صفوان داحول متكئ على المرأة في معظم أعماله ولا يرسمها

الخميس 2014/08/21
للمرأة مكانة الوطن الجريح في الآثار الفنية لصفوان داحول

دمشق- تغلب على لوحات التشكيلي السوري تكوينات الأوجه، وكأن الوجه خزّان للذكريات تستطيع تقاسيمه أن تفضي عما يوارى في خلد الفنان وما يحاول أن يقوله، التشكيلي السوري صفوان داحول من مواليد مدينة حماة عام 1961، عمل في مدينة دمشق وأقام فيها عددا من المعارض الفردية والجماعية، اليوم وفي ظل ما تشهده سوريا من حرب وفقدان يعيدان تكوين الإنسان السوري فنانا ومثقفا، كان لـ”العرب” اللندنية اللقاء التالي معه.

صفوان داحول بعيد الآن عن سوريا، هل تغيرت حساسيته كفنان تجاه الكون، وهل هناك من لغة بصرية جديدة يسعى إلى التأسيس لها وهو في حالة الابتعاد هذه، يجيب قائلا: “لا شك أن أيّ تغيير في حياة الفنان لا بدّ أن يؤثر على عمله، وفي كل الأحوال لا أميل إلى اكتشاف التغيرات لعلها تأتي بشكل ما، ومجموع الأمكنة التي سكنت فيها لا بدّ أن تلاحقك يوما ما”.

يتميّز الاغتيال بأنه فجائي، أي أنه دون سابق إعلام أو تنبّؤ من قبل الميت، كيف يصف داحول اليوم سوريا فنانا وإنسانا أمام الاغتيالات التي يتعرض لها الإنسان السوري على كافة الأصعدة، عن ذلك يعقّب “ما يجري في سوريا هو اغتيال لكل ما هو إنساني ولا أريد هنا الحديث عن تأثير هذا على النتاج الفني وما زال هناك أكثر من مليون طفل في العراء، وما زالوا يحلمون بالعودة إلى بيوتهم ومدارسهم”.

هناك تشكيلات لنساء ولأنثى تتكرر في أعمال صفوان داحول، كيف يحدد علاقته مع المرأة الجسد والمرأة الأم والمرأة الوطن وهو الذي رافقته المرأة في معظم تجاربه، حول هذا الشأن يقول: “صحيح أني أتكئ على المرأة في معظم أعمالي لكني لست متأكدا من أني أرسم امرأة. لكني بحاجة دائما إلى الراوي الذي من خلاله أعبر عمّا أريد أن أقوله عبر إشارات بسيطة لا أكثر ولا أقل”.

هناك وضعيات للخوف والعزلة تنعكس في لوحات داحول، هل يرى أنه بالإمكان تغيير هذه الوضعيات في ظل ما تشهده سوريا الآن، فيجيب “ما يحدث في سوريا يجعلك تخجل من الوقوف أمام لوحتك، لكن قدرنا أن نستمر في الحياة برغم الخوف والألم والغضب، لم أكن مباشرا في أعمالي السابقة، ولن أكون كذلك الآن، برغم غنى ما يجري الآن في سوريا من الناحية الفنية، لكني أخجل حقيقة من أن أقترب في أعمالي بشكل مباشر مما يجري في سوريا”.

صفوان داحول: لن أكون مباشرا في أعمالي، رغم غنى ما يجري حاليا في سوريا من الناحية الفنية

كان للثورة في سوريا الكثير من الفضل في إنتاج أصوات فنية وثقافية جديدة لكن إلى أيّ مدى يمكن الاعتماد على هذه الأصوات في التأسيس لثقافة سوريّة أصيلة، عن ذلك يجيب داحول “هناك بعض النتاجات البسيطة وربما هناك أشياء مهمة لم نرها بعد، أهمها السينما والتصوير الضوئي، أي كل ما هو توثيق لما يجري في سوريا، لكن على مستوى اللوحة ربما هناك بعض البوادر لا أكثر”.

مضيفا: “وأعتقد أن ما سنراه في ما بعد ربما سيكون لوحة مختلفة تماما تغير من سمات الفن التشكيلي السوري بشكل مختلف عما عليه، أما عندما نتكلم عن نتاج فني سوري أو حتى عربي يجاري ما يحدث في سوريا فهذا محبط جدا، فالثقافة العربية الحالية لن تؤثر عليها لوحة أو عمل فني، وللأسف هذا واقعنا، والفنان مشتت بين الصدمة والهجرة والظروف المحبطة وبالتالي إنتاجه غير مجدٍ”.

هل هناك من مسافة يتخذها داحول من العمل الفني حين يبدأ بالعمل عليه، ومن أين يستمدّ شخوص لوحاته في ظل الكم الهائل الذي يصلنا من سوريا والذي يحمل تناقضات وآلاما مريرة، فيعقب موضحا: “دائما أبدأ من أقل الأشياء، من صورة غير واضحة تماما، تبدأ بالتوضّح شيئا فشيئا مع استمرار العمل، وأحيانا أبدأ بشيء وأنتهي بشيء آخر”.

وعن وصفه لبعض التجارب والمحاولات الفنية التي تحدث داخل سوريا سواء تلك التي يتم تبنيها من قبل المؤسسات الرسمية أو من قبل أولئك الذين يعملون خارج إطار هذه المؤسسات، يعلّق داحول قائلا: “بالنسبة إليّ لست على اطلاع على التجارب الفنية التي تحدث داخل سوريا، إلا أن الصورة في نظري ستكون بائسة جدا للمؤسسات الرسمية المعاقة أصلا، بل والعقيمة”.

الحديث مع صفوان داحول مليء بالحزن، فعلامات التعب وقسوة الرحيل تلف كلماته، حيث رفض إطالة الإجابة التي أبى إلا أن تكون مدونة بخطّ يده، لتعكس ما يشعر به عبر علاقة حميميّة بين الورقة والقلم، فهو على حدّ قوله لا يريد أن يلقي أحكاما أو أن يقع في شرك التقييم وإلقاء الدروس النظريّة، إذ لا يريد المزايدة على أيّ أحد، بل إنه ابتعد عن اللقاءات الصحفية مؤخرا لحساسيته المفرطة تجاه ما تمرّ به سوريا التي جعلته يقف مذهولا منهكا من هول ما يحدث.

16