صلاح الحمداني: الشاعر سيد القلق

الأحد 2014/07/13
الحمداني: في السجن لم أكن أعرف ما يعنيه الشعر

باريس - تجربة مختلفة وفريدة في الشعر والحياة، من الطفولة المقهورة إلى السجن والتعذيب مرورا بالجيش ووصولا إلى أهم صالات المسرح ودور النشر في باريس، الشاعر العراقي صلاح الحمداني لم يهتم سوى بأن يكون (الآن) إنسانا مبدعا وموجودا كما يريد، أصدر أربعين كتابا تنوعت بين الشعر والقصة والرواية، كان آخرها كتاب في القصة والسرد بعنوان “وداعا يا جلادي” كتبه بالعربية ومن ثم ترجمه إلى الفرنسية بمساعدة الشاعرة “إيزابيل لآني”. “العرب” التقت بصلاح الحمداني في باريس وحاورته، لتكشف عن بعض الجوانب من عراقه ومنفاه ورحلته في عالم الكتابة.

شارك الشاعر العراقي صلاح الحمداني في كثير من الأعمال المسرحية والأفلام كتابة وإخراجا وتمثيلا، وهو المقيم في فرنسا منذ أربعين عاما كاتبا فرانكفونيا يحضر العراق دائما وبقوة في شخصه ونتاجه الأدبي، غير أنه غير حاضر في الثقافة العراقية. صدر له في الشعر باللغة الفرنسية “بغداد حبيبتي”، ثم بغداد سماء مفتوحة”، وقد صدر الكتابان عن دار نشر “لو تان دو سيريز” سنة 2014.


حافظ الذاكرة


تميزت التجربة الإبداعية لصلاح الحمداني بغنى وتنوع ملحوظ، من المسرح إلى الرواية والقصة لتميل في نهاية المطاف نحو الشعر، هل كان يبحث عن صوتِه الإبداعي أم أن الفن بالنسبة إليه قد يعود إلى أشكاله المتعددة؟ يجيب الحمداني قائلا: ” بدأت تجربتي الإبداعية بكتابة الشعر، ثم زاولت التمثيل المسرحي والسينمائي، في بداية التسعينات تركت التمثيل وعملت في مشفى، وفي إحدى الصباحات رآني مدير المشفى عبر شاشة التلفاز في أحد الأدوار، كان أمرا غريبا بالنسبة إليه: ممثلٌ سينمائي يعمل نقالاً في مشفى! بعدها عملت لمدة عشرين عاما في مكتبة المشفى، ما أود قوله إن الهدف بالنهاية أن يكون المبدع موجودا في لحظته المُعاشة، وأنا لم أنقطع طوال تلك السنوات عن كتابة الشعر، وقد أعود إلى المسرح أو السينما لأنها مشاريع فنية”.

ويضيف قائلا: ” أما الشعر فإنه بالنسبة إليّ ليس مشروعا بل طريقة مُثلى لتترك أثرا، وتحافظ على الذاكرة من الضياع، كما أنني في الشعر لا أستطيع أن ألغيَ أحداً أو أكرِّس أحداً، كل من يقول إنه شاعر أحاوره وأحاول اكتشاف عالمه، فعالم الشعراء هو العالم الأمثل، لكن الخصوصية تأتي من عمق الذاكرة، الهدف من الشعر إيصال الذاكرة – وليس الذكريات- إلى الآخر، لأنها جزء منا على الرغم من كل مآسيها، دائماً أشبِّه طفولتي/ ذاكرتي بوعاءٍ مليء بالماء أغسل به وجهي كل صباح”.

أنا مدين لفرنسا وثقافتها بكثير من الأشياء لأن هذا البلد أعاد لي كرامتي وأنقذ إنسانيتي


حزن بغدادي


كتب الحمداني بعد عودته إلى العراق عام 2004 لمدة ثلاثين يوما بعد غيابه عنها ثلاثين عاما “لا أنوي بعودتي البحثَ عن الزمنِ الضائعِ، عمرِ الصبا، بل لشدّ الماضي إلى الحاضرِ، حتى أمتلئَ بمسيرتي خارجَ حدودِ المؤلفاتِ، الحدادِ المستفحلِ دوما، والمنجمينَ والقتلة”، عن الغربة بالنسبة إلى الحمداني في المكان أم في الزمان، وما مدى حضور المكان في تجربته، وماذا عن المنفى واحتمال العودة الآن بعد كل ما يتكرر في المنطقة من أهوال الماضي؟ يقول: ” الخروج من المكان يشبه الخروج من فيلم سينمائي، وبعد ثلاثين عاما من خروجي عدت إلى الفيلم فوجدت الأدوار والشخصيات والأحداث قد تغيرت تماما، وجدتُ فيلماً آخر، طوفاناً من الدم والقتل والهمجية”.

ويضيف قوله: ” لم أرجع كمثقف لأنني أصلاً لم أكن داخل الحراك الثقافي في بغداد ولم أدخل لعبة سياسية تضمن عودتي مع أمجاد شخصية، رغم أني كنت أحد العراقيين الأكثر حراكا ونضالا في تعرية نظام صدام في فرنسا، الغربة الدائمة في الزمان لا في المكان، ومن المؤسف أنني سأدفن هنا في فرنسا دون أن يسمع بي العراقيون، لقد كنت من الموجة الأولى التي غادرت العراق في السبعينات، أغلب الذين خرجوا من جيلي عادوا ليدخلوا ذات اللعبة وإن بأساليب مختلفة، أما أنا فلن أعود مرة أخرى لأنني لست وصوليا ولا بعثيا ولا إسلاميا ولا قوميا ولا في تنظيم يساري عراقي، نحن نفتقد إلى الحراك السياسي الحقيقي، اليسار نسيَ من ضحوا لأجل بلادهم، وبالنسبة إلَيّ أجد نوعا من الانتماء الحقيقي إلى فرنسا التي منحتني صوتي في الكتابة وفي الحياة”.

شاعر عابر للثقافات

ويتابع قائلا: ” حزنت على بغداد وما آلت إلَيه، لكنَّ أكثر ما أبكاني نخلة صغيرة كنت ألعب في ظلِّها طفلاً، من هنا تحضر بغداد – كذاكرة مكانية تجسد الطفولة- في ما أكتب أكثر مما تحضر المسميات النضالية، ومن هنا أنتمي إلى العراق كذاتٍ متجذرة في الذات الإنسانية لا كوطنٍ للصراع، أما المنفى فإنه مفهومٌ نختاره أو لا نختاره، ولكي لا نعقد الأمور أراه مفهوما قياسيا، ثمة أناسٌ منفيونَ داخل لغتهم وثقافتهم وأوطانهم”.


ثقافة العنصرية


لم يكن الحمداني منفيا بالمعنى المتداول للكلمة، بل تحول إلى جزء فاعلٍ في الحياة الثقافية الفرنسية منذ أن بدأ يكتب وينشر بلغتها، فهو شاعر عابر للثقافات، إلى أي مدى يحقق هذا الأمرُ توازنا داخل روح الشاعر القلقة؟ سيما أن الارتباط بالذاكرة الجمعية وخصائص اللغة أكثر ما يميز الشعراء العرب، في هذا الشأن، يقول الحمداني: “الثقافة الفرنسية تخلو من العنصرية، وهي منفتحة على الآخر، وفرنسا بلد يحمي الناس الأحرار الذين يشبهوننا، مجيئي إلى فرنسا كان مغامرة كبيرة، فقد سُجنت في العراق عام 1973 بتهمة سياسية، كنتُ متطوعا في الجيش بهدف إيجاد مصدر رزق وليس من باب القضية، فأنا لم أكمل تعليمي، ولم يكن أمامي طريق آخر، كنت في الثانية والعشرين وقد مضى على تطوعي ثلاث سنوات حين شاهدت قياديي الجيش يعذبون أطفالا كُردا، فاعترضت على الأمر وقمت بنشاط سري ضدهم، وتعلم ما يعنيه الاعتراض في الجيش”.

ويضيف الحمداني قائلا: ” خلال وجودي في السجن لم أكن أعرف ما يعنيه الشعر، سمعت أحد المسجونين يدندن أغنية فسألته عن ماهيتها، أجاب: هذه قصيدة..، بعدها كتبتُ قصيدة وأتيت بها إليه، قرأها ومزّقها، لا أعلم حتى الآن لماذا فعل ذلك، لكنني منذ ذلك الحين وأنا أزاول الشعر، عشت في شوارع بغداد ومقاهيها، واكتشفت كم أن الشعب العراقي شعب قارئ، يُقال إن الكُتب تدون في مصر وتُطبع في لبنان لتُقرأ في العراق، كان أول كتاب قرأته “أسطورة سيزيف”، كما تعمقت في قراءة “ألبير كامو”، بعدها جاءني خبر بأن اسمي على “القائمة السوداء”، فغادرت متوجها إلى فرنسا، مع أنني لم أكن أعلم شيئا عن لغتها وحضارتها لكني كنت أعرف ماذا يعني ولدها الفيلسوف ألبير كامو”.

الثقافة العربية غارقة في التسليع، نحن محكومون بهذا، لكنه لا يعني اليأس، لأننا محكومون أيضاً بسيزيف الذي لم يصل إلى حل

ويتابع قوله: ” الشاعر يبقى قلقا أيّا كانت جنسيته وإقامته، ولأن حياتي لم تكن طبيعية فإنني أكثر قلقاً، لهذا تبدو قصائدي صعبة المنال، أنا مدين لفرنسا وثقافتها بكثير من الأشياء لأن هذا البلد أعاد لي كرامتي وأنقذ إنسانيتي، ومع أن لديّ ثقافة عربية وعراقية ما زلت أكتب بها، إلا أنني لم أنشر كثيراً بالعربية، فالثقافة العربية غارقة في التسليع، نحن محكومون بهذا، لكنه لا يعني اليأس، لأننا محكومون أيضا بسيزيف الذي لم يصل إلى حل، لم يصل بالصخرة إلى القمة ولم يستقرَّ بها في القاع، غير أنه صار سعيدا بأنه يكرر المحاولة، صار سعيدا بالتجربة وليس بالنتيجة، لذلك أسمِّي نفسي: سيزيف السعيد، وأنا أنكيدو السعيد أيضاً، لأنه أنقذ جلجامش من ديكتاتوريته وجبروته، نحن خارجون من الثقافة العربية نعم، لكننا نحاور الكون، ومع أن كثيرا من الشعراء العرب هاجروا إلى أوروبا إلا أنهم بقوا محصورين في تلك الثقافة للأسف”.

التجارب المأساوية التي مر بها، كان لها أثر عكسي على تجربته، تمثل بكثير من الطاقة لاحتضان الحياة، للحب، والرومنتيكية، عن هذا الشأن، يقول الحمداني: ” لم يخطر ببالي يوما كل ما حدث وما يحدث معي، أنا ما زلت فقير الحال، لأنني حين أفكر بما سأكونه سيتحول إلى مشروع تجاري أرفضه، لم يكن لديَّ مفاهيم جاهزة ولا مشروع ثقافي في أي مكان، مشروعي الوحيد أن أكون نفسي حين أكتب، يكفي أن تنظر إلى الأشياء لكي تمتلكها، كل ما يمر بك يصبح جزءا منك، وحين تعيش الحدث مهما كان بسيطا فعشه بكامل طاقتك ولا يهم ما سيحدث بعد ذلك، لأنك بهذا ستعيد خلقَ الحدث كما تريد، ستكون أنتَ الحدث، وبالتالي ستكون الكون”.

14