صلاح جاهين: الابن الضال

كان صلاح جاهين مؤمنا بكل كلمة يكتبها، كما كان مؤمنا بالزعيم وبالثورة وبالطريق الذي شقه الزعيم وكان يأخذنا فيه، أي طريق الاشتراكية وبناء دولة قوية بغض النظر عن موضوع الحريات السياسية.
الأربعاء 2018/08/29
فنان عبقري متعدد المواهب

كان صلاح جاهين فنانا عبقريا متعدد المواهب، فقد كان شاعرا ورسام كاريكاتير من الطراز الأول النادر، وممثلا وكاتبا للسيناريو والحوار والأغاني والاستعراضات الغنائية.

صلاح جاهين كان أيضا مصريا حتى النخاع، وشأن معظم أبناء جيله من الفنانين والكتاب والشعراء وجد صلاح نفسه بالضرورة ضمن حركة اليسار المصري، لكنه لم يكن منضما لإحدى المنظمات الشيوعية على ما يبدو، فهو لم يعتقل ضمن حملة الاعتقالات الكبرى الشهيرة التي ضمت الماركسيين والشيوعيين في أواخر الخمسينات حتى منتصف الستينات.

 لكن الكثيرين منهم كانوا من أصدقائه بالطبع، وقد خرج الجميع بعد أن تبنى جمال عبدالناصر شعارات الاشتراكية، فاندمج صلاح جاهين بحماس في منظومة عبدالناصر الفكرية بوجدانه وأشعاره، فأخذ يكتب الأغاني الحماسية التي كانت تعبر في الحقيقة، عن أحلامه الخاصة في التغيير الاجتماعي كما كان ينشده ويتمناه وكان يجده قابلا للتحقّق في تلك الفترة من ستينات القرن الماضي.

كان صلاح جاهين أول وآخر من كتب أغنية خاصة تتردّد فيها كلمة الاشتراكية (أغنية بستان الاشتراكية) التي غناها عبدالحليم حافظ، كما كتب عن السد العالي، ومعركة قناة السويس، والطبقة العاملة وعمال مصانع الحديد والصلب، وكان كل من يستمع إلى أغانيه الحماسية التي كان يتغنى بها عبدالحليم حافظ، يشعر بالزهو والفخر، فقد كان يجعلنا نحلق في أعالي السماء.

ألم نتمكن من هزيمة دول كبرى وتحويلها “إلى دول من الدرجة الثانية ودول من الدرجة الثالثة”، كما كان يقول لنا عبدالناصر نفسه، وهي العبارة التي استخدمت بصوت عبدالناصر ضمن مقدمة أغنية أخرى غناها عبدالحليم، وهي “مطالب شعب” التي كتبها أحمد شفيق كامل ولحنها كمال الطويل ملحن أغاني “جاهين- حليم” الحماسية.

كان صلاح جاهين مؤمنا بكل كلمة يكتبها، كما كان مؤمنا بالزعيم وبالثورة وبالطريق الذي شقه الزعيم وكان يأخذنا فيه، أي طريق الاشتراكية وبناء دولة قوية بغض النظر عن موضوع الحريات السياسية، فقد كان الأهم هو تأسيس مجتمع العدل والمساواة، أما الحرية فيمكنها أن تنتظر.

ولذلك كان انكشاف كذب كل الشعارات مع وقوع الهزيمة في 1967، أكبر ضربة تلقاها ذلك الحالم الكبير، وقد أدرك صاحب “يا أهلا بالمعارك” أنه كان طرفا في عملية التضليل والغش والخداع التي تعرض لها الشعب، وقال كلمته الشهيرة “كنا نتصوّر أننا نغني للناس فاكتشفنا أننا كنا نغني عليه”، ثم أصيب بالاكتئاب، وذهب وعولج في الخارج والداخل، لكن الاكتئاب كان يعاوده بدرجة أشد إلى أن فارق الحياة عام 1986.

وقد ترك صلاح جاهين لنا فيلما أصدق ما يعبر عنه هو فيلم “عودة الابن الضال” الذي كتبت عنه مؤخرا، فشخصية الابن الضال في الفيلم هي من جوانب كثيرة، شخصية صلاح جاهين نفسه، فهو يؤمن بالزعيم، يعتنق مبادئ العدل والحرية والاشتراكية ويذهب ليبشر بها ويدعو إليها، لكنه يتلقى طعنة غادرة من النظام الذي آمن به، تقوده إلى السجن الذي يعتبر في الفيلم مرادفا للهزيمة، ثم يخرج بعد “الهزيمة” محطما عاجزا تائها يشعر بالذنب كونه قد خذل من كانوا يتطلعون أن يقودهم.

وضع صلاح جاهين الكثير من أفكاره ومشاعره الشخصية بعد الهزيمة في هذا الفيلم، ويكفي أن نتأمل كلمات الأغاني التي كتبها لهذا الفيلم، في أغنية “الشارع لنا” يقول على لسان بطله المهزوم علي: “مشوار بديته وقلبي بالأمل مليان، جمل الطريق عضني وطلعت أنا خزيان، أحلى ما في الحلق طعم المر من الذكرى، شوفوا المرار لما يبقى حلو يا جدعان”.

ويقول أيضا “الشارع كان شوك وأنا حافي ودمي عليه سيال.. وورايا وقدامي سراب وبغرق في الرمال”، وفي أغنية “الساعة” يقول “أنا كنت ببص على الأزهار.. وعديتهم وكانوا كتار.. وشبابي كان زهرة ما بينهم.. مكسورة في لهيب النار”.

رحم الله صلاح جاهين ألف رحمة.

16