صلاح دياب رجل أعمال يتماهى مع جده الصحافي لتكريس الليبرالية

بعض الجهات في مصر ترى أن تجربة سيطرة رجال أعمال على مؤسسات إعلامية، ساهمت في إحداث نوع من الفوضى، وأدت إلى تحفيز المعارضين لنظام الحكم إلى استغلال انتقادات صغيرة موجهة للسلطة في إشعال ثورة 25 يناير 2011.
السبت 2018/11/24
دياب الصوت الأخير للصحافة المستقلة في مصر يقاوم الاحتواء

كتب الحفيد إلى جده في ذكرى وفاته الـ51 عبر صحيفة المصري اليوم المستقلة، يوم 13 نوفمبر، رسالة بثه فيها الوفاء والامتنان، لأنه فتح عينيه على مهنة المتاعب، موجها وعيه ومقوما مساره ومانحا إياه بوصلة اهتداء في دروب الحياة، وقبل كل ذلك مُعلما له “معنى أن تكون للإنسان رسالة على هذه الأرض”.

الحفيد هو المُهندس صلاح دياب مؤسس ومالك مؤسسة “المصري اليوم” للصحافة والنشر، ورجل الأعمال الشهير صاحب الاستثمارات المتنوعة. أما الجد فهو محمد توفيق دياب، أحد أشهر رواد مدرسة الصحافة في مصر، ومؤسس صُحف “اليوم” و”الضياء” و“الجهاد”.

وإذا كانت المناسبة المعلنة للمقال ذكرى رحيل الجد، إلا أن البعض ربط بين كتابة المقال وضغوط يواجهها رجل الأعمال لدفعه إلى بيع مؤسسته الصحافية إلى شركات محسوبة على الحكومة، في إطار سياسة احتواء الحكومة المصرية لكافة منابر الإعلام غير الحكومية.

وأدتُ جريدتي بيدي

يتسق ما سلف مع قول دياب في مقاله الذي يخاطب فيه جده “لا أنسى مقالك يوم قررت إغلاق صحيفتك، فكتبت تحت عنوان (وأدت جريدتى بيدي) رغم أنها وقتها كانت أكثر الصحف انتشارا، والآن تمر السنون ورسالتك فى خاطرنا. حتى شاءت المقادير أن تصدر المصري اليوم برعاية ومباركة ولدك كامل دياب، ومحاولة مني لتطبيق بعض ما تعلمته منك. خمسة عشر عاما انقضت ومازلنا على عهدنا. نستصغر التضحيات التى نجود بها إلى جوار ما سلف وقدمت أنت من تضحيات”.

يتساءل البعض ما إذا كان دياب يشعر بقرب نهاية مؤسسته، فيستدعي اللحظات الأخيرة لإغلاق صحيفة جده التي حملت اسم الجهاد سنة 1938، أم أنه يؤكد صلابته ورفضه للخضوع، فيستدعي سيرة جده الصحافي المُناضل ضد الاحتلال البريطاني، والسُلطة المتعاونة معه، والذي تعرض بسببها لمحاكمات كثيرة.

رُبما يشعر دياب أنه يسير على خُطى جده، طارحا فكرة تعددية الآراء كضرورة لخدمة المُجتمع، مُعليا فضيلة الاختلاف في الرأي كأساس للتعايش الحضاري، مُقدما قيمة الرسالة على الربح في هذا النوع من الاستثمار، ومنطلقا من محبة طاغية لصحافة ليبرالية مُستقلة يحلم بها.

تهمة حيازة أسلحة نارية

 ذروة الصدام بين الحكومة ودياب تتجلى بما حدث في إبريل الماضي، عندما نشرت "المصري اليوم" مانشيتا بعنوان "الحكومة تحشد المواطنين في انتخابات الرئاسة" اعتبره المجلس الأعلى للإعلام إثارة للبلبلة وتم تغريم المؤسسة ثمانية آلاف دولار
ذروة الصدام بين الحكومة ودياب تتجلى بما حدث في إبريل الماضي، عندما نشرت "المصري اليوم" مانشيتا بعنوان "الحكومة تحشد المواطنين في انتخابات الرئاسة" اعتبره المجلس الأعلى للإعلام إثارة للبلبلة وتم تغريم المؤسسة ثمانية آلاف دولار

جهات أخرى في مصر ترى أن تجربة سيطرة رجال أعمال على مؤسسات إعلامية، ساهمت في إحداث نوع من الفوضى وأدت إلى تحفيز المعارضين لنظام الحكم إلى استغلال انتقادات صغيرة موجهة للسلطة في إشعال ثورة 25 يناير 2011.

مُنذ قدوم الرئيس عبدالفتاح السيسي إلى السلطة منتصف 2014، ظهر توجه لتوحيد الخطاب الإعلامي والسيطرة عليه، بما يحد من طرح آراء مُغايرة لتوجهات النظام الحاكم، وهو ما عبر عنه الرئيس السيسي وقتها بقوله “يا بخت جمال عبدالناصر بإعلامه” في إشارة منه إلى أن الرئيس المصري الأسبق كان محظوظا، وأن تعددية الإعلام تعطل تجاوز الكثير من التحديات، مثل مواجهة الإرهاب وتحقيق التنمية.

لم يكن غريبا أن تشهد السنوات الماضية صفقات متتالية نفذتها شركات تابعة لأجهزة حكومية للاستحواذ على معظم مؤسسات الإعلام المملوكة لرجال الأعمال، وسحب ورقة مهمة من أيديهم كانت تمثل قوة ضغط سياسية واقتصادية على الحكومة.

وهكذا لم يبق منبر من منابر الإعلام الخاص خارج سيطرة الأجهزة الحكومية تقريبا، سوى صحيفة “المصري اليوم”، وينظر لها بشيء من عدم الثقة، ومع أنها تحتوي على مقالات وموضوعات تساند كثيرا الرئيس السيسي وتدعم إصلاحاته، إلا أنها تتضمن مساحات لبعض المعارضين من الكتاب يبثون فيها انتقاداتهم للحكومة.

كما أن امتلاك الصحيفة لمطابع خاصة، جعلها خارج الرقابة في ما يخص النشر ومحتواه، وأدى إلى تذمر الكثير من المسؤولين من موضوعات تضمنتها.

ورغم عروض عديدة تلقاها مؤسس “المصري اليوم” لبيع صحيفته وشراء راحة البال، فإن الرفض كان رده المباشر ما دفع دوائر مقربة من الحكومة إلى السعي لممارسة ضغوط مختلفة لدفع الرجل إلى البيع.

تم إلقاء القبض على دياب نهاية العام 2015، بتهمة حيازة أسلحة دون ترخيص، وقدم بعض المحامين بلاغات ضد رجل الأعمال تتهمه بالاستيلاء على أراضي الدولة، في الوقت الذي اندفع فيه الكثير من الصحافيين المقربين من الحكومة إلى مهاجمته ووصمه بالبلطجة، وأنه يستقوي باستثماراته، ويقوم بالتطبيع مع إسرائيل، وكلها اتهامات سبق توجيهها له خلال السنوات الأخيرة من حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك.

كانت ذروة الصدام بين الحكومة ورجل الأعمال في إبريل الماضي، عندما نشرت “المصري اليوم“ مانشيتا بعنوان “الحكومة تحشد المواطنين في انتخابات الرئاسة” وهو ما اعتبره المجلس الأعلى للإعلام إثارة للبلبلة وتم تغريم المؤسسة ثمانية آلاف دولار، وإنذار مالك الصحيفة، ثم اضطراره لإبعاد محمد السيد صالح رئيس التحرير، وقتها وتعيين حمدي رزق، المقرب من الحكومة.

وطبقا لمصادر إعلامية فإن الحكومة اعتبرت المانشيت مسمارا كبيرا في جدار الثقة بينها وبين دياب الذي سبق وقطع خطوات جيدة في التقرب منها عندما تبرع لصندوق “تحيا مصر” الذي يرعاه الرئيس السيسي بمبلغ 6.5 مليون دولار أواخر 2016.

يشير مقربون من الرجل إلى أن تجدد الهجوم والتطاول من قبل بعض الصحف الأخرى تم بتوجيهات من دوائر مقربة من الحكومة، وجاء متزامنا مع تقديم عروض جديدة لشراء “المصري اليوم”، لا يزال المالك مصرا على رفضها.

يبدو أن كل ذلك لم يفت في عزم دياب على مواصلة تجربته وتحمل الخسائر المالية التي يواجهها، نتيجة تراجع الإعلانات وارتفاع تكاليف الطباعة، لأنه يعلم أنها من أهم أدواته للدفاع عن مصالحه الاقتصادية، وإذا فقدها قد يتعرض لمزيد من الضغوط.

وتقول بعض المصادر إنه طلب من ابنه توفيق، عضو مجلس إدارة الصحيفة، أن يُرجيء الحديث عن كل العروض التي تخص بيع “المصري اليوم” إلى ما بعد وفاته.

ولم يكن غريبا أن تطلق الصحيفة خدمة جديدة في محاولة للتقليل من الخسائر تمثلت في إتاحة الصحيفة “بي دي إف” من خلال منصة إلكترونية للقراء عبر الموبايل، يتم توصيلها بمقابل مالي زهيد. ويرى البعض أن نجاح التجربة مرهون بتقديم محتوى مختلف عما تقدمه الوسائط المجانية الأخرى، وتوافر الحريات العامة التي تسمح بالإبداع والتنوع، وهو ما يغيب عن الساحة المصرية في الوقت الحالي.

قصة حب وافتتان

دياب الذي يعمل في المجال الزراعي، وحقل التصدير، وخدمات البترول بشركة “هالبيرتون” وكذلك سلسلة “لابوار”، يتمسك بدرب الصحافة، بعد أن حاول طرح منبر جديد يُمثل رؤية متباينة
دياب الذي يعمل في المجال الزراعي، وحقل التصدير، وخدمات البترول بشركة “هالبيرتون” وكذلك سلسلة “لابوار”، يتمسك بدرب الصحافة، بعد أن حاول طرح منبر جديد يُمثل رؤية متباينة

تتجاوز علاقة دياب بـ“المصري اليوم” فكرة محبة مستثمر لمشروعه الخاص، فالكثير من رجال الأعمال أحبوا مشروعات ثم باعوها عندما حققت خسائر متتالية. وهناك كثيرون في مصر أسسوا منصات إعلامية وباعوها بسبب الخسائر المالية، والبعض الآخر باعها إرضاء لدوائر قريبة من الحكومة. غير أن دياب، وعلى حد وصف المقربين منه، يرتبط بـ“المصري اليوم” بعلاقة افتتان تجعله يعتقد أنه يؤدي رسالة سامية أهم من مجرد تحقيق الربح.

سلك دياب الذي عمل في مجال الإنتاج الزراعي، والتصدير من خلال شركة العائلة “بيكو”، وخدمات البترول من خلال شركة “هالبيرتون” المتعاونة مع إسرائيل، ومحلات الحلوى عبر سلسلة محلات “لابوار”، درب الصحافة محاولا طرح منبر جديد يُمثل رؤية متباينة، مُقدما نمطا أقرب إلى الاستقلال من الصحف القومية والحزبية القائمة، ومبشرا بمجموعة من الكتاب والصحافيين الذين تحولوا إلى نجوم لامعين.

حفيد الأميرلاي

يحاول دياب أن يبدو بعيدا عن التدخل في الشؤون التحريرية للصحيفة، ويؤكد مرارا أن الكثير من أصدقائه غضبوا منه بسبب انتقادات وجهتها الصحيفة لهم، ويكرر أن الصحيفة تنقل في بعض الأحيان الكثير من الآراء ضد مصالحه.

ويتحفظ صحافيون في الجريدة على هذا الكلام، ويؤكدون أن الرجل يهتم بشكل تفصيلي بكل ما ينشر في الجريدة، وفي بعض الأحيان يقدم توجيهات وتعليمات تخص أسلوب النشر واختيارات الكتاب ومقالاتهم.

دياب يتحدر من عائلة أرستقراطية كبيرة، تعود جذورها إلى محافظة الشرقية، وكان جده الأكبر الأميرلاي موسى دياب ضابطا في الجيش المصري، شارك في ثورة عرابي قبل نهاية القرن الثامن العشر، وُحكم عليه بالإعدام ثُم خفف الحكم إلى تحديد الإقامة في بلدته.

طبقا لكتاب “توفيق دياب المتمرد النبيل” للمؤرخ الراحل يونان لبيب رزق، فقد أنجب موسى ولدا أطلق عليه محمد توفيق دياب، تعلم في إنكلترا بدايات القرن الماضي، قبل أن يعود لمصر ليعمل في الصحافة مُتنقلا بين صُحف “المقطم” و“الأهرام” و“السياسة” ثم يؤسس عدة صُحف تابعة لحزب الوفد، آخرها “الجهاد” التي توقفت بسبب تراكم الديون والخسائر عليها، ليعتزل بعد ذلك الصحافة حتى وفاته في 13 نوفمبر 1967.

منابر الإعلام الخاص لم يبق منها خارج سيطرة الأجهزة الحكومية سوى “المصري اليوم”، التي ينظر لها بشيء من عدم الثقة، مع أنها تدعم الرئيس السيسي
منابر الإعلام الخاص لم يبق منها خارج سيطرة الأجهزة الحكومية سوى “المصري اليوم”، التي ينظر لها بشيء من عدم الثقة، مع أنها تدعم الرئيس السيسي

 وعندما أسس دياب الابن جريدة “المصري اليوم” سنة 2004 اختار خاله كامل، نجل توفيق دياب رئيسا لمجلس إدارة الجريدة الناشئة، حتى وفاته في 2014.

يكتب دياب عمودا يوميا في الصحيفة تحت عنوان “وجدتها” بتوقيع نيوتن، ولا يعلم أحد السر في اختياره “نيوتن” للتوقيع على ما يكتبه، لكن على أي حال فإن الصحافة المصرية عرفت على مدى تاريخها الكثير من الأسماء المستعارة للتوقيع على المقالات، وهي حيلة لم يعد لها معنى في الوقت الحالي مع مسؤولية رئيس التحرير القانونية عن كل ما ينشر.

تتسم مقالات “نيوتن” في ‘المصري اليوم’ بالثراء المعرفي والتنوع والاهتمام بالإطلال على الخارج، وطرح الرؤى المغايرة، ويبدو الكاتب ليبراليا هادئا، مؤمنا بحرية السوق، مُصطدما مع سياسات الرئيس الأسبق جمال عبدالناصر وآثارها على المجتمع، ويؤكد على ضرورة التجديد في الخطاب الديني ونبذ ثقافة العنف ورفض التطرف.

تتغير كتابات “نيوتن” في الأسلوب في بعض الأحيان من عامود لآخر، ما يقوي من اعتقاد متداول لدى البعض بأن دياب لا يقوم بصياغة الأعمدة بنفسه، وأنه يكلف صحافيين وكتابا بذلك، مكتفيا بطرح الأفكار عليهم.

كان مما كشف عنه الكاتب الصحافي أشرف عبدالشافي في كتاب حول الصحافة الذي صدر قبل ثلاث سنوات، وحمل عنوان “فودكا” أن الكاتب الصحافي الراحل عبدالله كمال عمل لعدة سنوات ككاتب لمقالات دياب الموقعة باسم “نيوتن” بـ“المصري اليوم”، وكان يتلقى الأفكار كل يوم ويعيد صياغتها طبقا لاتفاق بينهما.

يعرف المقربون من دياب عنه عدة خصال شخصية، منها غرامه الشديد بصاحبة الجلالة “الصحافة”، واعتزازه بأفكاره وإيمانه بقدرته على سياسة الشد والجذب لتخطي التحديات التي تواجهه، مع قدرته الفذة على الإدارة المالية والتوظيف الأمثل للموارد.

وبحسب خبراء وكُتاب في سوق الصحافة المصرية، يبقى مستقبل المشروع الأهم لدى دياب، وهو “المصري اليوم” أسير نظريتين بشأن مستقبل علاقة الدولة مع الإعلام والصحافة.

ترى النظرية الأولى أن استحواذ الحكومة على الصحف والمؤسسات الإعلامية الخاصة “قرار بات ونهائي ولا يمكن الرجوع فيه، لمواجهة أي محاولة للإثارة أو الغضب تجاه الحكومة، وما يقوم به دياب الآن مقاومة ليس لها طائل”.

ويعتقد المبشرون بتلك الفكرة بضرورة استمرار ممارسة الضغوط على الكيانات غير المملوكة للدولة، مثل “المصري اليوم”، من خلال حجب الإعلانات الحكومية وإجبار المالكين على التخلص منها لوقف خسائرها، ناهيك عن المضايقات القانونية، بعد تضمين قانون الصحافة والإعلام الجديد حزمة من القوانين الصارمة.

أما أصحاب وجهة النظر الأخرى، فيرون أن مصلحة الدولة تتمثل في ضرورة بقاء منصات ولو محدودة، لديها قدر بسيط من التنفيس، واستخدامها وقت اللزوم لتمرير رسائل معينة، ويؤكد هؤلاء أن “المصري اليوم” نموذج جيد للقيام بمثل هذا الدور.

بين هاتين الرؤيتين يقف صلاح دياب منتظرا مصيره، فهل سيستطيع الصمود، أم يكون آخر رجال الأعمال الذين دخلوا الصحافة ثم خرجوا منها، بعد أن استنفدت أغراضها السياسية؟

12