صلاة في الشارع الرئيس: التدين المتوتر

صلاة الشارع تثير ردود أفعال كثيرة لا رفضا للصلاة ذاتها بل في تحويلها إلى ما يشبه إسقاط المشروعية الدينية على الموقف السياسي.
الأربعاء 2018/08/08
صلاة استعراضية

احتجاجا ضد صدور تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة، أقيمت يوم الجمعة الماضي العديد من المظاهرات المنددة بالتقرير ومضامينه وخلفياته، وحتى بـ“الوصاية الأجنبية على مبادئ الإسلام في تونس”.

المظاهرات الغاضبة من محتوى التقرير، وبصرف النظر عن حقيقة اطلاعها على محتواه، لم تثر امتعاضا كثيرا إلا حين تحول الاحتجاج المشروع إلى صلاة جماعية في الشارع الرئيس في العاصمة أمام وزارة الداخلية، وقد يبدو الاحتجاج، كما الصلاة، من ضروب حرية التعبير، إلا أن صلاة الشارع أثارت ردود أفعال كثيرة لا رفضا للصلاة ذاتها بل في تحويلها إلى ما يشبه إسقاط المشروعية الدينية على الموقف السياسي، وهو ما يعني ابتزازا سياسيا قوامه أن رفض مضامين التقرير ينطلق من الذود عن الدين وتاليا فإنه يعلو على النقاش السياسي ولا يعترف به.

الصلوات الجماعية في الشوارع والأرصفة ظاهرة لم تكن وليدة سنوات الثورة في تونس، ولكن منسوبها زاد في سنوات الانفلات السياسي الذي تضافر مع صعود حركة النهضة إلى السلطة، وهو الصعود الذي أنتجَ تعابير سياسية لم يألفها الشارع التونسي من قبيل الخيمات الدعوية والصلوات الجماعية في الشوارع والأرصفة وغيرها.

المسألة ليست متصلة بحضور البعد الديني أو غيابه في البلاد، بل تذهبُ أبعد من ذلك لتصل إلى مدى استقلالية الفضاء العام وحياديته، ومدى مشروعية غلق الطرقات وحركة المرور وتعطيل مصالح الناس بدعوى قدسية الصلاة.

المسافة الفاصلة بين تنظيم مظاهرة أو مسيرة وبين إقامة صلاة جماعية في الشارع الرئيسي، أو فوق رصيف مخصص للمارة، هي المسافة التي تفصل الشخصي عن العام، وهي المسافة التي تفصل بين الشأن الإيماني والمسائل القانونية، والقول إن اكتظاظ المساجد قد يؤدي إلى اضطرار المصلين إلى الصلاة خارج المسجد هو قول فاقد للوجاهة تباعا لارتفاع عدد المساجد في كل المدن التونسية والعربية والإسلامية، فضلا عن كون اكتظاظ المسجد لا يبرر الاعتداء على القانون.

المسألة ليست متصلة بحضور البعد الديني بل تذهب أبعد من ذلك لتصل إلى مدى مشروعية غلق الطرقات وتعطيل مصالح الناس بدعوى قدسية الصلاة

 الرصيف هو فضاء تحت تصرف القانون، والصلاة هي فعل إيماني شخصي وقدسيته لا تجيز استعماله في ما يخالف القانون أو في ما يعني تعطيل الناس.

المسألة الأخرى المتصلة بحدث الجمعة الماضي، هي أن هذا الاستعراض السياسي المغلف بتعبيرات دينية الذي يتردد البعض في نقده خوفا من الاتهام بمعاداة الدين، يهدد أولا (إن تواصل الاستعراض) بخروج البعد الديني عن دائرة القانون في دولة مدنية حاول دستورها إزالة الشوائب العالقة في مسائل الحريات والمعتقد والمقدس. المسألة الأخرى المشتقة من الحدث المشار إليه هي أي تدين يمكن أن يسود؟

 هل هو التدين الشعبي المتسامح الذي لا يلغي الآخر ولا يقصيه وهو تدين تعترف به الدولة وتحميه وتخصص له فضاءات الممارسة، أم التدين الاستعراضي المتوتر الذي لا يرى ضيرا في أن يستخدم الصلوات والتعبيرات الدينية في معاركه السياسية، أيا كانت وجاهتها، وهو تدين يعتبر الفضاء العام، القانوني والإداري والاقتصادي والثقافي، فضاء محتكرا ومصادرا بحكم القدسية الدينية، وبالتالي فهو جنس من التدين على استعداد للتحول إلى العنف إن حُرمَ من استعمال الفضاءات التي يعتبرها على ملكه.

المفارقة أن الصلوات الجماعية في الشارع لم تكن مقتصرة على تونس، بل طالت العديد من الأقطار العربية الإسلامية، وامتدت حتى إلى بلدان أوروبية حيث تسود قوانين علمانية، إلا أن بعض المسلمين مارسوا صلوات في الشوارع، ما وفر حجة  للتيارات اليمينية المتطرفة.

“الشعب مسلم ولا يستسلم”، و”لا شرقية لا غربية تونس دولة إسلامية” هي بعض الشعارات التي رفعت في مظاهرة تيار المحبة (الذي يقوده الهاشمي الحامدي) يوم الجمعة الماضي، أما الأئمة الذي تظاهروا في مدينة صفاقس فقد اعتبروا أنهم تظاهروا لحماية “نمط عيش الأسر التّونسية وللتأكيد على الهوية الإسلامية للشعب التونسي ومناهضة للوصاية الأجنبيّة على مبادئ الإسلام في تونس”. الشعارات كما الأهداف التي وضعها المتظاهرون لمظاهرتهم توحي بأن الحدث المتزامن في أكثر من مدينة، هو حدث سياسي يتجاوز مجرد ارتباطه بصلاة الجمعة أو باكتظاظ المساجد.

13