صفقة القرن ومشاركة الطرف الثالث

صفقة القرن ما كانت لتكون لو أنه قيض لشعوبنا أن تتحرر وأن تحقق سيادتها على أرضها ومواردها ومقدراتها، وهذا ما كان لنظام ملالي طهران وامتداداته الإقليمية الدور الأبرز في منعه حتى الآن، ما يجعلها الطرف الثالث فعليا في هذه الصفقة.
الأحد 2020/02/02
الطرف الثالث في الصفقة

هبط إعلان ما سمي بصفقة القرن، الذي أطلقه الرئيس الأميركي دونالد ترامب قبل أيام، على “محور المقاومة” كهدية من السماء. تلقفها جزارو الشعب الفلسطيني في مخيمات لبنان وسوريا بحرارة تفوق حرارة انتصاراتهم الإلهية في مدن وشعاب سوريا وفي زواريب مخيمات اللاجئين الفلسطينيين من تل الزعتر إلى اليرموك.

الكوفية الفلسطينية زينة المناسبة يتلفعها أشد العنصريين اللبنانيين وقاحة وأوضعهم خطابا عدائيا ضد اللاجئين، فلسطينيين وسوريين.

وفي الوقت الذي يواصل فيه المحور عينه جريمة الإبادة الشاملة بحق الشعب السوري، شقيق ومحتضن الشعب الفلسطيني وقضيته على مدى ما يقارب القرن من الزمن، الجريمة التي يتابعها اليوم بشكل واسع في إدلب وغربي حلب، يمارس أزلامه وأنصاره حق الرد على صفقة ترامب – نتنياهو بحرق العلمين الأميركي والإسرائيلي في الساحات ويطلقون الهتافات والشعارات الفارغة، وكفى الله المؤمنين القتال!

محور الممانعة والمقاومة الذي يتزعمه نظام مافيا الملالي في طهران الذي يتباهى قادته العسكريون والسياسيون بمقدرتهم على إبادة الكيان الصهيوني الغاصب خلال دقائق متفاخرين بمشروعهم النووي ومقدراتهم الصاروخية وبميليشياتهم الطائفية وبسيطرتهم الموهومة على أربع عواصم عربية، هذا المحور هو في حقيقة الأمر الطرف الثالث في مشروع صفقة القرن الذي باتت وقائعه المادية أمرا واقعا قبل إعلانه إذ أن سيادة الاحتلال على المستوطنات التي تقطع أوصال الضفة الغربية وتحتل القسم الأكبر من غور الأردن وتتغلغل في جسم القدس ومحيطها وحصر التجمعات السكنية للفلسطينيين في ما تبقى من الضفة الغربية بجدران العزل العنصري لن يغيّرا من واقع الحال شيئا.

هذا المحور ذاته الذي جعل من قضية فلسطين وشعبها شماعة لأيديولوجيته شديدة الرجعية والتخلف ولممارساته الوحشية في بيئاته الشعبية، وغطاء لكل حروبه ومجازره وجرائمه التي حولت بلاد المشرق العربي إلى أطلال وشعوبها إلى مشردين ولاجئين، يتفوقون في المعاناة والبؤس والتشرد على الشعب الفلسطيني نفسه، هذا المحور الذي تغلغل في الجسم السياسي والكفاحي الفلسطيني فأسهم في تمزيق وحدته وعزز انقساماته الداخلية، لا يرى اليوم في صفقة ترامب – نتنياهو سوى ورقة إضافية من أوراق التوت لاستخدامها في تغطية قبحه وتمرير المزيد من جرائمه.

محور الممانعة والمقاومة، الذي رسم بدماء أهلنا طريق القدس الوهمية من بيروت إلى الزبداني إلى حلب.. لم يجد وقتا كافيا على مدى عقود من الزمن لصياغة ورقة واحدة، ولا أقول مشروعا متكاملا، بل ورقة للنقاش أو للمستقبل، تحمل أقله عناوين لما يمكن أن يسمى مشروعا لتحرير فلسطين يمكن أن يلتقي البعض حوله لنقاشه أو نقده قبولا أو رفضا أو إضافة أو تعديلا.

صفقة القرن ما كانت لتكون لو أنه قيض لشعوبنا أن تتحرر وأن تحقق سيادتها على أرضها ومواردها ومقدراتها، وهذا ما كان لنظام ملالي طهران وامتداداته الإقليمية الدور الأبرز في منعه حتى الآن، ما يجعلها الطرف الثالث فعليا في هذه الصفقة.

صفقة القرن التي أعلنها الرئيس الأميركي ترامب بحضور رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وفي هذا التوقيت، هي في الآن نفسه ورقة انتخابية لإنقاذ الرجلين المهددين بالسقوط في الانتخابات القادمة في أميركا وفي الكيان الإسرائيلي بعد إجراءات عزل الأول في الكونغرس الأميركي وإجراءات محاكمة الثاني في قضايا فساد فور خروجه من السلطة. ولكنها في نفس الوقت تترجم حقيقة الانحدار الأخلاقي والسياسي الذي بلغته القوى المهيمنة على النظامين العالمي والإقليمي وتتوج المسار الانحداري للقضية الفلسطينية منذ أن تم الفصل اللامنهجي واللامسؤول بين قضية التحرر العربي وقضية تحرير فلسطين وصولا إلى حصر الهم الفلسطيني بقيادة فلسطينية أذعنت لمسيرة التفاوض على الحقوق بعد أن كال لها نظام الصمود والتصدي بقيادة حافظ الأسد وبرعاية أميركية وتحت أنظار إسرائيلية الضربات القاصمة في لبنان، وصولا إلى أوسلو وحل الدولتين.

حل الدولتين أوصلنا إلى صفقة القرن التي يراد منها، ليس حلا لقضية بل إنهاء لها من خلال مبادلة الحقوق التاريخية الثابته ببعض الرشى التي لن يجرؤ أحد مهما بلغ به التخاذل والخيانة على أن يعلن القبول بها. وبالتالي فلن تضيف شيئا في السياسة أو في الواقع.

القضية الفلسطينية ليس لها سوى حل واحد يحقق السلام للجميع ويعيد فلسطين إلى محيطها العربي قلبا نابضا ومركزا يسهم في تطوير بلادنا ويعيد إليها حيويتها ومقدرتها على التطور والتقدم، لذلك فكل العرب معنيون ومسؤولون عنه:

 تفكيك الكيان العنصري والإقرار بحق العودة لجميع الفلسطينيين والتعويض لهم والوصول إلى دولة واحدة لجميع أبنائها المتساوين في الحقوق والواجبات أمام قانون واحد، فلسطين دولة ديمقراطية علمانية من البحر إلى النهر.

5