صفقة فساد في كواليس البرلمان العراقي بين الحلبوسي والعلاق

إغلاق ملف استجواب محافظ البنك المركزي مقابل إجازة مصرف وضع تحت الوصاية بسبب غسيل أموال.
الجمعة 2018/11/30
محاصصة الفساد

بغداد - تسلط صفقة سياسية - مالية، عقدت في كواليس المنطقة الخضراء ببغداد، الضوء على المستوى الذي بلغه الفساد في العراق، ونوعية الشخصيات والمواقع التي تشارك فيه، انطلاقا من اطمئنان تام إلى غياب الرقابة والحساب.

وقالت مصادر سياسية رفيعة لـ”العرب” إن “رئيس البرلمان العراقي محمد الحلبوسي رعى في منزله صفقة بين محافظ البنك المركزي العراقي علي العلاق، والنائب عن محافظة صلاح الدين مثنى السامرائي، تم بموجبها إغلاق ملف استجواب كبير كان من المقرّر فتحه في مجلس النواب العراقي”.

وأضافت المصادر أن “مثنى السامرائي، تعهد للعلاّق بإغلاق ملف استجوابه، ضمن صفقة رعاها رئيس البرلمان شخصيا، وحضرها مسؤول مالي بارز في البنك المركزي العراقي”.

وأوضحت أن “الصفقة تضمنت تجميد استجواب محافظ البنك العراقي في البرلمان، بشأن اتهامات تتعلق بالفساد وسوء الإدارة وهدر المال العام، لقاء منح النائب مثنى السامرائي إجازة مصرف تجاري تحت الوصاية”.

وسبق للبنك المركزي العراقي أن وضع مصرف “الرواحل الإسلامي” تحت الوصاية، بسبب شبهات تحويل مالي لجماعات مشبوهة، فيما رفض العلاق وساطات من ساسة ومسؤولين بارزين للتراجع عن القرار.

لكنه وقّع، صباح الخميس، أمرا عاجلا برفع الوصاية عن المصرف المشتبه في تورطه بعمليات غسيل أموال، وتفعيل إجازة تشغليه بناء على طلب تقدم به النائب في البرلمان العراقي مثنى السامرائي.

ولم تكشف المصادر عن “حصة رئيس البرلمان من هذه الصفقة”، لكنها أكدت أنها “حتما ستكون كبيرة”.

وتدور الكثير من الشبهات حول إدارة علي العلاق للبنك المركزي العراقي، لا سيما ما يتعلق بمزاد العملة، الذي يبيع بموجبه البنك المركزي أموالا بالدولار لمصارف أهلية بسعر أقل من السوق، ما يوفر فارقا بمئات الآلاف من الدولارات يوميا.

والعلاق هو كادر متوسط في حزب الدعوة الإسلامية، وأحد أكثر المقربين من رئيس الحكومة الأسبق نوري المالكي، الذي أصر على تعيينه محافظا للبنك المركزي، خلال ولايته الثانية بالرغم من الاعتراضات الكبيرة عليه.

وتقول المصادر إن “نوابا مقربين من الحلبوسي، أبرزهم مثنى السامرائي، أعدوا ملفا مدعوما بالأدلة لإدانة العلاق بعد استجوابه من قبل البرلمان”.

والسامرائي رجل أعمال مثير للجدل، عرف بصلاته الوثيقة مع رئيس البرلمان السابق سليم الجبوري، التي تحولت إلى صلات أكبر برئيس البرلمان الحالي محمد الحلبوسي.

واستحوذ السامرائي على عقود بالملايين من الدولارات لطباعة مناهج المدارس الحكومية في العراق، التي تبين أنها تنفذ خارج البلاد، وليس في مطابع محلية كما تنصّ على ذلك العقود.

وأجبر فريق النواب الموالي للسامرائي، محافظ البنك المركزي علي العلاق على الحضور إلى البرلمان مرتين خلال الشهر الجاري، وواجهوه بالأدلة.

وتوضح المصادر أن الوثائق التي تضمنها ملف العلاق تكفي لإدانته، تمهيدا لإقصائه من موقعه.

لكن الصفقة، التي رعاها رئيس البرلمان الحلبوسي، ضمنت حماية مؤقتة للعلاق، الذي تجمع المصادر على أنه لن يبقى في منصبه طويلا بعدما تسربت الكثير من ملفات الفساد التي تدينه.

ومن بين الإجراءات التي أثارت غضب الشارع، إصرار العلاق على وضع اسمه على فئات من العملة العراقية بصفته محافظا للبنك المركزي العراقي، وهو السلطة المسؤولة عن إدارة النقد في البلاد.

واستغل العلاق منصبه ليخلد اسمه من خلال وضعه على عدد من الفئات الورقية في العملة العراقية. وبدلا من أن يكتفي بالتوقيع، خط بحرف واضح حروف اسمه واسم والده وجدّه على الفئات النقدية.

صفقة تحت رعاية الحلبوسي
صفقة تحت رعاية الحلبوسي

ولدى سؤاله عن سبب هذا الإجراء قال إنه “هذا هو توقيعي، وليس اسمي”. لكن صحافيين نشروا وثائق تعود إلى مرحلة شغل العلاق منصب الأمين العام لمجلس الوزراء في ولاية المالكي الأولى، يظهر فيها توقيع مختلف عن الذي أثبته على العملة.

وتقول المصادر إن “العلاق سهّل حصول مصارف خاصة مملوكة لساسة عراقيين، على المليارات من الدولارات من مزاد العملة، مستفيدة من فارق السعر، لجني أرباح طائلة”.

ويخوّل القانون العراقي لمحافظ البنك المركزي إجازة البنوك الخاصة بالعمل، أو وضعها تحت الوصاية.

وتتداول الأوساط السياسية معلومات عن استخدام أموال مزاد العملة في توفير سيولة دولارية مستمرة للحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني، اللذين يعانيان في تداول الأموال.

لذلك، أخضعت الولايات المتحدة البنك المركزي العراقي لرقابة شديدة قبل تشديد العقوبات على طهران، الشهر الجاري، وفرضت عليه اتخاذ إجراءات قانونية قاسية ضد بنوك يشتبه في صلتها بالحرس الثوري الإيراني، كما أجبرته على تقييد تعاملاته مع البنك المركزي الإيراني.

وأصبح جمع ملفات الفساد لاستعمالها لأغراض كيدية أو من أجل ابتزاز أصحابها عرفا برلمانيا في العراق، مثله في ذلك مثل استجوابات الوزراء التي غالبا ما تعبر عن رغبة في الإطاحة أو التشهير أو الإذلال، وهو ما تمارسه الكتل السياسية الكبيرة للحصول على مكاسب مالية من وراء الكواليس.

ويقول مراقبون إن هذه العمليات يمكن أن تكون جزءا من نظام محاصصة غير معلن، حيث يتم اقتسام الغنائم مع المتورطين في الفساد مقابل التستر عليهم، وهو النهج الذي اتبعه المالكي في تسقيط خصومه الطائفيين والتخلص منهم من خلال ما يجمعه من وثائق تؤكد ضلوعهم في عمليات فساد مُرّرت من غير أن تكون له حصة فيها، ما كرس الفساد باعتباره أسلوبا وحيدا في التعامل مع أموال الدولة.

ويؤكد مراقب سياسي عراقي في تصريح لـ”العرب” أنه لم تعد هناك حاجة لهيئة النزاهة أو القضاء في ظل تسويات تُجرى بين أفراد الطبقة الحاكمة داخل مجلس النواب وخارجه على حدّ سواء، مشيرا إلى أن الأسوأ من ذلك استعمال هيئة النزاهة في جمع الأدلة والوثائق ووضعها بين أيدي سياسيين بعينهم.

وذكر المراقب بالإفراج عن وزير التجارة السابق عبدالفلاح السوداني المتهم بهدر ثلاثة مليارات دولار، وأن ذلك مثل صفعة مدوية وجهتها الطبقة السياسة ممثلة بحزب الدعوة إلى العدالة، ومشددا على أن المحاولة الحالية لابتزاز علي العلاق، وهو المعروف باعتباره غطاء للكثير من عمليات الفساد التي يديرها حزب الدعوة وزعيمه المالكي، ليست سوى الثمن الذي يقع على الحزب أن يدفعه لفاسدين لا يقيمون تحت خيمته.

1