صلاح حسن: الثقافة العربية تحتاج إلى نسف كلي

الأربعاء 2014/11/05
الثقافة في العراق أشبه بمركب يقوده عشرات الربابين كل ربان يريد أن يسير في اتجاه

صلاح حسن شاعر وكاتب مسرحي عراقي، وهو أيضا مترجم إلى الهولندية، مقيم في بغداد، وله ثلاثون عملا بين الشعر والمسرح والترجمة والكتابة للأطفال، هو كذلك إعلامي ومقدّم برامج ثقافية في الفضائيات العراقية.

لعل هذا التنقل بين صنوف الكتابة من شعر ونقد وترجمة، جعل من تجربة الشاعر صلاح حسن زاخرة وحركية إلى أبعد حدّ، تجربة تعدّدت مشاربها وثناياها؛ عن الكتابة، خاصة قصيدة النثر التي يكتبها حسن، والوضع الثقافي العراقي والعربي، كان لـ”العرب” اللندنية هذا الحوار معه.


القصيدة المنحرفة


عن واقع الكتابة العربية اليوم، يقول الشاعر صلاح حسن: «نشرت ذات يوم في جريدة “العرب” اللندنية مقالا تحت عنوان “شعراء الفيسبوك”، وقلت: “إن أيّ إنسان يمتلك إنترنت يستطيع أن يكتب ما يظنه أدبا أو شعرا، لينشره مباشرة بشكل فوري للعامة”. هذا الواقع هو في الحقيقة انعكاس لحال الكتابة في العالم العربي، فالكتابة لم تعد ذلك المشروع الجدّي، خاصة مع الأجيال الجديدة، التي وإن كان دورها مهمّا في المشهد الأدبي العربي، إلا أن أغلبهم استسهل الكتابة والنشر بشكل مبالغ فيه، ما خلق فوضى حقيقية في المنتوج الأدبي العربي. نعم لا أنكر أن عدّة أصوات جادّة ظهرت من خلال أساليب النشر الحديثة، لكنها قليلة مقارنة بأمواج الفوضى».

حسن يعتبر أن الشعر والأدب عامّة مشروع بالأساس، فعلى الشاعر، في رأيه مثلا، أن ينطلق من مشروع شعري، أو سيكتب في النهاية مجموعة قصائد متفرقة يذروها الزمن. ويؤكد قائلا:«إن المشروع يتطلب تفكيرا عميقا، تفكيرا في فكرته وطرق تنفيذه ومدى سعيه إلى التجديد والاختلاف عمّا يكتب بشكل عام. أنا أقرّ أن مشروع الكتابة هو فكري بالأساس، وأقتبس هنا ما قاله هايدغر: على الفلاسفة أن يتعلموا من الشعراء».

فالشعراء، في اعتقاده، يكثفون الفكرة ويقدّمونها على طبق من ذهب للفيلسوف. ويلفت حسن إلى أن فلاسفة أوروبا، استفادوا كثيرا من الشعراء، استفادوا من رامبو ولوتريامون وملارميه، والكثير من الشعراء الآخرين الذين لم تترجم نصوصهم إلى العربية، ولكننا نجد عدّة نقاد وفلاسفة يستشهدون بأشعارهم. باشلار، وهو منظر جمالي في شؤون الشعر قبل أن يكون ناقدا، كان لا يبني فكرة أيّ كتاب له، دون أن يضع أمامه مجموعة من النصوص التي تناقش فكرة محدّدة. ويصحّ هذا الكلام بعض الشيء على رولان بارت أيضا. هكذا نلاحظ الترابط الوطيد بين الفلسفة والفكر والأدب والشعر.

عن النقد العربي الراهن وما يثيره من تساؤل حول تراجع مكانته، يقول الشاعر: «النصوص التي تكتب اليوم، في الشعر مثلا، فيها فذلكة ساذجة ومفككة. في رأيي الشاعر والكاتب هو الناقد الأول لما يكتب، فهو من يقدّم رؤيته في نصه، أما النقد فهو لاحق للأدب بالضرورة أو مساير له».

حسن: "الشاعر والكاتب هو الناقد الأول لما يكتب"

ويضيف قوله: «مشكلة النقد العربي أنه يأخذ نظرية غربية، ويطبقها كما هي على النص العربي، كالبنيوية والتفكيكية وغيرها. أما الناقد العربي فهو ذكوري بامتياز، فهو مثلا يمارس سلطة قبليّة على النص النسوي، فينطلق من مخيال مريض للأسف؛ فهو حينما يكتب ويشرح نص امرأة، يظن في أعماقه أنه يشرح جسدها لا نصها».

عن قصيدة النثر العربية والإشكالات التي أفرزتها في حقل الشعر والأدب العربيين، يشير صلاح حسن إلى أن سوزان برنار عندما نظّرت لقصيدة النثر، أرست لها مفهومها وفق رؤية غربية، حتى أنه بات يقسّم لقصيدة النثر العربية اليوم إلى قصيدة قصيرة، وهي ما تندرج تحت ظلال برنار، والقصيدة الطويلة، التي تأثرت بأناشيد مالدورو “لوتريامون”. لكن لم يقع، في رأي الشاعر، التنظير والبحث الكافي لقصيدة نثر عربية بخصوصيات ثقافية عربية، فالنص يجب أن يكون ابن مناخه وبيئته ضرورة. رغم أنه يرى أن القصيدة الحديثة الحقيقية هي القصيدة المنحرفة.


ليس لدينا مجتمعات


كأننا اليوم بتنا بصدد مراجعة ضرورية للإبداع العربي، لما يعانيه هذا الأخير من مشاكل عديدة، يوضح حسن ذلك بقوله: «قبل أن نصل إلى المشاكل الطارئة على الإبداع العربي، هناك مشاكل اجتماعية ونفسية عميقة، يجب أن ننظر إليها قبل المشاكل الأدبية. هناك مثلا دور سلبي يلعبه التعليم، المصاب هو الآخر بخلل عميق، ولنا في مثال النقاد الذين هم مجرّد طلبة ومدرسين في رأيي أبرز مثال. رغم أن التعليم هو الحل الأنسب والأول لكل المشاكل النابتة بين مفاصل مجتمعاتنا. فالتعليم هو من يعطيك مجتمعا متناغما حرّا خاليا من العقد والأمراض، وبالتالي يعطي كتابا وقارئا متميزا، سيكون هو المقياس لغربلة المنتوج الأدبي العربي».

عن الوضع الثقافي في العراق الذي تمزقه الطائفية والعنف، يشير صلاح حسن إلى أن: «الوضع الثقافي في العراق وضع ممزق، يعكس الوضع السياسي الجديد الذي جاء بأحزاب الإسلام والقومية والمحلية الصغيرة، فهذه الأحزاب اشترت لنفسها مثقفين للأسف، وهذا ما عمق من الصدوع، وساهم بشكل مباشر في التمزق الثقافي الرهيب الذي نشهده اليوم في العراق. الثقافة العراقية الآن أشبه بمركب يقوده عشرات الربابين، كل ربان يريد أن يسير في اتجاه. لهذا السبب تراجع الشعر والأغنية والموسيقى وغيرها من المنتوج الثقافي. هذا ما سبب التشتت والابتعاد عن الجمال والقيم الإنسانية والارتداد إلى التفاصيل الطائفية الصغيرة. ثم إن الدكتاتورية في العراق، كما في باقي الأقطار العربية، قضت على الثقافة القريبة من الناس وجعلتها ثقافة لصالح الديكتاتور. هذا الذي خلق ما نشهده اليوم من تصحّر وذبول للثقافة العربية».

لم يقع التنظير والبحث الكافي لقصيدة نثر عربية بخصوصيات ثقافية عربية، فالنص يجب أن يكون ابن مناخه وبيئته

ويضيف قوله محللا: «ثم إن أحزاب الإسلام السياسي بدورها، مسؤولة بشكل كبير عن تهشيم الثقافة والأرض، لأنها تؤمن بما في السماء لا بما هو في الأرض. كان من المفروض أن يأخذوا من الدين ما هو إنساني، ليكون سببا للتجميع والمحبة، لكنهم لم ولن يفعلوا ذلك، فهم يصدرون ثقافة الموت والانتحار، ثقافة القتل والعنف والطائفية؛ ثقافة ليس لها علاقة بطموحات مجتمعاتهم أو تطلعاتها إلى واقع أفضل».

في رأي الشاعر، وهو ما يعلنه دائما؛ البديل الثقافي الذي تطرحه وزارات الثقافة -خاصة بعد الربيع العربي- هو مجرّد وهم، الثقافة العربية تحتاج إلى نسف كليّ لإعادة بنائها من جديد من قبل المثقفين لا السلطة. لكن الفراغ السياسي والثقافي والاجتماعي ساد المشهد العربي بصفة عامة، وهذا أمر خطير على شعوبنا العربية.

لذلك يؤكد حسن أن: «دور المثقف العربي اليوم محوري، حتى وإن كان بشكل فردي، فدوره كبير وخطير في إعادة رتق الجراح العميقة، ومحو الصدوع السحيقة التي تحفر في أجساد مجتمعاتنا، دوره أن يقرّب الثقافة إلى الناس وأن يكون إنسانا قبل أن يكون مبدعا، وأن يمارس دوره ويجمع الناس من حوله.

نعم هو يحتاج إلى دعم الناس، وكل العالم أيضا، لبناء مجتمع عربي وثقافة عربية خالية من العنف. كما نحتاج إلى القطع مع الثقافة القبليّة البدوية، التي صعدت على السطح في الحقيقة لأنه ليس لدينا مجتمعات مدنية، نحن الشعوب العربية. لذلك فالإصلاح مسؤولية خطيرة وواجبة اليوم».

15