صفقة في اللحظات الأخيرة وراء تخلي النهضة عن الصيد

ظلت حركة النهضة الإسلامية طيلة الفترة التي خصصت لمناقشة تشكيل حكومة الوحدة الوطنية توهم رئيس الحكومة الحالية، الحبيب الصيد، بدعمه وبقيت في نفس الوقت تجاري الرئيس الباجي قائد السبسي في إصراره على رحيل الصيد، قبل أن تتحين الفرصة التي فضلت فيها مصالحها على حساب الحبيب الصيد.
الجمعة 2016/07/15
مهما اختلفا لابد للمصالح أن تجمعهما

تونس - لم تكد تمضي ساعات على الموقف المفاجئ الذي تخلى فيه رئيس حركة النهضة الإسلامية راشد الغنوشي عن دعمه لرئيس الحكومة الحبيب الصيد في خلافه مع الرئيس الباجي قائد السبسي، حتى بدأت خيوط اللعبة تتضح كاشفة عن صفقة تم التوصل إليها في الربع ساعة الأخير قبل التوقيع على وثيقة “اتفاق قرطاج” التي حددت أولويات حكومة الوحدة الوطنية.

وقالت دوائر مُقربة من قصر الحكومة بالقصبة حيث مقر رئيس الحكومة الحبيب الصيد، لـ”العرب”، إن الحبيب الصيد وعددا من أعضاء فريقه الحكومي استشعروا أن حركة النهضة دخلت في مساومة مع الرئيس السبسي لتمرير مبادرته لتشكيل حكومة الوحدة الوطنية، تشمل رحيل الصيد من الباب الواسع، ليُفسح المجال أمام تكليف شخصية جديدة لرئاسة هذه الحكومة المُرتقبة.

وأشارت إلى أن الموقف الذي أعلن فيه الغنوشي بوضوح عن رفع الغطاء السياسي عن الحبيب الصيد، جاء ليؤكد وجود تلك المساومة التي انتهت بصفقة سياسية المستفيد الأول منها هي حركة النهضة الإسلامية.

وكان الغنوشي الذي أحاط موقفه من مسألة بقاء الصيد في منصبه أو رحيله بغموض شديد، قد خرج الأربعاء بموقف دعا فيه الصيد إلى الاستقالة، وشدد فيه على أن رئيس الحكومة الجديد يتعين أن يكون “شخصية حزبية، وأن حركة نداء تونس التى حصلت على أعلى النتائج في الانتخابات التشريعية هي الحزب المدعو إلى قيادة هذه الحكومة”. ولم يكتف بذلك، وإنما ذهب إلى ما هو أبعد، حيث اعتبر أن التوقيع على وثيقة “اتفاق قرطاج” هي “دعوة للحكومة الحالية للاستقالة”، داعيا في نفس الوقت إلى “ضرورة أن تفسح حكومة الحبيب الصيد المجال أمام فريق حكومي آخر”.

واعتبر مراقبون أن الغنوشي حسم بهذا الموقف السجال الدائر حول مسألة بقاء الصيد أو رحيله، حيث تخلى نهائيا عن الصيد في خلافه مع الرئيس السبسي، ليصطف بذلك إلى جانب رغبة السبسي في رحيل الصيد الذي وجد نفسه في عزلة سياسية لن تُمكنه من الاستمرار في التمترس خلف موقفه الرافض للاستقالة، أو حتى اللجوء إلى المسار الدستوري لسحب الثقة منه تحت قبة البرلمان.

وبحسب الناشط السياسي الدكتور حسان قصار، فإن ما أقدم عليه الغنوشي يعكس حجم المناورات التي لجأت إليها حركة النهضة طيلة الشهر الماضي لكسب المزيد من خيوط اللعبة التي تمكنها من الحفاظ على مواقعها، وبالتالي إحكام سيطرتها على المشهد السياسي.

حسان قصار: النهضة على استعداد للتحالف مع الشيطان للحفاظ على مصالحها

وقال لـ”العرب”، إن مناورات حركة النهضة التي اتسمت بتكتيكات مرنة أحيانا، وحادة في أحيان أخرى، مكنتها من إيهام الحبيب الصيد بأنه يحظى بدعمها، وفي نفس الوقت مجاراة الرئيس السبسي في إصراره على رحيل الصيد، لتصل في اللحظة الحاسمة التي اختارت فيها مصالحها على حساب الحبيب الصيد.

وفيما أكد حسان قصار أن تاريخ حركة النهضة الإسلامية يؤكد أنها على “استعداد للتحالف مع الشيطان” للحفاظ على وجودها وعلى مكاسبها، بدأت الدوائر السياسية تتحدث عن صفقة خطيرة أبرمها الغنوشي مع السبسي لا تخرج عن إطار تفاهمات باريس بينهما.

وتُشير هذه الصفقة إلى أنه تم الاتفاق بين الرجلين على أن تتشكل حكومة الوحدة الوطنية المرتقبة من نحو 25 وزيرا، على أن تُسند لحركة نداء تونس 8 حقائب وزارية، والنهضة 6 حقائب وزارية، بينما يتم توزيع الحقائب الأخرى على بقية الأحزاب التي وقعت على وثيقة “اتفاق قرطاج”.

لكن الأخطر في هذه الصفقة بحسب تلك الدوائر التي تحدثت لـ”العرب”، هو وجود اتفاق على أن يتولى محمد الناصر الرئيس الحالي للبرلمان رئاسة الحكومة الجديدة، وأن يتولى عبدالفتاح مورو القيادي في حركة النهضة الذي يتولى حاليا منصب النائب الأول لرئيس البرلمان، رئاسة البرلمان.

ولم يستبعد حسان قصار إمكانية وجود هكذا صفقة، حيث قال لـ”العرب”، إن “مثل هذه الصفقة واردة جدا، خاصة وأن النهضة تُدرك أن الرئيس الباجي قائد السبسي تورط في مبادرته، وهو يبحث عن مخرج قدمته له النهضة التي تريد مقابل ذلك مكاسب سياسية جديدة استعدادا للمحطات القادمة”.

واعتبر أن مسألة إقدام الصيد على الاستقالة “أصبحت مسألة وقت فقط، لأن لا أحد سيقبل بقاء البلاد رهينة الخلاف بين الصيد والسبسي، وإطالة أمد الأزمة باللجوء إلى البرلمان”، على حد قوله.

وتُثبت هذه التطورات عكس القراءات التي اتسمت بالتذبذب في معالجة أسباب الخلاف بين السبسي والصيد، أو في التقليل من تعقيدات المسار الدستوري، وتؤكد صحة ما ذهبت إليه “العرب” سابقا من أن رهان الصيد على حركة النهضة كان رهانا خاسرا، وأنه لم يقرأ جيدا طبيعة التوازنات السياسية، ولا أبعاد تفاهمات باريس بين السبسي والغنوشي.

وفي المقابل، يُجمع خبراء القانون الدستوري، ومنهم قيس سعيد وغازي الغرايري على أن الذهاب إلى البرلمان سيُعقد المشهد، ويطيل الأزمة ارتباطا بمخرجات المادة 80 من الدستور التي لا تُجيز تقديم لائحة لوم ضد الحكومة في حالة الطوارئ المفروضة على البلاد، كما أن اللجوء إلى هذا المسار سيحول دون الإعلان عن الحكومة الجديدة في الموعد المُحدد لها أي في الخامس والعشرين من الشهر الجاري.

4