صفوان داحول يرسم حراسا على أسوار مدينة الصمت

فنان سوري يشكّل تجربة تصويرية حيادية اللون لا بذخ فيها ولا استعراض.
الأربعاء 2019/09/25
لوحات حبلى بالدلالات والرموز

تُعدّ المرأة أحد أبرز العناصر الراسخة في لوحات الرسام السوري صفوان داحول، فهي بؤرة اهتمامه وعنصر ارتكاز داخل المشهد التصويري لديه، كما تتخذ أعماله منحى تعبيريا ضاج بالدلالات والرموز، ليبحر من خلالها في عوالم أقرب إلى التصوّف والروحانيات، وهو ما يتجلّى بوضوح في آخر أعماله التصويرية المعروضة في قاعة “أيام” بمدينة دبي الإماراتية.

وجه واحد يتكرّر في عدد من اللوحات، وإن اختلف السياق البنائي لكل لوحة على حدة. لوحات تكثّف المشهد وتحاصره في نطاق الوجه الأنثوي وتضاريسه الناعمة، وأخرى تتّسع فيها دائرة الضوء شيئا فشيئا لتكشف لنا عن معالم أخرى من الجسد: سيقان ملتوية، وأذرع ممتدّة، وعيون واسعة تحلّق بعيدا إلى المجهول. وجوه حالمة ذات ملامح هادئة تتأرجح بين النوم واليقظة، ووجوه يلفها السكون ويغلّفها اللون بهالة من الأسى والغموض.

هي تفاصيل تشكل معالم التجربة التصويرية للفنان السوري صفوان داحول، هذه التجربة التي تمتد لأكثر من 30 عاما من دون تنافر ولا انعطافات حادة تشكل مسارها، هي تجربة تصويرية حيادية اللون، لا بذخ فيها ولا استعراض. وتميل ألوان داحول إلى نوع من الزُهد والتقشّف من دون استعراض للمهارات اللونية، أما تكويناته فهي ذات طبيعة بنائية مُحكمة في تصميمها. يميل الفنان السوري إلى تكرار العناصر التي يرسمها في اللوحة الواحدة، وهو تكرار يمثّل تحديا أو مغامرة مستمرّة لم تبارح أسلوبه رغم انتقاد البعض واتهامه له بالتكرار.

صفوان داحول: اللوحة ما هي إلاّ احتمال واحد ضمن الملايين من الاحتمالات الأخرى
صفوان داحول: اللوحة ما هي إلاّ احتمال واحد ضمن الملايين من الاحتمالات الأخرى

وفي أعمال صفوان داحول ذات المساحات الكبيرة يفرض اللون وطريقته في توزيع العناصر على السطح حالة من الترقب والهدوء الحذر، وهو سلوك عام يتبعه في معظم لوحاته ومراحله المختلفة.

وهو يرى أنه لا يخوض تجربة جديدة بعيدة عن المخيلة الإنسانية، وإنما يفعل شيئا مُجرّبا من قبل في كل فنون الحضارات القديمة، كالآشورية والبابلية والفرعونية، والتي تتحدّث عن قصص نعيدها دائما ونراها.

وعبّر صفوان داحول عن مراحل فنية كانت ألوانه تميل فيها إلى الرومانسية والحلم. استخدم خلالها درجات مختلفة من اللون كالأزرق والأصفر، وغيرهما من الألوان الحالمة، ولكن مع الوقت تغيّرت رؤيته للمساحة، كما تغيّرت نظرته للأشياء من حوله، ليبحر بعدها في عوالم أقرب إلى التصوّف والروحانية.

تأثر الفنان السوري بالعديد من المؤثرات البصرية والثقافية، وهي مؤثرات وجدت طريقها على نحو ما داخل معالجاته الفنية، من مشاهداته للطبيعة في سوريا حيث ولد في مدينة حماه ثم انتقل للإقامة في دمشق، ورؤيته المتعمّقة للفنون القديمة في مصر والشام والعراق، ثم سفره وإقامته في بلجيكا لمدة خمس سنوات.

وتتلمذ صفوان داحول أثناء إقامته في أوروبا على يد الفنان إيفون فانديك. ورغم الاختلاف بين مرجعية كل منهما، إلاّ أن مناخ الدراسة في مرسم هذا الفنان البلجيكي أتاح له الحوار مع فنانين من كافة أنحاء العالم، كما أتاح له الفرصة لتوسعة أفقه والتعرّف على ثقافات الآخرين.

أما الآن فيقيم الفنان السوري صفوان داحول في مدينة دبي، التي انتقل إليها من دمشق بعد اندلاع الحرب في سوريا، وهو يعرض أعماله في شكل دائم داخل قاعة “أيام”، هذه القاعة التي تتبنّى عرض أعمال العديد من الفنانين السوريين وتقدّم الدعم لهم من دعاية وتسويق، وهو نهج شائع في صالات الفن في أوروبا والغرب بشكل عام ونفتقده كثيرا في منطقتنا العربية.

وقد شكل انتقال الفنان للإقامة بعيدا عن دمشق التي يعشقها مرحلة جديدة من تجربته وارتحالاته الكثيرة، وهو الذي يحمل معه الوجع السوري دائما، فمن يغادر وطنه لا يشعر إلاّ بالوحشة والحنين الدائم، وهو يحوّل هذا الحنين إلى طاقة ورسائل بصرية يودعها في لوحاته، هذه اللوحات الحبلى دائما بالدلالات والرموز.

ويرى صفوان داحول أن اللوحة لديه ما هي إلاّ احتمال واحد ضمن الملايين من الاحتمالات الأخرى، وهو يسعى جاهدا في لوحاته للكشف عن هذه الاحتمالات. من هنا ربما يأتي التكرار وتردّد العناصر بين لوحة وأخرى، أو بين مجموعة كاملة من اللوحات.

ومن هناك يبدو الحضور الأنثوي في لوحاته الأخيرة طاغيا ومتجدّدا، حيث تظهر المرأة بقوة في معظم أعمال داحول، ربما تستحوذ أحيانا على مجمل المساحة، أو قد تتوارى في أحيان أخرى بين تشكيلات اللون، لكن حضورها يظل قائما ومسيطرا على روح التكوين. كما تبدو تكويناته في شكل عام واضحة وصريحة وذات صياغات غرافيكية محكمة الخطوط ومحدّدة المساحات.

لوحات داحول مسكونة بالصمت، فقليلا ما نشعر أو نلـمح الحركة في أوصالها. العناصر هنا غارقة في ثبات دائم، ومستسلمة لهذا الشعور الحيادي الذي لا تستطيع اكتشافه أو تحديد طبيعته على نحو صريح، إن كان ابتهاجا، أو نشوة، أو حزنا دفينا لا يبرح مكانه، أم أسى ولوعة. مشاعر كثيرة تحملها ملامح هؤلاء الشخوص الذين يظهرون تباعا في أعمال صفوان داحول.

والحيادية التي تخيّم على المشهد البصري في لوحات داحول على مستوى اللون وطبيعة المشاعر هي ما يضفي على المشهد المزيد من الثراء، فالاحتمالات المتعدّدة تضعنا أمام خيارات لا حدود لها من المشاعر والدلالات والمعاني.

وأبطال الأعمال في معرض صفوان داحول الجديد، أشبه بحراس أمناء على أسوار مدينة الصمت، نراهم يتّخذون أوضاعا تصويرية كأنهم يتهيّأون للمشهد، هذا المشهد الذي يكاد يكون خاليا من التفاصيل.

كما تتوزّع الأشياء الجامدة داخل لوحاته على استحياء كمعادل بصري للشخوص، فنلـمح متتاليات من الأشكال الهندسية تتوزّع هنا أو هناك، وأبوابا نصف مغلقة يتسلّل إليها الضوء من مكان مجهول، فتلقي على المساحات المزيد من الغموض.

16