صلاح دهني.. البطل السوري الذي ولد مرتين يترجل نهائيا

رحل السبت بالعاصمة الإماراتية أبوظبي السينمائي السوري صلاح دهني، عن عمر ناهز 92 عاما، ونعى المثقفون السوريون على مواقع التواصل الاجتماعي “شيخ النقد السينمائي” الذي وافته المنية بعد تاريخ طويل في تقديم السينما إلى الجمهور السوري والعربي بطريقة نموذجية.
الثلاثاء 2017/10/31
سينما الحب الذي كان

دمشق – رحل في السابع والعشرين من أكتوبر الجاري بالعاصمة الإماراتية أبوظبي السينمائي السوري صلاح دهني بعد عمر مديد (92 سنة)، قضى ما يقارب السبعين عاما منه في فن السينما الذي أحبه بشغف.

وولد دهني عام 1925 في جنوب سوريا وتحديدا في مدينة درعا، ودرس فيها وأيضا في دمشق، ثم سافر إلى باريس ليدرس فن الإخراج السينمائي في المعهد العالي للدراسات السينمائية، وتخرج منه عام 1950، ثم درس في المعهد الفيلمولوجي (علم الفيلم) بالسوربون، وكان بذلك ثاني أقدم سينمائي أكاديمي في تاريخ السينما السورية، ولم يسبقه في ذلك إلاّ السينمائي إسماعيل آنزور الذي درس فنون السينما في النمسا في عشرينات القرن الماضي.

وإثر تخرّجه عاد الراحل إلى العاصمة دمشق، حيث كان فاعلا في الوسط السينمائي، الذي كان يعتمد إنتاجيا على مغامرات القطاع الخاص فيه، وأثناء قيام الوحدة بين سوريا ومصر (الجمهورية العربية المتحدة) تم تأسيس دائرة السينما والتصوير، وعين رئيسا لها عام 1960.

ومن خلال المجلس الأعلى للثقافة والفنون، تم تفعيل فكرة إيجاد مؤسسة عامة للسينما تكون تابعة لوزارة الثقافة والإرشاد القومي، الأمر الذي نفّذ في مصر، ولم ينفّذ في سوريا في عهد الوحدة، الذي انتهى عام 1961، لكن حلم إيجاد هذه المؤسسة لم يمت عند صلاح دهني، فظل يدافع عن تحقيق هذا الهدف بكل ما لديه من قوة، مستفيدا من وظيفته كرئيس لدائرة السينما إلى أن تحققت أحلامه، ونجحت محاولاته بإقناع السلطات حينها بتأسيس المؤسسة العامة للسينما التي نشأت في نهاية عام 1963، وهي المؤسسة الحكومية السورية العربية الوحيدة التي لا تزال قائمة حتى الآن، وعمل في المؤسسة لاحقا وصار مدير شؤون الإنتاج السينمائي فيها.

الراحل درس في المعهد الفيلمولوجي بالسوربون كثاني أقدم سينمائي أكاديمي في تاريخ سوريا

ولم يكن لصلاح دهني دور في إنشاء المؤسسة العامة للسينما فحسب، بل كان رئيس أول مهرجان سينمائي عربي؛ ففي عام 1956، وأثناء انعقاد الدورة الثالثة لمعرض دمشق الدولي، وهو معرض تجاري بحت، استطاع إقناع إدارة المهرجان بتأسيس أول صيغة لمهرجان سينمائي عربي، وكان باسم مهرجان دمشق السينمائي، وأقيم بالتوازي مع فعاليات المعرض، وقد شاركت فيه ثلاث عشرة دولة عربية وأجنبية، منها الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا، وبسبب عدم حماس إدارة المهرجان، كما يقول دهني، لم تتكرر هذه التجربة ووقفت عند حدود الدورة الأولى، ولم تتطور لتصبح مهرجانا متعدد الدورات، لكنها سجّلت تاريخيا على أن أول مهرجان سينمائي عربي دولي كان في دمشق عام 1956، وهو ما سبق كل المهرجانات السينمائية العربية الشهيرة اللاحقة (القاهرة، قرطاج وغيرهما).

وعندما أنشئ مهرجان دمشق السينمائي الدولي عام 1979 الحالي، ترأس الراحل صلاح دهني العديد من دوراته، خاصة في المراحل المبكرة منه، وكان مساهما فاعلا كذلك في المجال الأدبي، حيث أسس مع نخبة من الأدباء السوريين أمثال حنا مينة، سعيد حورانية، شوقي بغدادي، فاتح المدرس وآخرين أول تجمع أدبي أهلي معروف بـ”رابطة الكتاب السوريين” في بداية ستينات القرن العشرين، والذي لم يصمد طويلا، حيث تم حله، وتشكيل “اتحاد الكتاب العرب” بديلا عنه.

وبسبب شُحّ الفرص الإخراجية القائمة في سوريا، ابتعد دهني عن الإخراج الذي درسه في فرنسا، واتجه إلى النقد السينمائي، فقدم في إذاعة دمشق برنامجا نقديا سينمائيا بدأ عام 1952 تحت اسم “السينما في أسبوع”، ثم غيّر اسمه في العام 1989 ليصبح “صوت وصورة” واستمر حتى العام 2005، وكان أحد أهم البرامج السينمائية العربية.

وقدم الراحل صلاح دهني في التلفزيون العربي السوري برنامج “عن الفن السابع”، كما كتب الآلاف من المواد والدراسات في السينما والأدب والترجمة، وأصدر رواية “ملح الأرض” ومجموعات قصصية منها “حين تموت المدن” و”ربما غدا”، كما ترجم مسرحية “المفتش العام” للكاتب الروسي غوغول والعديد من الكتب المختصة في فن السينما منها “قصة السينما”، و”سينما الحب الذي كان”.

وقدم مجموعة من الأفلام الوثائقية القصيرة أثناء عمله في وزارة الثقافة السورية منها “الآثار العربية في سوريا” و”زهرة الجولان” و”الفن العربي الإسلامي”، وغيرها. وفي المقابل أخرج الراحل طوال مسيرته السينمائية فيلما روائيا طويلا واحدا عام 1976 تحت عنوان “الأبطال يولدون مرتين”، بطولة المصري عماد حمدي والسورية منى واصف.

16