش وتوفير التمويل الضخم لعمليات الهجرة السرية والعلنية إلى دول مثل تركيا دون أن يدرك الأوروبيون أن هذه الحرب سترتد عليهم في وقت ما.

وجاءت عملية شارلي إيبدو لتوقظ الأوروبيين من وهم الحياد القديم في الصراعات الدولية، ومن فكرة المشاركة عن بعد في الحروب بالمساهمة في التمويل والدعم الدبلوماسي والإعلامي للحروب الأميركية أو الإسرائيلية في الشرق الأوسط.

عملية شارلي إيبدو أكدت للأوروبيين أن الحرب الجديدة لا حياد فيها، وأن الإرهاب ليس جيشا نظاميا يتم التصدي له عن بعد، ولا بد من الذهاب إليه حيث هو لمواجهته وتصفيته هناك في مواطن النزاع وعدم انتظار أن يتولى توزع مقاتليه في دول العالم ليتمكنوا من إعادة تنظيم أنفسهم وخوض معارك أخرى هنا أو هناك، وربما في قلب أوروبا على شاكلة شارلي إيبدو أو أكثر إيلاما.

وبهذا المنطق الجديد، الذي كشفت عنه صفقة الرافال، بدأت أوروبا تتجرأ لتفكر خارج منظومة التعاطي الأميركي المخاتل مع الإرهاب، المنظومة التي تدرّب متشددين وتسلّحهم تحت نظر استخباراتها ثم تطلق أيديهم في المعارك وتقول لدول العالم أدركوهم وحاربوهم.

وقبل الإعلان المفاجئ عن صفقة الرافال كان رئيس وزراء فرنسا أكثر وضوحا في الحديث عن الاتجاه الأمني الأوروبي الجديد حين تحدث عن ضرورة مكافحة خطاب جماعة الإخوان المسلمين في فرنسا باعتبار أن هذا الخطاب مثّل طيلة العقود الأربعة الأخيرة الحاضنة الفكرية والتنظيمية للمتشددين الذين التحقوا بتنظيم القاعدة في أفغانستان، أو في العراق بعد 2003، أو بالعراق وسوريا وليبيا ومالي ما بعد ثورات الربيع العربي.

وسبق الاتجاه الفرنسي لتسليط الضوء على الدور المفصلي للإخوان في إسناد المجموعات المقاتلة في سوريا والعراق، تحقيق بريطاني أفضى إلى بدء تنفيذ خطوات عملية لمحاصرة الشبكات الإخوانية بأشكالها الخدمية والخيرية والتعليمية. وينتظر أن يعبّد هذان الموقفان طريقا أوروبية جماعية لتوسيع مقاربة مكافحة الإرهاب بما يختلف كليا عن وجهة النظر الأميركية التي تقيم فروقا تفاضلية بين المجموعات المتشددة، فتحارب داعش والقاعدة والمجموعات المتفرعة عنهما في أماكن كثيرة، لكنها تمسك بورقة الإخوان رغم يقين خبرائها الاستراتيجيين بدور الجماعة في صناعة الأرضية الفكرية لكل تلك المجموعات.

وقيمة صفقة الرافال أنها جاءت بعد أن حسمت فرنسا وبريطانيا خيارهما تجاه الإخوان، وأن تسريع التصديق على الصفقة يأتي في سياق دعم مصر في حربها على الإرهاب وأحد أوجه هذه الحرب هي مع جماعة الإخوان التي ما تزال تلقى غطاء سياسيا لدى دول إقليمية ودوائر أميركية نافذة في إدارة أوباما.

وجاءت تصريحات سفير الاتحاد الأوروبي بالقاهرة، جيمس موران، عن دراسة دول الاتحاد طلب الخارجية المصرية إغلاق القنوات التابعة للإخوان التي تبث من الخارج، لتؤكد أن أوروبا ستتحرك في هذا الملف المصيري كاتحاد وليس كدول ذات مصالح متنافرة.

وهكذا افترقت المقاربة الفرنسية (الأوروبية) الأميركية تجاه ما يجري في مصر، فما يجري في الدولة المحورية في الشرق الأوسط ليس صراعا سياسيا داخليا أفرز ردود فعل عنيفة يمكن تطويقها بالحوار أو بمرور الوقت، إنما هو جزء من الحرب على الإرهاب التي تجري في المنطقة كلها.

ودليل ذلك أن أعدادا كبيرة ممن تقاتلهم مصر في سيناء مقاتلون متسللون من الحرب الجارية في سوريا والأسلحة التي يحصلون عليها توفرها لهم شبكات دعم وإسناد المجموعات المتشددة التي تقاتل في سوريا والعراق.

ولا يخفي الفرنسيون رغبتهم في أن يكون للطائرات الحربية المتطورة التي سيسلمونها لمصر قريبا دور مهم في الحرب على الإرهاب في ليبيا خاصة أن مؤشرات كثيرة تقول إن هذه الدولة التي تركت لوحدها تصارع أزمة ساعد في صنعها الأوروبيون والولايات المتحدة ستكون بوابة لتسلل المقاتلين الأوروبيين العائدين من الحروب، أو لعمليات إرهابية انتقامية، فضلا عن تهريب الأسلحة.

وكانت فرنسا وإيطاليا الأكثر حماسا لتدخل عسكري إلى جانب الجيش والقوى الوطنية في ليبيا خلال الأشهر الأخيرة لمحاصرة تمدد المجموعات المتشددة سواء التي تنشط في بنغازي ومدن الشرق، أو التي تسيطر على العاصمة طرابلس وتستفيد من عائدات النفط لتكديس الأسلحة وتدريب المقاتلين المحليين والأجانب استعدادا لمعارك طويلة الأمد، وهو ما يمثل خطرا على دول الجوار الإقليمي وخاصة مصر، فضلا عن تهديد الأمن الملاحي في المتوسط ومن ورائه أمن أوروبا.

ولا يعتقد الخبراء العسكريون أنه سيكون بمقدور واشنطن أن تستمر في إقناع حلفائها الأوروبيين أو العرب بالتعاطي الجزئي الانتقائي مع الحرب على الإرهاب، خاصة أن خارطة المتضررين اتسعت بما فيه الكفاية، وفي ظل توافق أوروبي عربي على شمولية المعركة عكسته زيارات متبادلة للمسؤولين وتنسيق متقدّم كان أحد ثماره صفقة الرافال لدعم مصر في حربها على الإرهاب.


إعلامي تونسي

6