صقور إخوان الأردن يهربون إلى الأمام في إدارتهم لأزمة الجماعة

يحاول الرجل الثاني في إخوان الأردن زكي بني أرشيد إيجاد حل لنزيف الانشقاقات الذي تعاني منه الجماعة، ويرى محللون أن بني أرشيد رغم براغماتيته واتقانه لفن المناورة غير قادر على رأب الصدع في ظل رفض تياره التنازل عن دفة القيادة.
الأربعاء 2016/01/13
هوس الزعامة

عمان - يتحرك نائب المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين الأردنية زكي بني أرشيد منذ خروجه من السجن بداية العام الحالي على أكثر من صعيد وجهة، في سياق محاولاته إعادة الحياة إلى الجماعة التي نخرتها الانقسامات والانشقاقات.

كما أن هذا التحرك لا يمكن فصله عن المعطيات التي تتحدث عن فرضية توليه منصب المراقب العام خلفا لهمام سعيد الذي تحمله قيادات إخوانية مسؤولية ما وصلت إليه الجماعة من ترهّل.

فبني أرشيد المحسوب على شق الصقور يحظى بدعم من قطاع مهم خاصة في صفوف الشباب، وعلى خلاف سعيد يتحلى بنوع من البراغماتية، رغم خطابه الصدامي تجاه النظام. ويرى الصقور أنه بالإمكان الرهان عليه لقيادة المرحلة المقبلة، وخاصة لناحية إيقاف النزيف الإخواني المتواصل، وهو الأمر الذي يستبعده المحللون، لأن الأزمة التي تعانيها الجماعة أعمق من “شخصنتها”.

وكانت السلطات الأردنية قد أفرجت قبل أيام عن بني أرشيد بعد تنفيذ عقوبة بالسجن لمدة عام ونصف لإدانته بالإساءة لعلاقة الأردن بدولة الإمارات من خلال مقال نشره على موقع فيسبوك بعد تصنيف الأخيرة جماعة الإخوان كجماعة إرهابية.

وعقب خروجه من السجن تواتر حضور بني أرشيد في المشهد الإعلامي للتأكيد على أنه الرجل القوي في الجماعة، والقادر على لم شتاتها.

والمتأمل في تصريحات الرجل الإعلامية يرى بأنها تصب في إطار التصعيد مع النظام الأردني والسعي لتحميله وزر الانقسام الذي يعصف بالجماعة، محاولا التقليل من شأن أخطاء قياداتها وبخاصة التيار المحسوب عليه، وهو ما وصفه البعض بمنطق “الهروب إلى الأمام”.

وآخر التصريحات، تلك التي صدرت عنه أمس الثلاثاء حين قال إن الضربات التي طالت جماعته خلال العامين الماضيين ليست الأولى التي تتعرض لها بهدف شق صفوفها وإضعافها، ولكنه وصفها بأنها “الأقسى”.

وأضاف “نشهد اليوم حالة استهداف أقسى مما تعرضنا له في السابق .. هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن هناك اجتهادات واختلافات داخلية بالرؤى، وهذا أيضا ليس جديدا ولا يعيبنا، والتحدي الحقيقي هو كيفية إدارة تلك الخلافات”.

400 استقالة من حزب جبهة العمل الإسلامي الجناح السياسي لجماعة الإخوان الأردنية

واتهم بني أرشيد صراحة السلطات بالتورط في الانقسامات التي شهدتها جماعته مؤخرا، وقال “ليس لدي أدنى شك في أن محاولات الانقسام أو التشويش على الحركة كان للجهات الرسمية يد فيها”.

وتابع “وهذا لا يعني أني اتهم الإخوة ممن انشقوا وانفصلوا في نواياهم، ولكن بالتأكيد هناك دور واضح أو خفي للنظام بهذه الانقسامات.. محاولة تفتيت الجماعة والحركة هدف سعت له الدولة والحكومة والجهات الرسمية.. وكانت لدينا معلومات بهذا قبل أن تبدأ محاولاتها”. ويرى متابعون أن بني أرشيد يسعى لإدارة دفة الصراع، موجها إياه لناحية النظام، وهذا ليس بغريب عنه.

ويعتبر هؤلاء أن السلطة وإن كان لها دور في ما يحصل داخل جماعة الإخوان خاصة لجهة تمكين شق القيادي عبدالمجيد ذنيبات من ترخيص قانوني يحمل ذات اسم الجماعة وأهدافها، فإنه لا يمكن بأي حال من الأحوال إغفال أن المسؤولية الكبرى تقع على عاتق قيادة الإخوان.

وتشهد جماعة الإخوان المسلمين منذ ثلاث سنوات تقريبا أزمات متتالية على خلفية التصادم الحاصل بين شقي “الحمائم” و“الصقور” حول كيفية التعامل مع الواقع الأردني خاصة بعد فشل تحركاتهم في سنة 2011.

فالشق المتشدد يدين بالولاء المطلق للتنظيم الدولي للإخوان، وهو يرفض العودة والمشاركة في الحياة السياسية بالأردن إلا بعد قيام النظام بتنازلات جذرية منها على سبيل المثال قانون الانتخابات، بالمقابل يرى التيار المعتدل أنه لا بد على ضوء المتغيرات المحلية والإقليمية أن يتم تغيير استراتيجية التعامل مع النظام من خلال الانفتاح عليه وقطع الرابط العضوي مع التنظيم الدولي وتحويل الجماعة إلى حركة وطنية. وليست هذه عوامل التأزيم فقط داخل الجماعة، فهناك أزمات هيكلية وتنظيمية.

سامح المحاريق: أزمة الإخوان في الأردن جزء من أزمة جميع التنظيمات الإخوانية في المنطقة

وقد أفرزت هذه الإشكالات في نهاية المطاف ونتيجة لتمترس شق الصقور خلف مواقفهم انقسام الجماعة وتشظيها إلى ثلاث مجموعات الأولى برئاسة همام سعيد، والثانية بقيادة عبدالمجيد ذنيبات الذي انتخب مؤخرا مراقبا عاما، والثالثة مجموعة الشراكة والإنقاذ المؤلفة من قيادات وأعضاء تجاوز عددهم الأربعمئة، كانوا انسحبوا مؤخرا من الجناح السياسي دون أن يتخلوا عن انتمائهم للجماعة الأم.

ويقول محللون: إذا كانت أزمة إخوان الأردن تحمل في ظاهرها أسبابا داخلية إلا أنه لا يمكن قراءتها بعيدا عن السياق العام وما يعانيه الإسلام السياسي في العالم العربي.

ويوضح المحلل السياسي الأردني سامح المحاريق لـ“العرب”، أن “أزمة الإخوان المسلمين في الأردن جزء من أزمة جميع التنظيمات الإخوانية في المنطقة، وجزء من أزمة الإسلام السياسي بشكل عام، فالربيع العربي أعطى الفرصة لإخضاع البرامج الإصلاحية والسياسية لتجربة كان من الأفضل للجماعة تجنّبها في مصر وغيرها، ولكن تدافع الصقور في الجماعة إلى السلطة وتفكيرهم في عملية إحلال كبرى على المستوى المجتمعي بحيث يتحصلون على منافع التواجد في الحكم دون تحمل تبعاته، جعلهم يقعون في أخطاء من أهمها إطلاق فلسفة التمكين عوضا عن استراتيجية المشاركة”.

ويضيف المحلل “إذا كان يمكن تفهم حالة الإخوان في مصر بسبب فشلهم في ترتيب الأولويات ومواجهة مسؤولية إدارة دولة بحجم مصر، فمن الصعب تفسير السلوكيات التي انتهجتها الجماعة في الأردن، حيث بدأت في مرحلة ما تضع نفسها في موقع الندية مع الدولة، وكان عرض الإخوان بالتوسط في ترتيبات توريد الغاز من مصر يدلل على بداية الانفصام مع الواقع، وهو الأمر الذي أدى إلى تسارع الأحداث وصولا إلى الانشقاق الذي بدأ يتحول إلى أمر واقع”.

ويرى محللون أن المبادرة التي يستعد الرجل الثاني زكي بني أرشيد لإطلاقها للملمة الجماعة لا أفق لها، خاصة أنها تأتي من شخصية تنتمي لتيار كشفت الفترة السابقة عن عجزه في إدارة دفة الأمور بسبب ارتهانه للأجندات الخارجية.

أما شق ذنيبات الذي هو حاليا من يملك الشرعية القانونية لقيادة الجماعة، فيبقى نجاحه، وفق المحاريق، رهين تقديم المراجعات الضرورية لمنهج الجماعة، وإعادة تأهيلها لتكون فاعلا سياسيا يتفهم قواعد الديمقراطية، بدل الازدواجية السياسية التي تعتبر الديمقراطية أداة مرحلية”.

2