صفقة القرن.. خطورة أن يتسلح الحق بالأسطورة

يمكن أن نراهن على الدولة العلمانية الواحدة في فلسطين، وطرحها خيارا وحيدا، واختبارا حقيقيا لسراب الديمقراطية الغربية والعلمانية الأميركية.
الثلاثاء 2020/02/11
احتجاجات متواصلة ضد صفقة القرن

اقترح عليّ صديق أن أجرّب تضليل إسلاميين حسَني النية ممن يظنون الله لم يهدِ سواهم، ويتعقّبون بساطة الكتابة بسباب صريح وغير صريح في الفضاء الإلكتروني. وكنت أنوي الكتابة عن التجليات الساذجة للعقل المتديّن، وردود أفعاله المسطحة المتشنجة على قضايا وقرارات أكثر تعقيدا، ومنها إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في 28 يناير 2020 في مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض بصحبة رئيس وزراء العدو الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، تعهّد واشنطن بأن تظل القدس عاصمة “غير مقسمة” لإسرائيل.

وجدت اقتراح الصديق وجيها، ونويت استبعاد كلمة “بنْية” العقل المتديّن، وأن أستبدل بها “الأركيولوجيا” وهو مصطلح يضللهم مؤقتا، وربما يقلقهم فيبحثون عن دلالاته، وقد تصادفهم ألغام تغير ثوابت ثقافية راسخة رسوخ العقيدة، وتجعلهم الشظايا يكفّون عن خلط الحقائق بالأساطير.

تفسر أركيولوجيا العقل المتديّن، أعني المتديّن لا المؤمن، جانبا مهمّا من طبقات هذا العقل، ورؤيته لقضايا مصيرية بعين ثالثة في مؤخرة الرأس تنظر إلى الماضي، الماضي لا التاريخ؛ ففي التاريخ شيء من الاستعادة والاعتبار العاصم من القواصم، وفي الماضي اطمئنان كسول إلى يقين ديني يلاحق كل قضية بتبسيط معلّب.

فبدلا من التفكير في مواجهة خطة ترامب، المسمّاة صراحة “صفقة”، يلجأون إلى تفسيرات أسطورية لا تخدم إلا العدو، بتقديم غطاء ديني وأخلاقي لأطماعه وجرائمه. وفي الرد على صفقة ترامب، استدعوا من أرشيف تنظيم الإخوان مقطع فيديو قديما لأحد كوادرهم يخاطب، بأداء مسرحي، جمهورا لا ينقصه اليقين، قائلا “اليهود تفاوضوا مع الله عزّ وجلّ، عن طريق الوسيط الدولي موسى عليه السلام، في قضية بقرة… فهل يعطونكم دولة؟”. واستثمر تصفيق الاستحسان في رفع الصوت بالسؤال “أم أنتم أشد رهبة في قلوبهم من الله؟ أم أن دولتكم أهون من البقرة؟”.

في هذا الخطاب تديين للقضية، وافتراض أن وكلاء ما بعد الكولونيالية في فلسطين المحتلة هم أحفاد اليهود الموعودين بالأرض المقدسة. والعدو يحتمي بهذا التأويل، فيتمسك بوعد ديني يمنحه حقا في فلسطين، على العكس من حقائق تفكك هذا الأمر، وترى أن يهودية الكيان المغتصب لفلسطين هي قناع لمعسكر قتالي عنصري إبادي وظيفي، وأن قادته منذ البدايات علمانيون لا تعنيهم الديانة اليهودية. أما من يُستجلبون إلى فلسطين من الصهاينة المرتزقة فاستجابوا لإغراء، أو فرّوا من ضائقة.

صحيفة “هاأرتس” نشرت في 1 يناير 2001 أن نحو 225 ألفا من الوافدين الروس الجدد (25 في المئة من المهاجرين) المسجلين كيهود ليسوا يهودا. وذكر الدكتور عبدالوهاب المسيري في كتابه “مقدمة لدراسة الصراع العربي الإسرائيلي” أن المؤسسة الإشكنازية الحاكمة في فلسطين المحتلة تيسر الإجراءات بعقد “امتحانات صورية في اليهودية يسهل عليهم اجتيازها حتى يمكن اعتبارهم يهودا”، لضبط الميزان الديموغرافي بين الإشكناز والسفارد، واليهود العلمانيين في مقابل الأرثوذكس، واليهود عموما في مقابل الفلسطينيين.

لا يعقل أن يعالج احتيال أسطوري بمنطق أسطوري. وهذه الدعوة إلى استعادة الحليّ تحقق لإسرائيل ما يعجز عنه خطابها السياسي وروايتها التاريخية.

لم تفاجئ صفقة القرن عاقلا. هي مشروع أميركي قديم انتظر من يجرؤ على مدّ يده لإخراج ملفه من الثلاجة، وتأجل تنفيذه حتى جاء تاجر صفيق من عالم البيزنس، لا يأبه لخطاب الدبلوماسية، ويسمي الصفقة صفقة، والإتاوة إتاوة. لم يعهد على ترامب الكذب، وهو أول رئيس أميركي ينسف المسافة بين الوعد وتحقيقه، فلم يقصر في التنفيذ الحرْفي لما كان يحلم به ويعلنه منذ الثمانينات، ولم يؤجل وعدا أطلقه خلال الترشح، بمقاومة “أي محاولة من الأمم المتحدة لفرض إرادتها على إسرائيل”.

في 6 ديسمبر 2017 أعلن اعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل، وبدء وزارة الخارجية الاستعدادات لنقل السفارة الأميركية إلى القدس المحتلة، فسارعت تركيا إلى عقد قمة منظمة التعاون الإسلامي، وصدر في 13 ديسمبر 2017 “إعلان إسطنبول” الذي يقسّم القدس، ويدعو العالم إلى الاعتراف بالقدس الشرقية عاصمة لفلسطين، وهو ترسيخ ضمني لاستحقاق العدو للقدس الغربية. ومن المفارقات صدور بيان القمة من عاصمة المزايدات، أكبر داعم وحليف عسكري واقتصادي في العالم الإسلامي لإسرائيل، حيث يتدرب طيارو العدو في المجال الجوي التركي على قصف الأبرياء الفلسطينيين.

الاستناد إلى دعاوى دينية إسلامية يفيد إسرائيل، فتتمسك بيهودية الدولة في مواجهة أسلمة قضية عادلة تسمح لأهلها بحقهم الإنساني في العودة، وفي اللجوء إلى المقاومة بوسائل تشمل الكفاح المسلح. وفي ظل ضعف وتواطؤ عربيين يكون هذا الكفاح وسيلة فعالة، وربما وحيدة، لإقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة وليس مجرد سلطة/شرطة لضبط الأمن وحماية إسرائيل من الغضب المقدس.

لم تتنازل قوة استعمارية طوعا لأصحاب الأرض فتمنحهم “دولة”، واستقر قانون التاريخ على كفالة المواجهات بخلخلة استقرار العدو، وحين يزيد استنزاف قوى الاحتلال، بشريا واقتصاديا وعسكريا، على تكلفة الاستقلال، تكون بداية النهاية، ويصبح الحق الفسلطيني في حماية القوة على الأرض، ولن تنقصه قرارات دولية لا تسقط بالتقادم، منذ قرار التقسيم عام 1947، والقرار رقم 424 لسنة 1967، والقرار رقم 478 لسنة 1980 الذي يرفض قرار الحكومة الإسرائيلية ضم القدس وجعلها عاصمتها الأبدية.

البديل الوحيد لدولة فلسطينية كاملة السيادة هو دولة علمانية يتساوى فيها المواطنون، أيّا كانت دياناتهم أو إلحادهم. وهذا الحل العقلاني الإنساني ينسف الظاهرة الصهيونية، ويهدم فلسفة الاستعمار البريطاني في تأسيس كيان يحمي مصالحه ويعزل شطريْ العالم العربي. وقبل زوال شمس الوكيل البريطاني كانت أميركا قد تسلمت ملف إسرائيل وصارت الراعي الرسمي. وبدلا من تسوّل الاستجابة لمبادرة عربية مهينة، ولدت ميتة عام 2002، يمكن أن نجادل بالرهان على الدولة العلمانية الواحدة في فلسطين، وطرحها خيارا وحيدا، واختبارا حقيقيا لسراب الديمقراطية الغربية والعلمانية الأميركية.

إلحاح الخطاب السلفي على إيجاد جذور تاريخية للصراع الحالي يثير الرثاء، ومن هذا الأفيون الديني تتناسل قضايا يتبناها علمانيون في أوقات الفراغ، والبعض منهم يطالب إسرائيل بإعادة ذهب استعارته نساء اليهود عشية الخروج، بحجة التزيّن في العيد، ثم هربن به. ويذكر العهد القديم تحريض يهوه، إله موسى، على سرقة حليّ المصريين: “وفعل بنو إسرائيل كما قال لهم موسى، فطلبوا من المصريين مصاغ فضة وذهب وثيابا. وأعطى الرب الشعب حظوة عند المصريين فوهبوهم ما طلبوا. وهكذا سلبوا المصريين”.

لا يعقل أن يعالج احتيال أسطوري بمنطق أسطوري. وهذه الدعوة إلى استعادة الحليّ تحقق لإسرائيل ما يعجز عنه خطابها السياسي وروايتها التاريخية. الدعوة تؤكد النقاء العرقي للخارجين مع موسى، وأنهم أحفاد النبي يوسف، رغم وضوح النص القرآني على إيمان مصريين بموسى. التسليم بالأساطير ليس انتقائيا، فإذا جادلنا بأسطورة الحليّ سنطالَب بالخضوع لأساطير مقدسة أخرى، ورؤية الصراع الحالي في ضوئها، وليس ذلك في صالح الحق الفلسطيني.

كما تؤكد المطالبة بالحليّ الأسطورية أن الصهاينة في فلسطين هم ورثة النبي موسى وأحفاد أتباعه، في حين تشكك دراسات علمية في هذه الصلة، ومنها ما ذكره الكاتب اليهودي آرثر كيستلر في كتابه “القبيلة الثالثة عشرة ويهود اليوم”، عن قبيلة الخزر في القوقاز التي اعتنقت اليهودية، ثم انتشرت ذريتها في أوروبا الشرقية، في مؤشر مهم على “الدور الكبير الذي لعبته القبيلة الثالثة عشرة في تاريخ اليهود البيولوجي”. وبهذه الجملة ينتهي الكتاب فليرجع إليه من يريد الاستفاضة.

9