صلاة جمعة في جاكرتا

الخميس 2016/03/10

هناك معطيات بالغة الأهمية، ضمنها أنّ حاكم جاكرتا ينتمي إلى الأقلية المسيحية، وأنّ الأقلية الصينية البوذية في إندونيسيا لعبت دورا حاسما في نهضتها لدورها الريادي في قطاع المال والأعمال. معطيات كثيرة تؤكد بأن الأقليات قد تكون عاملا في التنمية إذا لم تخضع للتهميش. لكن إلى أي حد تستطيع إندونيسيا أن تحمي نموذجها في التنوع الديني واللغوي والطائفي؟

قلت لأصدقائي، سأحضر صلاة الجمعة في مسجد بأحد الأحياء الشعبية، لعلي أرصد مؤشرات معاكسة. تركتهم واتجهتُ إلى المسجد مهتديا برجال يحملون سجادات الصلاة، إلى أن بلغت عتبة المسجد. تركت نعلي بالخارج كما يفعلون، ثم دخلت. بعد لحظة صعد الإمام إلى المنبر، وافتتح خطبته بالبسملة والحمدلة والحسبلة وأدعية باللغة العربية قبل أن ينتقل إلى الكلام بالإندونيسية. في نفس الأثناء كان بعض المصلين يتبادل أطراف الحديث بصوت خفيض، وبعضهم يؤدي ركعات، وآخرون يتبادلون التحية (لعل أئمتهم لا يصدعون رؤوسهم بحديث من لغا فلا جمعة له).

لم يكن المصلون يفهمون حوالي أربعين في المئة من كلام الخطيب لأنه بالعربية، ومن مفارقاتهم أنهم يقدسون العربية دون أدنى رغبة في تعلمها. بدوري، لم أفهم معظم كلام الخطيب لأنه بالإندونيسية، لكني أدركت بأنه بدأ بالهجوم على الشيعة “الرافضة”، ثم المثليين “اللوطيين”، ثم طائفة أخرى لم أتبيّن أمرها، ثم عاد للحديث عن المعاملات، وعن حب الجار لجاره، ثم أنهى خطبته بجملة من الأدعية المروعة، وفق الترتيب الذي رآه: اللهم احفظ إخواننا المجاهدين في فلسطين.. ثم العراق.. ثم سوريا.. ثم مصر.. ثم الشيشان.. ثم مناطق أخرى لم أسمع بها من قبل.

عند انقضاء الصلاة اتجهتُ نحو الخطيب وجلست جواره بأدب ثم قدمت نفسي كمغربي طالبا منه أن يأذن لي بطرح سؤال: ماذا تقصد بالمجاهدين في مصر؟ قال: أقصد كل إنسان يقاتل في سبيل الإسلام. قلت: هل تقصد الإخوان المسلمين مثلا؟ قال: نعم لكن ليسوا وحدهم؟ قلت: من معهم؟ قال: كل المجاهدين. قلت: النصرة والقاعدة وداعش مثلا؟ قال: إنهم ليسوا معصومين من الأخطاء لكن الواجب أن ندعو لهم لأن نواياهم صادقة في الأخير. ثم همّ بالانصراف. فقلت له: يا سيدي، أنا عربي، وأستطيع أن أقول لك بلسان عربي مبين، أن الكثير ممن تسميهم مجاهدين دمروا أوطاننا وأغرقوا بلداننا في جحيم الفتن، وأنتم لديكم أجمل بلد في العالم، وقوميات متنوعة تتعايش بسلام، وقد دخلتم عصر الصناعات الإلكترونية وبدأتم تصدرون للأسواق الخارجية، في المقابل معظم الدول العربية لا تصدر غير بعض الخضروات واليد العاملة الرخيصة، والآن تصدر التكفير والتفجير، رجاء لا تسمحوا بتدمير بلدكم كما حدث عندنا.

في تلك الأثناء كان يبتسم بلطف ممزوج بشيء من المكر، وهو يظهر للموجودين بأني أخوض في كلام يعجبه. وقتها تمنيت لو كنت أتقن الإندونيسية وإلا كنت قد خاطبتُ الجميع بلغتهم. أخيرا لم أجد بدّا من الامتثال عندما قاطعني بلطف: ماذا تفعل هنا؟ قلت: سياحة. قال: هل تحتاج إلى مساعدة؟ قلت: لا، بارك الله فيك.. ثم قلت في نفسي: لقد رميت بعض البذور، ويجب أن أنسى أمرها، فمن يدري قد تأتي عليها رياح تجعلها تثمر ولو قليلا.

24