صفقة سياسية تفقد الربيع الأمازيغي بريقه في الجزائر

الصراع بين الأوساط الأيديولوجية والسياسية في الجزائر حول مشروع الأكاديمية الأمازيغية يكشف عن فصل آخر من فصول النقاش حول الهوية الوطنية في البلاد.
الأحد 2018/04/22
التمسك بالهوية

الجزائر - لن يكون الطريق نحو تعزيز الأمازيغية في الهوية الجزائرية مفروشا بالورود رغم المكاسب المحققة في السنوات الأخيرة. وفي ظل غياب النقاش الحقيقي وعدم تجاوز الحواجز المترسبة تسود حالة من التشاؤم حول جهود ترسيخ الإجراءات الرسمية لصالح المكون الأمازيغي.

ويعود سبب ذلك إلى مخاوف الانتقال من مسعى إنهاء ملف اللحمة الوطنية إلى ممارسات عرقية، تتغذى من الصراع على الهوية بين مكونات المجتمع الجزائري.

وحملت تصريحات الأمين العام للمحافظة السامية للأمازيغية، الهاشمي عصاد، بوادر صراع حاد بين الفاعلين في المشهد الفكري والأيديولوجي وحتى السياسي بخصوص إطلاق الأكاديمية الأمازيغية على اعتبار أن مخرجات الهيئة الرسمية الجديدة (الأكاديمية الأمازيغية) هو ما سيحسم مستقبل الهوية الوطنية في البلاد.

وأحيا أنصار التوجه الأمازيغي والبعض من الدوائر الموالية له، الذكرى الـ38 لأحداث الربيع الأمازيغي الموافق لـ20 أبريل من كل سنة، في أجواء من التفاؤل بشأن تحقيق المطالب الثقافية واللغوية التي كانت سببا في اندلاع أحداث تيزي وزو خلال العام 1980.

ويسود اعتقاد لدى هؤلاء بتحقيق مطالب الهوية التي انتفض لأجلها أنصار ونشطاء الحركة الثقافية البربرية، بعد إقرار الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة اعتماد رأس السنة الأمازيغية (في يناير) ضمن أجندة الأعياد الوطنية في البلاد.

كما تم الإعلان عن مشروع الأكاديمية الأمازيغية، التي أوكلت لها مهمة وضع الآليات الأكاديمية والعلمية من أجل الوصول إلى تعميم اللغة الأمازيغية في كل جهات البلاد.

وأحدثت خطوات السلطة سجالا حادا في في الجزائر بعدما أخذ الجدل أبعادا إثنية وعرقية وتصفية حسابات فكرية. فمن جهة لم يتم الحسم في هوية اللغة التي سيدون بها الحرف الأمازيغي، ومن جهة أخرى لم تتضح مهام وصلاحيات الأكاديمية المعلن عن إحداثها ولا الأجندة التي ستعتمدها لتحقيق أهدافها.

وعكست البعض من التصريحات السياسية غياب إجماع داخلي حول مكتسبات المكون الأمازيغي، حيث وصف رئيس جبهة العدالة والتنمية عبدالله جاب الله تظاهرات عيد يناير بـ”الشرك والبهتان”. وذكرت زعيمة حزب العدل والبيان نعيمة صالحي بأنها “ستقتل ابنتها إذا نطقت بالأمازيغية”، وهو ما يرسخ موقفا رافضا لتسوية ملف الهوية بالشكل المسوق له.

ويرى مراقبون بأن خطوات السلطة بقدر ما مثلت مكسبا لأنصار المكون الأمازيغي بقدر ما يشكل مشروع الأكاديمية لغما يهدد بنسف المشروع بسبب الصراعات المحمومة بين التيارات الفكرية واللغوية، لا سيما بين الفرانكفونيين والعروبيين.

ويحاول كلا الطرفين الهيمنة على مشروع الأكاديمية من أجل التحكم في مخرجاتها، وهو ما ألمحت له تصريحات أمين عام المحافظة السامية الهاشمي عصاد.

الجدل المثار حول الأمازيغية في الجزائر سجال أيديولوجي وليس أكاديميا أو لغويا، ومشروع الأكاديمية الأمازيغية في حاجة إلى سنوات طويلة لتجسيده قياسا بالمعوقات التي يواجهها

ويتوقع هؤلاء أن يكون طريق تجسيد المشروع طويلا وأن الأجندة السياسية المتعلقة بتمرير الولاية الرئاسية الخامسة لبوتفليقة هي المفتاح الأساسي في لعبة المهادنة المفتوحة من طرف السلطة مع المنطقة التي شكلت صداعا لها طيلة العقود الماضية.

كما يقول المتابعون إن صفقة يتم التحضير لها وتشمل مقايضة بين استقرار المنطقة وعدم رفضها لمشروع السلطة مقابل توفير مكاسب الهوية.

ويتجلى هذا الأمر من خلال الخطوات المرسومة للمشروع التمهيدي للقانون العضوي المتعلق بإنشاء المجمع الجزائري للغة الأمازيغية، حيث ينتظر أن يمر في بادئ الأمر بمجلس الوزراء، ثم يتم عرضه على البرلمان للمناقشة والمصادقة، وهي المحطة التي يتوقع أن تكون عسيرة على المشروع بالنظر للتحفظات التي تبديها البعض من الكتل النيابية لا سيما تلك المتمسكة بإضفاء التوجه العروبي عليه.

وأفاد الباحث في اللغة الأمازيغية طاهر ولد اعمر، لـ“العرب”، بأن تعميم تعليم اللغة واستعمالها الرسمي ليس بالسهولة التي يتصورها البعض.

ويقول إن الجدل الدائر الآن هو سجال أيديولوجي وليس أكاديمي أو لغوي، وأن المشروع في حاجة إلى سنوات طويلة لتجسيده قياسا بالمعوقات الموضوعية والمحيط.

وأضاف ولد اعمر “الآن يجب على السياسيين الانسحاب وترك المجال أمام الخبراء والمختصين، وإلا لن نتمكن من التقدم ولو بخطوة، فالقرار السياسي أدى مهمته وعلى المجتمع ترك المجال والوقت للأكاديميين فليس من السهل الوصول إلى توحيد الشتات الأمازيغي وإلى وضع أسس إجماع على لغة لا زالت غريبة على أهلها رغم عراقتها”.

وقال المؤرخ محمد أرزقي فراد،   لـ“العرب”، إلى القول إن “إشكالية الهوية لن تحل إلا في أجواء الحريات والديمقراطية وأن الملف لا بد أن يسحب من أيدي المتطرفين وأنصار الأيديولوجيا لأن الجدل الدائر ينطوي على عقد فكرية وتاريخية وأزمة تجانس مفقودة تغذت طيلة العقود الماضية من النظام الاستبدادي ومن القمع على الهوية واللغة”.

وأضاف أرزقي فراد “السلطات المتعاقبة تمكنت من بث التفرقة ومحاربة التنوع بين مكونات المجتمع الجزائري، من أجل تمرير مشاريعها، والنخب المثقفة والمجتمع المدني مطالبان بتجاوز تركة الماضي وتفويت الفرصة على مساعي التفكيك والصراع من أجل التأسيس لمجتمع المواطنة والحقوق والحريات”.

2