صفقة بلير وبوش مع القذافي للخروج من مأزق حرب العراق: تسليم المعارضين مقابل الاعتراف العلني بوقف البرنامج النووي

الأحد 2018/01/21
المخابرات الليبية تزود لندن بأسماء المطلوبين والـ"أم أي 6" تلاحقانهم أينما كانوا

بعد سقوط نظام معمر القذافي في 2011، عمت الفوضى ليبيا وتم اقتحام العديد من المكاتب والمؤسسات التابعة للنظام بشكل عشوائي. وتم حرق وتدمير وسرقة محتويات هذه المؤسسات وتبعثر في خضم عمليات الاقتحام الكثير من الأوراق والملفات في غاية الأهمية. من ذلك، ملفات كشفت عن بعض تفاصيلها صحيفة الغارديان تتحدث عن حقيقة العلاقة بين نظام القذافي والحكومة البريطانية، خصوصا في عهد طوني بلير، فرغم الخلافات البادية للعلن، إلا أنّ التقارب بين نظام القذافي والغرب ما بعد الحادي عشر من سبتمبر كان أعمق بكثير مما كان يُعرف سابقا، فيما يتعلق بالحرب على العراق وصفقة تدمير برنامج الأسلحة النووية الليبي مقابل تصفية المخابرات الغربية لمعارضي القذافي وخصومه من الليبيين في الخارج.

وكشف عن تفاصيل هذا التعاون وأسراره الكاتب في صحيفة الغارديان إيان كوبين، الذي قال إنه جمع تفاصيل الترتيبات بين أجهزة الاستخبارات الأميركية والبريطانية والليبية من الآلاف من الصفحات والوثائق التي وجدت في مكاتب جهاز الأمن الخارجي وفي عدة مراكز حكومية وسجون ومساكن لبعض المسؤولين.

ودعم كوبين ما جاء في هذه الوثائق بمقابلات مع مسؤولين حكوميين وضحايا برنامج الترحيل القسري ومن وثائق حكومية بريطانية تم الكشف عنها في إطار قانون حرية المعلومة وأثناء تحقيق مطول أجرته سكوتلاند يارد وعدد من المحاكمات المدنية. وتبيّن الوثائق والشهادات أن أجهزة المخابرات البريطانية كانت مستعدة لارتكاب انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان لحساب القذافي، وذلك سعيا إلى التقرب منه والتأثير على سلوكه في المستقبل.

وتم الحديث كثيرا عن إعلان القذافي تخليه عن طموحه للحصول على أسلحة الدمار الشامل إضافة إلى إمضائه على صفقات تصدير للنفط والغاز بعدة ملايين من الدولارات. لكن المسكوت عنه هو عمليات الاختطاف والاعتقال والتعذيب التي نفذتها وساعدت وكالة الاستخبارات المركزي الأميركية “سي آي إيه” وجهاز الاستخبارات الخارجية البريطاني “أم أي 6”.

لتعزيز التعاون مع المخابرات الليبية تجاهلت بريطانيا اتهاماتها السابقة للقذافي بالتورط في هجمات إرهابية بعضها طال بريطانيا نفسها

المعارضون مقابل النووي

بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، تكثفت جهود المخابرات الأميركية والأوروبية من أجل الكشف عن الإرهابيين الإسلاميين وخططهم. وارتأت قيادات هذه المخابرات ضرورة التعاون مع أجهزة الاستخبارات في العالم العربي وخلق روابط وثيقة معها من أجل تحديد المشتبه بهم في كافة أنحاء العالم والقبض عليه بأي طريقة كانت، حتى الاختطاف وتتبّعهم من دولة إلى أخرى والتنصّت عليهم.

وهذا البرنامج هو نسخة من برنامج مشابه أطلقته “سي آي إيه” في منتصف التسعينات لخطف واستجواب الجهاديين في البوسنة. وأطلق على نسخة 2001 اسم الترحيل السري. وعملا بهذا البرنامج تعاونت “السي آي إيه” و”الأم أي 6” مع جهاز الأمن الخارجي الليبي، وهي وكالة الاستخبارات الخارجية سيئة الذكر في عهد معمر القذافي.

وكانت الأجندة المعلنة هي معرفة المزيد حول الحركة الإسلامية المقاتلة بليبيا لكن ذلك سيتغير في العام الموالي 2002)) حالما رأى مارك آلان، رئيس قسم مكافحة الإرهاب في أم آي 6، والسياسيون البريطانيون فرصة للدخول في مفاوضات مع القذافي حول برنامجه لتطوير أسلحة دمار شامل.

وكانت الغاية، البحث عن مبرر لحرب العراق في ليبيا. فمنذ أواخر صيف 2003، بدأت الحرب على العراق تنقلب على الولايات المتحدة وحلفائها، بعدما اتضح أن أسلحة الدمار الشامل لدى صدام حسين التي برّرت الحرب في البداية لم تكن موجودة لكن إذا أمكن إقناع القذافي بالتخلي عن خططه النووية يمكن الادعاء سيكون للغزو ما يبرره.

ومقابل تعاون سي آي إيه وأم أي 6 مع النظام الليبي قدمت الوكالتان المساعدة للجواسيس الليبيين في اختطاف “أعداء” القذافي. ومن ذلك اختطاف قياديين في المعارضة الليبية هربا من البلاد، أحدهما كان في هونغ كونغ والثاني في تايلاند، وتم ترحيلهما إلى طرابلس مع زوجتيهما وأولادهما. وتعرض الرجلان إلى التعذيب وأخبرا تحت الإكراه الشديد عن منشقين ليبيين آخرين في المنفى.

واعتقلت الشرطة البريطانية معارضين لنظام القذافي كانوا يعيشون بشكل قانوني في المملكة المتحدة لسنوات. وتم استدعاء عملاء مخابرات ليبيين إلى المملكة المتحدة وسمح لهم بالعمل في الشوارع البريطانية إلى جانب نظرائهم في المخابرات الداخلية البريطانية (أم آي 5). كما سلمت المخابرات البريطانية تفاصيل عن المكالمات الهاتفية للمعارضين الليبيين إلى جهاز الأمن الخارجي الليبي وتم اعتقال وتهديد أقاربهم وأصدقائهم في ليبيا.

وكانت أجهزة الاستخبارات الغربية تعلم أن القذافي كان مذعورا في الفترة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر لأنه خشي قيام الولايات المتحدة بالانتقام منه خاصة وأن سجل بلده كدولة راعية للإرهاب يحوي الكثير من الأدلة الداعمة، من ذلك تفجير رحلة بنام 103 فوق مدينة لوكربي في سنة 1988، إضافة إلى تفجير ملهى ليلي في برلين الغربية سنة 1986 وحادثة إسقاط طائرة فرنسية فوق تشاد في سنة 1989 التي أسفرت عن 170 قتيلا، كما يجاهر القذافي بدعم منظمة “ايرا” (الجيش الجمهوري الأيرلندي) بالأسلحة.

استعادة العلاقات بين بريطانيا وليبيا في أغسطس 2002

وفي العشرين من سبتمبر 2001، بعد أربعة أيام من إقرار الولايات المتحدة لبرنامج تسليم المشتبه فيهم، كان مارك ألان، يجلس وجها لوجه مع رئيس المخابرات الليبية موسى كوسا. وكان كوسا يحظى بثقة القذافي العمياء وهو واحد من القلائل القادرين على التهدئة من روع القذافي المذعور من إمكانية قيام الولايات المتحدة باستهداف بلده. ووفقا لبرقية أرسلها سفير الولايات المتحدة في القاهرة آنذاك، ديفيد ويلش، فإن القذافي كان يتصل بالقادة العرب من أجل عقد قمة لثني الولايات المتحدة عن شن هجوم على بلاده.

وتبيّن الأوراق السرية أن كوسا، الذي عمل مع القذافي لمدة عشرين عاما، عرض تزويد ألان بالبيانات التي تم الحصول عليها عبر استنطاق الرجال المعتقلين في السجون الليبية. وفي فاكس متابعة أرسل بعد أسبوعين قال ألان إنه “مهتم جدا بعمليات الاختراق المشتركة” ضد الجماعة الإسلامية المقاتلة في ليبيا.

وبعد الحادي عشر من سبتمبر وضعت الحكومة الأميركية الجماعة الإسلامية في قائمة التنظيمات الإرهابية. لكنها لم تكن محظورة في المملكة المتحدة في ذلك الوقت وكان الكثير من أفرادها قد فرّوا إلى بريطانيا إضافة إلى الصين وإيران. وكان زعيمها الروحي سامي الساعدي وعائلته من بين أولئك الذين استقروا في لندن لمدة وجيزة قبل الانتقال إلى طهران. وكانت الحكومة البريطانية متسامحة مع الجماعة الإسلامية المقاتلة بليبيا التي تمكنت من إعادة لم الشمل وجمع التمويلات.

عودة العلاقات بين لندن وطرابلس

في 13 نوفمبر 2001، أمضى بوش أمرا عسكريا يجيز الاستخدام الواسع لترحيل المشتبه فيهم والتعذيب. وفي سياق محاربة الإرهاب منح قانون الأمن ومكافحة الإرهاب والجريمة في بريطانيا وزارة الداخلية التفويض لاعتقال الأفراد دون محاكمة، ومنح وكالات الاستخبارات المزيد من السلطة لاستهداف المشتبه بهم.

وبحلول أغسطس 2002، استعيدت العلاقات بين بريطانيا وليبيا، وتواصل بلير والقذافي عبر الهاتف ثم زار وزير الخارجية مايك أوبراين القذافي في سرت وسلمه رسالة من بلير. وكانت تلك أول زيارة منذ 1984 بعد أن قطعت المملكة المتحدة علاقاتها الدبلوماسية مع ليبيا على خلفية مقتل عون أمن بطلقات رصاص من داخل السفارة الليبية في لندن.

وعلى غير المعمول به في السياقات العادية، لم يشرف على أغلب الأعمال المتعلقة ببناء الشراكة بين البلدين بعد عودة العلاقات الوزراء أو حتى الدبلوماسيين، بل أعوان المخابرات وخاصة ألان وكوسا اللذين لديهما العديد من القواسم المشتركة وأصبحا صديقين حميمين.

وكان كوسا ممنوعا من دخول بريطانيا منذ يونيو 1980 بعد أن اعترف في حديثه مع صحيفة تايمز بأنه أعطى موافقته الشخصية على قتل مقيمين ليبيين في المملكة المتحدة بصفته رئيسا للمكتب الشعبي الليبي، أي السفارة الليبية في لندن وقتذاك. لكن، بعد 23 عاما عاد كوسا إلى بريطانيا بدعوة خاصة وحظي بكرم الضيافة على مرمى حجر من قصر باكنغهام في الفندق الفاخر ذي غورينغ.

ولا يبدو أنه تم الحديث عن جرائم القتل التي تورط فيها جهاز المخابرات الليبي، الذي كان يديره كوسا، في لندن قبل عقدين من الزمن، كما لم يوجد أي ذكر لعشر هجمات بالقنابل استهدفت خصوم القذافي في مانشستر ولندن في مارس 1984 وجرح فيها 29 شخصا. وبدلا من ذلك دار الحديث عن “مسائل ثنائية ودولية” وتبادل المعلومات الاستخباراتية وعن توفير سبل الراحة والأمان لسيف الإسلام القذافي الذي قبل في كلية لندن للاقتصاد. ثم تحول الحديث إلى خصوم القذافي السياسيين المقيمين في لندن.

وتبيّن الأوراق السرية أن ألان كان يجتمع بانتظام بضابط سي آي إيه الكبير ستيفن كابس لمناقشة الطرق التي يمكن التأكد من خلالها بأن القذافي تخلى عن طموحاته لتطوير أسلحة نووية وكيميائية وبيولوجية. وأثناء مناقشاتهما مع كوسا لم يتم التهديد بأي عقوبات، إذ لم تكن هناك حاجة لذلك بما أن الرجال الثلاثة كانوا على علم بأن القذافي كان مرتعبا من غزو أميركي. وفي الاجتماعات في طرابلس لم يناقش أعوان المخابرات البريطانية برنامج أسلحة الدمار الشامل فحسب بل وكذلك طرق استهداف معارضي القذافي وتحركاتهم في لندن وبرايتون في بريطانيا وبيشاور في باكستان ولوس أنجلوس بالولايات المتحدة.

وفي 25 نوفمبر 2002، قدمت المخابرات الليبية لنظيرتها الخارجية قائمة تضم 79 ناشطا في المعارضة الليبية وزعموا أن أغلبهم إن لم يكونوا كلهم كانوا أفرادا في الجماعة الإسلامية المقاتلة أو مساندين لها. وتعرض الليبيون الموجودون في المملكة المتحدة، سواء من أنصار الجماعة أو من بقية المعارضين، للإيقاف والتحقيق في المطارات وكانت هناك مداهمات شرطة على البيوت في لندن ومانشستر.

في 25 نوفمبر 2002، قدمت المخابرات الليبية لنظيرتها الخارجية قائمة تضم 79 ناشطا في المعارضة الليبية وزعموا أن أغلبهم إن لم يكونوا كلهم كانوا أفرادا في الجماعة الإسلامية المقاتلة أو مساندين لها

ويتحدث عن تلك الأجواء هشام مطر، الكاتب الليبي المقيم في بريطانيا، متذكرا “كنت إذا خرجت لتناول الطعام في لندن، أختار مقعدا يواجه باب المطعم أو قريب منه”. ويضيف “لم يشعر أحد منّا بالأمان”. وكان والد هشام مطر عضوا بارزا في مجموعة منشقة أخرى لا علاقة لها بالجماعة الإسلامية المقاتلة، واختفى في 1990 في عملية قام بها نظام القذافي.

وفي تلك الأثناء، بدا جليا للولايات المتحدة وحلفائها أن المهمة في العراق تتعقد. وفي السابع من أغسطس انفجرت سيارة مفخخة خارج السفارة الأردنية في بغداد، ما أسفر عن مقتل 17 شخصا وإصابة العشرات. وبعد 12 يوما، انفجرت قنبلة ضخمة كانت قد وُضعت داخل شاحنة أمام مقر الأمم المتحدة في فندق القناة ببغداد، ما أسفر عن مقتل الممثل الخاص للأمم المتحدة سيرجيو فييرا دي ميلو و21 آخرين. وأعلن رئيس المجموعة التي وُكِلت بالتفتيش في العراق من أجل إيجاد أسلحة الدمار الشامل المزعومة؛ أنه لا يُوجد أي دليل يُذكر على وجود هذه الأسلحة. وبدأت أصوات التنديد تعلو في كل مكان في مختلف أنحاء العالم.

وعندها رأت واشنطن وبريطانيا أنهما إذا نجحتا في نزع سلاح القذافي وربط ذلك النجاح بالحرب في العراق، فلن يبدو الغزو خطأ فادحا، خاصة وأن فكرة “ترويض” القذافي قد تلاقي قبولا ودعما من الدول الإقليمية. ومع زيادة التقارب بين لندن وطرابلس، كتب بلير إلى القذافي مقترحا أن العقوبات التي كانت تعيق صناعة النفط في بلاده وتضع عبئا هائلا على اقتصادها، قد ترفع إذا وافق على التخلي عن أسلحة الدمار الشامل التي كانت مصدر قلق بالغ للغرب.

وكان القذافي يحاول تطوير قدرات نووية منذ مطلع السبعينات وذلك عن طريق شراء أسلحة هندية الصنع في البداية ثم عن طريق الوصول إلى خام الأورانيوم وتكنولوجيا التخصيب. ورد كوسا في اجتماعه مع ألان وكابس أن الحكومة الليبية ستتخلص من هذا البرنامج وقبلت في هذه المرحلة بأنه “لا مجال للتملص والمراوغة أو الالتواء”.

ولكن، رغم التزام القذافي بالتخلص من برنامج الأسلحة النووية والكيميائية تم اعتراض سفينة متوجهة إلى ليبيا تحمل بعض حاوياتها آلاف المكونات لآلات الطرد المركزي صنعت في ماليزيا. وأبلغ القذافي عن طريق كوسا عبر رسائل من بلير وبوش أن الغرب على علم بأن الليبيين يمضون قدما في برنامج الأسلحة النووية بينما يتظاهرون بتفكيكها.

وإثر ذلك بأيام تحول فريق تفتيش أميركي وبريطاني إلى ليبيا. وحسب تقارير إخبارية لاحقة في الولايات المتحدة اكتشف المفتشون أدلة على برنامج أسلحة كيميائية في مراحله الأولى ومشروع أسلحة نووية كان في مرحلة متقدمة بشكل مفاجئ. وبدأ العمل على تفكيك منشآت الأسلحة التابعة لنظام القذافي. ودخلت روسيا على خط المساعدة في التخلص من كمية 13 كيلوغراما من اليورانيوم المخصب. واستغرقت العملية برمتها أربعة أشهر.

وتم الاتفاق مع ليبيا بأن يعلن القذافي بنفسه عبر التلفزيون الليبي عن تخليه عن طموحاته المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل، وكان مقررا أيضا أن يقدم كل من بلير وبوش كلمة حول الموضوع. لكن القذافي، المعروف بنزواته، قرر في آخر دقيقة بأنه لن يفعل ذلك وقدم وزير خارجيته الإعلان مكانه. وبعد ذلك عبّر بلير وبوش والعديد من مؤيدي الحرب العراقية بأن نزع سلاح القذافي بيّن أن الحرب كان لها ما يبررها.

وفي 25 مارس 2004، زار بلير ليبيا لأول مرة وأعلن من هناك أن ليبيا “وجدت قضية مشتركة معنا في محاربة التطرف والإرهاب”. وفي الوقت نفسه تم في لندن الإعلان عن أن شركة شال العملاقة الإنكليزية الهولندية أمضت صفقة بمبلغ 110 مليون جنيه إسترليني للحصول على حقوق التنقيب عن الغاز قبالة السواحل الليبية.

وبعد يومين من ذلك جرت عملية تسليم سامي الساعدي. وكان الساعدي انتقل إلى الصين مع زوجته كريمة وأربعة من أبنائه وحاولت العائلة الرجوع إلى لندن فاتصل بجهاز الاستخبارات الداخلية البريطانية أم آي 5 عبر وسيط للاستفسار عن إمكانية العودة لكن سلطات الهجرة في هونغ كونغ اعتقلت العائلة وتم ترحيلها إلى ليبيا على متن طائرة مصرية وعند وصولها أخذوا جميعا إلى سجن تاجوراء. ولاحقا أفرج على زوجة الساعدي وأبنائه فيما بقي هو في السجن لستة سنوات.

وفي صائفة تلك السنة (2004) غادر ألان أم آي 6 وعُيّن مستشارا لشركة بريتش بتروليوم، وفي آخر تلك السنة تحصل على وسام فروسية. وفي سنة 2005 تم حظر الجماعة الإسلامية المقاتلة في المملكة المتحدة وحوكم البعض من أعضائها وتم اعتقال عدد آخر من مؤيديها في انتظار ترحيلهم إلى ليبيا. وأمضت المملكة المتحدة مذكرة تفاهم مع نظام القذافي تعهد بموجبها الليبيون بعدم إعدام أو تعذيب أو سوء معاملة أي شخص تمت إعادته بشكل قسري. بيد أن الحكومة أخفقت في ترحيل معتقليها بعد أن قضت المحاكم بأن أي شخص يعاد إلى ذلك البلد لن يكون له أي أمل في محاكمة عادلة.

أوراق سريّة

ولم تكن المخابرات البريطانية في الواقع تؤمن بأن الاعتقال والتحقيق مع هؤلاء الرجال جعلا المملكة المتحدة أو العالم مكانا أكثر أمانا. وهذا ما تعبر عنه مذكرة تفاهم أعدها جهاز المخابرات الداخلية أم آي 5 تحضيرا لزيارة إلى طرابلس في فبراير 2005 تقول إن الجماعة الإسلامية المقاتلة “ألقي بها في حالة من الفوضى”، مضيفة أن هؤلاء الأشخاص كانوا دائما هم الضمانة لاستقلالية الجماعة عن الحركة الجهادية العالمية، لكنها في غيابهم تسقط الآن تحت تأثير الآخرين الذين قد يكونون يدفعون في اتجاه أجندات القاعدة.

وفي أبريل من العام 2007، كتب طوني بلير خطابا شخصيا للقذافي، بدأه قائلا “عزيزي معمر، أتمنى أن تكون أنت وأسرتك على ما يُرام. مع الأسف، أود أن أخبركم بأن الحكومة البريطانية لم تنجح في القضية الأخيرة والمتعلقة بالترحيل إلى ليبيا”. وأعرب بلير عن شكره للقذافي شخصيا، وذلك على المساعدة التي قدمها للحكومة البريطانية والتعاون الممتاز بين وكالات المخابرات بالبلدين.

بعد 2011

في فبراير 2011، اندلعت الثورة ضد نظام القذافي من مدينة البيضاء. واستغرق الأمر ثمانية أشهر من القتال الضاري قبل أن يتمكن المتمردون بمساعدة حلف الناتو من إسقاط النظام. ولعب عبدالحكيم بلحاج، القيادي في الجماعة الإسلامية والذي ساعدَ البريطانيون في القبض عليه وترحليه إلى ليبيا، دورا في الثورة وعُيّن قائدا للميليشيا التي سيطرت على العاصمة طرابلس.

وقبض على القذافي الذي كان مختبئا في أنبوب صرف صحي. وأظهر مقطع فيديو صورا بواسطة هاتف جوال اللحظات الأخيرة للزعيم الليبي الذي بذلت المملكة المتحدة الكثير من الجهد من أجل الحصول على “صداقته”. وقتل ثلاثة من أبناء القذافي أثناء الثورة بينما اعتقل المتمردون سيف الإسلام وقضى ست سنوات في السجن بعد أن تخلى عنه أصدقاؤه في لندن.

ونجا موظف كبير في نظام القذافي دون أذى وهو موسى كوسا الذي كان قد غادر البلاد بعد إخبار القذافي بأنه يحتاج إلى العلاج الطبي في تونس حيث استقل الطائرة إلى بريطانيا والتقى على الفور بأعوان أم آي 6 وبعد فترة وجيزة غادر بريطانيا واستقر في قطر.

وبعد سقوط القذافي ظهرت حقائق غير مريحة لبريطانيا بعد محاولتها لتجريد ليبيا من أسلحتها وجعلها حليفا في الحرب على الإرهاب. ففي مستودع ناء جنوب ليبيا اكتشف مجلس الانتقال الوطني الليبي أن القذافي أخفى مخزونات كبيرة من الأسلحة الكيميائية وقذائف مدفعية لغاز الخردل ومواد تستعمل لصنع أسلحة كيميائية أخرى. وهكذا تبيّن أن القذافي لم يغلق أبدا برنامج الأسلحة لديه وأن المملكة المتحدة والولايات المتحدة عقدتا صفقة خاسرة.

7