صفوان بهلوان: نجاح الدراما السورية أضعف موسيقاها

يشارك الموسيقار السوري صفوان بهلوان في فعاليات مهرجان الموسيقى العربية بالقاهرة، والذي يتواصل حتى الثالث عشر من نوفمبر الجاري، حيث يعد بهلوان من ركائز المهرجان الذي يحتفي هذا العام بمرور 25 عاما على تأسيسه، والذي قال عنه “ثمة انحدار بسيط أصاب عباءة الأوبرا المصرية بهدف الاتجار والربح”، مؤكدا أن مهمة الأوبرا في العالم تكمن في نشر الثقافة والفنون، وأن هناك أماكن دون المستوى لأن الكثير منها يهدف إلى الربح.
الأربعاء 2016/11/09
صفوان بهلوان: محمد عبدالوهاب وقود في روحي

وصف الفنان السوري صفوان بهلوان في حديثة لـ”العرب” مهرجان الموسيقى العربية بالقاهرة الذي يشارك هذا العام في الاحتفاء بيوبيله الفضي (تأسس في 31 أكتوبر من العام 1991)، بأنه “الواحة الخضراء في صحراء ساحتنا الثقافية التي تعيشها الأمة العربية، وأنه الباعث الأول الذي يؤسس الفنان الحقيقي مشواره عليه”.

وشدد على ضرورة أن يظل القائمون على المهرجان ملتزمين بمعيار الجودة في اختيار الفنانين المشاركين الذين يقدمون الفن الراقي والتراث الذي رسم ذاكرتنا وكوّن شخصيتنا، وضرورة أن يختاروا المواد الموسيقية التي يقدمها هؤلاء الضيوف، مع الحرص على نشر الوعي الثقافي بشكل دقيق، بالإضافة إلى الأبحاث والمؤتمرات العلمية التي لا بد من الاعتناء بها داخل هذا الحدث الموسيقي.

وقال بهلوان لـ”العرب”، “للحفاظ على هوية أغنيتنا العربية، فإن الحل يكون بالاستعانة بالتراث الذي شكل هذه الهوية”، وأكد أن الأغنية السريعة لم تعد مثار جذب جماهيري، وأن الدليل على ذلك أغاني محمد عبدالوهاب الطويلة والقصيرة والتي لا تزال حاضرة في الذاكرة، مثل “اسمح وقول لي”، “خمس دقايق” و”مكانش ع البال”، فالهدف في القيمة وليس في المدة الزمنية، موضحا أن الجمهور على استعداد لتقبل كل شيء جميل.

صفوان بهلوان يرى أن الكثير من الأصوات الجديدة أنصاف مواهب، في حين أن هناك مواهب حقيقية لم تجد فرصتها

دموع عبدالوهاب

تحدث صفوان بهلوان عن اللقاء الأول الذي جمعه بموسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب في لبنان، والذي كان إشارة البدء لطريقه الفني وهو لم يزل بعد في مرحلة المراهقة، “بعد استماع الأستاذ لغنائي لإحدى أغنياته القديمة بكى عبدالوهاب ثم قدمني بنفسه للإذاعة اللبنانية، وهو ما لم يفعله من قبل مع أحد، مما جعله في ما بعد يوكل إليّ أغانيه لتجديدها، وكانت ثقته في كبيرة”. وعندما سُئل عبدالوهاب عن تجربة بهلوان، قال إنها رائدة وإنه على ثقة بأنه سيقدم أعماله برؤية جديدة كما تمنى دائما.

وواصل صاحب إحدى السيمفونيات الشهيرة التي تم توزيعها في أوروبا حديثه عن عبدالوهاب قائلا “عبدالوهاب كان وقودا بداخلي، يدفعني لمواصلة هذا الطريق وتقديم هذا الفن، ووضعت لنفسي هدفا، ومازالت أعتبر أنني لم أصل إليه بهدف الاستمتاع بهذا المشوار الطويل”.

وعن الأغنية العربية ومستواها حاليا، رأى بهلوان أن العلاقة بين المطرب والملحن باتت تشوبها “المصلحة” من الشهرة والمال، وأكد أن الأغنية العربية أصبح فيها الكثير من الجمود والغربة، فقديما كانت هناك صداقة بين الطرفين تثمر عن تعاون، حيث كان الملحن يحفّظ المطرب اللحن حرفا حرفا من خلال تنسيقهما معا في البروفات، وهكذا كانت الأغنية تخرج نتيجة لانسجام إنساني “هارموني”، يختلف عن الوضع الآن.

واستطرد “معظم الموسيقيين حاليا عندما يسمعون أعمالهم في الإذاعة لا يعرفونها، لأن الملحن أصبح يضع خطا عريضا للحن، ثم يأتي شخص آخر ويكمله، وهكذا فالمنظومة أصبحت هندسية أكثر من كونها ذات مشاعر وإحساس”.

وبحسب ما يراه صفوان بهلوان، فقد قصّرت برامج المواهب الطريق على الكثير من المشتركين الذين انطلقوا بسرعة الصاروخ، بينما لا يمتلك الكثير منهم أنصاف الموهبة في حين أن هناك آخرين يمتلكون الموهبة الكاملة لكنهم تعثروا لعدم القدرة أو إتاحة الفرصة، وضعفهم في الإصرار على الاستمرار في هذا الطريق.

وفي ما يتعلق بالفيديو كليب، أشار إلى أنه من الركائز التي تؤرشف رصيد الفنان لكنها ليست صاحبة النصيب الأعظم في مشوار الفنان، وقال إنه سبق له أن صوّر أغنيتين هما “دوار يا بحر دوار على البحر”، و”ليالي الشام”، وكانت حينها الكاميرا تترجم كل شيء، أما الآن فإن ما يتم هو توليف إخراجي بتقنية عالية يكون فيه المخرج والصورة هما الأساس، أما الفنان فأصبح عنصرا جانبيا في هذه التوليفة، والصورة شرطها أن تخدم الموضوع الذي تطرحه الأغنية، وهذا ما لا يحدث الآن.

معظم الموسيقيين حاليا عندما يسمعون أعمالهم في الإذاعة لا يعرفونها، لأن الملحن أصبح يضع خطا عريضا للحن، ثم يأتي شخص آخر ويكمله

وأكد الفنان، الذي اتخذ من تجربة الموسيقي المصري محمد عبدالوهاب شعارا لحياته الفنية، أن الأغنية السورية لم تأخذ نصيبها الوافر من الاهتمام والعناية، فغالبا ما كانت الأنظار تطوف نحو الدراما السورية لما فيها من جماليات الصورة والإخراج والإجادة ما جعل شهرتها تتسع، خصوصا قبل تلك السنوات العجاف التي تشهدها سوريا الآن. وقال بهلوان لـ”العرب” “لولا ما بقي من تراث البعض من الفنانين السوريين من القدود والموشحات، لانطفأ وهج الأغنية السورية”، التي وصفها بأنها “تعيش في الوقت الراهن تأخرا موسيقيا، كجزء من الضياع الثقافي العام في العالم العربي”.

هو والجمهور المصري

رأى صفوان بهلوان، الذي منحته تونس لقب “أفضل صوت عربي”، أن الموسيقى الغربية كالعربية فيها الغث والثمين، وأن الموسيقار الراحل محمد عبدالوهاب وأمثاله استلهموا من التراث إيقاعاته ومقاماته وإنتاجه الرفيع، واستحضروا من الغرب ما يتفق مع قيمة وشكل الفن الذي يقدمونه، بعكس من لا يمتلك الموهبة أو لديه القليل منها، فإنه يستحضر من الغرب ما يتفق مع فكره المحدود.

وتذكر صفوان في حواره مع “العرب”، البدايات الفنية التي جعلته يتشابه مع مسيرة موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب، فقال إنه عندما ذهب لتقديم حفلتين بحلب أصابته الدهشة في الحفل الأول نظرا للحضور القليل الذي رآه من خلف الكواليس لدرجة جعلته يلوم متعهد الحفلات، ويقول له “هل جئت بي لتهينني؟”، فقال له “يا أستاذ غنّ كما أعرفك وكما يعرفك القليلون منهم الذين جاؤوا ليسمعوك، فهؤلاء هم ‘سفراء السمع” وإذا أعجبتهم فستجد النتيجة غدا وبالفعل في حفل اليوم التالي لم يكن بالقاعة مقعد شاغر”.

وهو الأمر نفسه الذي حدث عند وقوفه الأول على مسرح دار الأوبرا المصرية في العام 1997، فلم يكن بالصالة سوى القليل من الجمهور مبعثرين هنا وهناك، “لكن رغم ضيقي إلا أنني ذكرت نفسي بضرورة أن أكون أنا نفسي بما أحلم وبما أشعر به ولما بدأت الغناء لاحظت أن الجمهور أخذ يتجمع ويقترب نحوي كدليل على أن ما قدمته لاقى الحاضرين ثم جاؤوا وسلموا علي بعد الحفل وقال لي بعضهم: لم نصدق ما سمعناه واعتقدنا بوجود شريط تسجيلي”.

وبعدها بثلاثة أشهر في ذكرى ميلاد محمد عبدالوهاب لم يكن هناك مكان شاغر بالأوبرا، حتى أنه بين الصفوف تم تخصيص مقاعد استثنائية ومن هنا بدأت علاقة بهلوان مع الجمهور المصري تتسع يوما بعد يوم.

16