صفقة كي تلتقط إيران أنفاسها؟

الاثنين 2013/12/02

كيف ستتصرّف إيران بعد الاتفاق مع «الشيطان الأكبر»؟ هل تعود دولة طبيعية أم تنطلق من الصفقة لالتقاط أنفاسها ومتابعة السياسة العدوانية التي عادت بالويلات على الإيرانيين؟

لا حاجة لتأكيد أن ما توصلت اليه إيران مع الدول الكبرى في جنيف كان صفقة بكلّ معنى الكلمة. ما ليس أكيدا أنها «صفقة العصر»، على حدّ تعبير بعض السياسيين اللبنانيين الذين يميلون إلى التضخيم بحثا عن انتصارات وهمية على لبنان واللبنانيين.

هؤلاء السياسيون يعتقدون أن لا عيب في أن يكون بلدهم تابعا لإيران من منطلق مذهبي. أكثر من ذلك، لا يريد هؤلاء أخذ علم بأن ما توصلّت إليه إيران مع المجتمع الدولي ليس سوى بداية. الثابت، أن هناك نقاطا إيجابية سجّلتها إيران ولكن هناك كمّية لا بأس بها من النقاط السلبية التي جعلت النظام الإيراني مكشوفا أكثر من أي وقت.

في مقابل القيود التي باتت تكبّل برنامجها النووي الذي كلّف إلى الآن، الكثير من المليارات (نحو 120 مليار دولار)، ستحصل إيران على بضع مليارات من أرصدتها المجمّدة التي ستتيح لها دون شكّ تنفيس الاحتقان الداخلي الذي بات يعبّر عن نفسه، بين حين وآخر، بطرق مختلفة. كان انتخاب حسن روحاني رئيسا للجمهورية أخيرا أحد التعبيرات عن هذا الاحتقان.

إضافة إلى ذلك، نجحت إيران في تفادي ضربة عسكرية كانت آتية. ولاشكّ أن تفادي هذه الضربة أمر في غاية الأهمّية بالنسبة إلى بلد يبني استراتجيته على التدخل في الشؤون الداخلية لهذا البلد العربي أو ذاك دون حسيب أو رقيب، كما يحصل في لبنان.

كم من المليارات كلّف البرنامج النووي إيران، ولماذا كان هناك مثل هذا البرنامج الذي انتهى بالطريقة التي انتهى بها، أي تحت الرقابة الدولية التي باتت تستطيع، عبر المفتّشين، دخول المنشآت التي تريدها ساعة تشاء.

حسنا، حققت إيران ما تريد تحقيقه، أي استعادت بعض أرصدتها المجمّدة في الغرب. لكنها أثبتت في الوقت نفسه أن ليس في استطاعتها لعب الدور الذي تحلم بلعبه على الصعيد الإقليمي. أثبتت أنها تستطيع التخريب، لكنّها لا تستطيع البناء. عندما تخرّب إيران المنطقة معتمدة على إثارة الغرائز المذهبية، فإنها تخدم إسرائيل ولا أحد غير اسرائيل. ليس هناك مستفيد من السياسة الإيرانية في المنطقة أكثر من اسرائيل، التي لم تحلم يوما بأنّ تبلغ الانقسامات المذهبية الدرجة التي بلغتها في سوريا أو العراق أو لبنان أو اليمن أو البحرين.

في سياق الصفقة الأميركية- الإيرانية، يصحّ التساؤل هل في استطاعة إيران أن تصبح دولة طبيعية؟ بكلام أوضح هل ستستفيد من الصفقة لتوظيف المليارات التي ستحصل عليها من أجل الاهتمام بإيران والإيرانيين، أي ببلد نسبة 40 بالمئة من سكّانه تحت خطّ الفقر؟ أم أن إيران ستعتبر أنّ ابتلاع سمّ الصفقة مع «الشيطان الأكبر» فرصة تسمح بمتابعة سياستها الهادفة إلى إثارة الغرائز المذهبية في الشرق الأوسط وتفتيت دوله العربية من الداخل، على غرار ما حصل في العراق ولا يزال يحصل في سوريا ولبنان؟

الخيار الإيراني واضح. إنّه بين التصرّف كدولة من دول المنطقة تمتلك ثروات كبيرة توظّفها في خدمة شعبها ذي الحضارة القديمة، وبين دولة تعتبر أنّ لديها مشروعا إقليميا تستطيع من خلاله تقاسم النفوذ مع الولايات المتحدة وإسرائيل على حساب كلّ ما هو عربيّ في الشرق الأوسط والخليج؟

ستظهر الأيّام ما إذا كانت إيران قادرة على استعادة رشدها. نعم، هناك صفقة تمّت. في أساس الصفقة رغبة إدارة باراك أوباما في تفادي خوض أي حرب جديدة في المنطقة. هناك أميركا جديدة، على أهل المنطقة التعاطي معها بحذر. هل تذهب هذه الإدارة إلى حدّ الاعتراف بأنّ إيران قوة إقليمية عظمى تسيطر على العراق وسوريا ولبنان وتتدخل في اليمن وتقيم الدنيا وتقعدها ساعة تشاء في البحرين؟ أم أن المطلوب أن تنصرف إيران إلى الاهتمام بفقراء البلد الذين لا يعانون من الفقر فحسب، بل من الانتشار الواسع للمخدّرات أيضا؟

المسألة مسألة وقت فقط. سندرك بعدها هل تستطيع إيران البناء على الصفقة، أم أن الصفقة هدية مسمومة لا أكثر. أي أنها دعوة إلى مزيد التورط في مجال التدخل في الشؤون الداخلية لهذه الدولة العربية أو تلك بتشجيع أميركي وقبول بأن العراق صار منطقة نفوذ لـ»الجمهورية الإسلامية»؟

يكفي ما فعلته إيران بلبنان للتأكد من أنّ كل سياساتها كانت مبنية على باطل. سيكون لبنان، حيث لا مجال لتشكيل حكومة بسبب ميليشيا مذهبية مسلّحة تابعة مباشرة لإيران اسمها «حزب الله»، امتحانا لإيران ما بعد الصفقة. سيكون لبنان، كعادته، حقل اختبار للصفقة. سيكشف لبنان الذي يعاني من التدخل الإيراني المباشر ما إذا كان في استطاعة هذا النظام، الذي قبل التعاطي مع «الشيطان الأكبر» من فوق الطاولة ومع «الشيطان الأصغر» من تحتها، القيام بمساهمة إيجابية على الصعيد الإقليمي أو على الصعيد الداخلي.

سيتبيّن قريبا، هل الصفقة الإيرانية- الأميركية تندرج في عملية الهروب المستمرّة إلى الأمام، أم أنها مؤشر على أن القيادة الإيرانية لن تعود قادرة على ممارسة هذه اللعبة إلى ما لا نهاية.

الأكيد أن سوريا ستكون في المدى المتوسط المكان الذي سيكشف مدى جدّية النيّات الإيرانية. هل ستتمسّك إيران بالنظام الفئوي في سوريا من منطلق مذهبي بحت… أم تدع الشعب السوري يقرّر مصيره بنفسه؟ ولكن في المدى المباشر، ليس من مكان تظهر فيه إيران أنها تغيّرت سوى لبنان حيث تمارس لعبة تصبّ في تدمير الوطن الصغير.

ما فائدة تدمير المؤسسات اللبنانية وما الذي يمكن أن تستفيد منه إيران إذا تابع «حزب الله»، الذي ليس سوى لواء في «الحرس الثوري»، عملية وضع يده على البلد، وصولا إلى الجامعة اليسوعية التي هي مؤسسة خاصة في خدمة كلّ اللبنانيين؟

من المبكر إعطاء رأي في الصفقة الإيرانية- الأميركية. كلّ ما يمكن قوله أن إيران، التي كشفت كم هي ضعيفة أمام المجتمع الدولي، سجّلت نقاطا بفضل إدارة أميركية لا همّ لها سوى طمأنة اسرائيل.

هل تستخدم إيران هذه النقاط بشكل إيجابي، أي في خدمة شعبها والاستقرار الإقليمي، أم ستوظّفها في مغامرات جديدة، يشكّل التورط في دعم النظام السوري الذي يذبح شعبه أفضل تعبير عنها؟

إعلامي لبناني

8