صلاحيات الرئيس تشعل حربا كلامية بين أردوغان والمعارضة التركية

الثلاثاء 2015/03/10
المعارضة التركية تنتقد سياسة أردوغان وتعتبرها سلطوية

أنقرة- انتقدت المعارضة التركية ما سمتها محاولات الرئيس رجب طيب أردوغان السيطرة على مجلس الوزراء، وتوسيع صلاحياته، وسعيه لتحويل الحكم في تركيا إلى نظام رئاسي على شاكلة النظام في المكسيك، في تحرك لم يخرج –حسب المعارضة أيضا- عن سياق حملته على محافظ البنك المركزي إردم باستشي وحربه الشرسة لتطويع مؤسسات الدولة وضبط إيقاعها على إيقاع أجندة وتوجهات حزبه “العدالة والتنمية” الإسلامي.

وترأس أردوغان أمس الإثنين، في القصر الرئاسي بالعاصمة أنقرة، اجتماع مجلس الوزراء للمرة الثانية على التوالي بعد الاجتماع الأول، الذي جرى يوم 19 يناير الماضي.

ويؤكد الرئيس التركي على حتمية الانتقال إلى النظام الرئاسي، لكن المعارضة تخشى من أن تكون تحركات أردوغان مقدمة للتفرد بالسلطة، وقمعا للحريات العامة، والهيمنة على مؤسسات الدولة.

ويقود كمال كليجدار أوغلو زعيم حزب الشعب الجمهوري، أكثر أحزاب المعارضة ثقلا سياسيا والأكثر أهمية من الناحية التاريخية، جهودا حثيثة في محاولة لوقف تحركات أردوغان للسيطرة على مؤسسات الدولة.

وعلى وقع الاتهامات المتبادلة بين الرئيس التركي وشق واسع من المعارضة ممثلا أساسا في كمال كليجدار أوغلو، تتجه المواجهة بين الطرفين إلى مزيد من التصعيد.

رجب طيب أردوغان: رئيس تركيا منذ 28 أغسطس 2014، ورئيس وزرائها من مارس 2003 إلى تاريخ انتخابه رئيسا للبلاد، عضو حزب العدالة والتنمية الذي يملك الأغلبية البرلمانية.


النظام الرئاسي بصلاحيات أوسع ضرورة لتكون تركيا بين الدول الرائدة


لدى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قناعة سبق وأن عبّر عنها في أكثر من تصريح قبل ترؤسه أمس الاثنين اجتماع مجلس الوزراء، بأن نظام الحكم في تركيا أصبح يمثل من الناحية الإدارية بيروقراطية متهالكة تعيق سرعة اتخاذ القرارات.

ويرى أنه حان الوقت لتكييف وملاءمة نظام الحكم بشكل يسمح لتركيا بالتقدم، وأن المتغيرات الدولية والإقليمية تطرح حتمية فكّ القيود وتطبيق النظام الرئاسي بصلاحيات أوسع لتتخذ أنقرة موقعها بين الدول الرائدة، على حدّ تقديره.

وبقي منصب رئيس الجمهورية منذ تأسيس الدولة التركية الحديثة على يد كمال أتاتورك في عشرينات القرن الماضي، منصبا فخريا ولا يتعدى دوره في معظم الأحيان تقريب وجهات النظر بين فرقاء الساحة السياسية، والعمل على تحقيق التوافق السياسي بين الحكومة والمعارضة.

ولم يخف الرئيس التركي رغبته في تطبيق النظام الرئاسي، لكن على غرار ما هو معمول به في المكسيك، دون غيرها من الدول التي تطبق هذا النظام.

ويتمتع النظام الرئاسي في المكسيك الذي يبدو أردوغان ميالا له أكثر من غيره من الأنظمة الرئاسية الأخرى، بصلاحيات أوسع، ويواجه انتقادات دولية حادة لأنه أقرب إلى النظام السلطوي الشمولي، بتجميع كل السلطات بيد رئيس البلاد مع منحه صلاحية تعيين رئيس المحكمة الدستورية والقضاة والمدعين العامين ومدراء الأمن العام وقادة القوات المسلحة، وتمتيعه بحق الفيتو ضد القرارات البرلمانية، والموازنة العامة للدولة.

ويرى أن من حق رئيس الدولة التمتع بصلاحيات أوسع من تلك التي تمتع بها رؤساء تركيا المتعاقبون منذ تأسيس تركيا الحديثة على يد مصطفى كمال أتاتورك.

تركيا تواجه تهديدا بالغ الخطورة من جماعة ضغط سعر الفائدة، وكل من يدافع عن ذلك يأتمر بأمر جماعة الضغط

وقال مرارا منذ توليه رئاسة البلاد في 28 أغسطس 2014، إن وضع تركيا يحتاج اليوم أكثر من ذي قبل إلى نظام رئاسي بصلاحيات فعلية، لا صورية لتحرّر أنقرة من نظام مقيد ومعرقل للتنمية والتطور السياسي والاقتصادي.

ويدافع رجب طيب أردوغان بشدة عن مسعاه لتطبيق النظام الرئاسي، مثلما يدافع بشدة عن موقفه الداعي إلى تخفيض سعر الفائدة، وهو باب آخر من المواجهة المعلنة بينه وبين معارضيه.

وحذر الرئيس التركي في أكثر من مناسبة من أن الدفاع عن أسعار الفائدة المرتفعة يعتبر “خيانة”، وقال إن على محافظ البنك المركزي ونائب رئيس الوزراء لشؤون الاقتصاد أن “يطورا أداءهما”، متهما في الوقت ذاته من سماها بجماعات الضغط الخارجية بالوقوف وراء إرباك عمل البنك المركزي ومحاولة التأثير على السياسة النقدية للدولة، في إشارة إلى جماعة فتح الله كولن، حليفه السابق وخصمه الحالي الذي يقيم في الولايات المتحدة.

وقال “إن تركيا تواجه تهديدا بالغ الخطورة من جماعة ضغط سعر الفائدة، وكل من يدافع عن تلك الفائدة المرتفعة يأتمر بأمر جماعة ضغط سعر الفائدة وهذه خيانة في حق هذا الشعب”.

ويعتبر أردوغان أن هناك حملة تخويف تقودها جماعات خارجية، لمنع المركزي التركي من تخفيض سعر الفائدة، مرجحا وجود مؤامرة تستهدف وقف النمو الاقتصادي والإنجازات السياسية التي حققها حزبه “العدالة والتنمية”.

وهاجم الرئيس التركي إردم باستشي محافظ البنك المركزي واتهمه ضمنا بالضعف، مشيرا إلى احتمال وجود تأثير خارجي على قراراته، كما أكد على وجوب سرعة تجاوب المركزي مع دعوته لخفض سعر الفائدة.

وفي تصعيد للمواجهة التي أثارت قلق المستثمرين قال أردوغان أيضا في تصريحات إنه أجرى محادثات مع إردم باستشي محافظ البنك المركزي الذي يتعرض لانتقادات بسبب عدم خفض أسعار الفائدة بالسرعة التي يطالب الرئيس التركي، ومع علي باباجان نائب رئيس الوزراء والمسؤول عن الملف الاقتصادي.

كمال كليجدار أوغلو: حاصل على شهادة جامعية فى الاقتصاد، ودخل البرلمان عن حزبه فى إسطنبول عام 2002، ثم فاز مجددا عام 2007، ويتولى حاليا رئاسة الحزب الجمهورى.


أردوغان يسعى للسيطرة على مؤسسات الدولة والتفرد بالحكم


اعتبر كمال كليجدار أوغلو زعيم حزب الشعب الجمهوري المعارض أن تحركات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وسعيه لتطبيق النظام الرئاسي وترؤسه ثاني اجتماعات مجلس الوزراء بدلا من رئيس الحكومة داود أوغلو، محاولة للسيطرة على مؤسسات الدولة وتهيئة أرضية التفرد بالحكم.

ويمثل حزب الشعب الجمهوري الشق الأكبر للمعارضة التركية التي تلتقي في إدانة محاولات حزب العدالة والتنمية الإسلامي التغلغل في مفاصل الدولة والسيطرة على مؤسساتها.

ولا تعد القضية الخلافية الحالية التي أثارها الرئيس التركي بترؤسه ثاني اجتماع لمجلس الوزراء، القضية الخلافية الوحيدة مع المعارضة وتحديدا مع حزب الشعب الجمهوري، لكنها الأحدث في سلسلة مواجهات منذ كان رجب طيب أردوغان رئيسا للحكومة. وتتجه المعارضة التركية إلى مزيد من التصعيد مع رجب طيب أردوغان قبيل الانتخابات التشريعية المقررة في يونيو القادم، في مواجهة قد تكون الأشرس على الإطلاق، واختبارا أيضا لقدرتها على وقف محاولات حزب العدالة والتنمية للهيمنة على مؤسسات الدولة وتطويعها لأجندته السياسية.

ويرى كمال كليجدار أوغلو أن سياسة أردوغان تهدد النظام الديمقراطي والحريات العامة، مشيرا إلى أن الرئيس التركي بدأ في اتخاذ إجراءات لتسخير مؤسسات الدولة لخدمة أجندته الخاصة.

ولا يتوقف كليجدار أوغلو عن انتقاد توجهات حكومة أردوغان السياسية، معتبرا ضمنا أن هناك محاولات مستميتة من العدالة والتنمية لأخونة مؤسسات الدولة.

ويلتقي زعيم حزب الشعب الجمهوري في موقفه من ترؤس أردوغان لمجلس الوزراء ومطالبته بتطبيق النظام الرئاسي على غرار المعمول به في المكسيك، مع دولت بهتشيلي، زعيم حزب الحركة القومية المعارض الذي وصف تحركات أردوغان بالانقلاب على القصر الجمهوري.

ويرى أصحاب هذا الرأي أن الرئيس التركي الذي يفترض أنه رئيس لجميع الأتراك بمختلف توجهاتهم السياسية، يتجه إلى إحكام قبضته على الدولة وفق أجندة حزبه، لا وفق المصالح العليا للبلاد.

سياسة أردوغان تهدد النظام الديمقراطي والحريات، وقد بدأ في اتخاذ إجراءات لتسخير مؤسسات الدولة لخدمة أجندته الخاصة

وتنتقد المعارضة محاولات حزب العدالة والتنمية الحاكم إظهار الوزراء الأربعة المتهمين بقضايا الفساد على أنهم أبرياء رغم التحقيقات التي أثبتت تورطهم في الرشوة والفساد، وهو شق آخر من المواجهة المرشحة للتصعيد، أي ملفات الفساد والحصانة التي يمنحها أردوغان لوزرائه والمسؤولين من حزبه.

وقد أعرب كمال كليجدار أوغلو أيضا، عن استيائه من قيام الرئيس رجب طيب أردوغان بتوجيه انتقادات حادة لمحافظ البنك المركزي إردم باستشي، لرفضه خفض سعر الفائدة بالقدر الكافي رغم الارتفاع القياسي في سعر الدولار.

وقال “انتقادات رئيس الجمهورية لمحافظ البنك المركزي، غير صائبة، وكما يعلم الجميع فإن الرؤساء في كل الدول المعمول فيها بالنظام البرلماني، لا يتدخلون على الإطلاق في أعمال البنوك المركزية، وهذا تصرف غير صحيح”.

وأوضح أن رئيس الوزراء والوزير المعني، هما فقط المسؤولان عن البنك المركزي وسياساته، مشيرا إلى أن القانون في تركيا يهان بمثل هذه الانتقادات.

وذكّر زعيم حزب الشعب الجمهوري بأن الرئيس أقسم في البرلمان على شرفه بأنه سيبقى محايدا، وقال من هنا أريد أن أذكره بأنه أقسم على شرفه، وأطلب منه أن يوفي بقسمه.

وتخشى المعارضة التركية من أن الحرب التي أعلنها أردوغان على البنك المركزي التركي من جهة، ومحاولاته الهيمنة على المؤسسات الحكومية من جهة أخرى، مقدمات للتفرد بالسلطة في ظل رفضه للمواقف المعارضة لتوجهاته السياسية والاقتصادية واعتباره كل مخالف لرأيه متآمرا وخائنا.

12