صلاح عناني: على الفنان استعادة الروح القديمة للأمة

الأحد 2016/08/28
لم أنقطع عن الرسم في اي مرحلة من حياتي

ثمة علاقة وطيدة بين الفنّ التشكيلي والنّحت وسائر الفنون الأخرى من موسيقي وشعر وقصة ورواية.. إلخ. يظهر هذا الارتباط واضحا في عالم صلاح عناني التشكيلي، وهذا يرجع إلى تاريخ قديم بدأه عناني بالاشتباك مع راهن المشهد الإبداعي في العالم العربي هو وليد ثورة ستينات القرن العشرين يمكن أن تقول عنه السائر اليقظ في حواري محفوظ العاشق لرباعيات جاهين القريب من عالم إدريس والعارف بأمل دنقل يرسم كأنّه ينحت، الغاوي للعب مع الألوان والاشتباك مع الكتلة الصّلبة ليحرّرها من فراغها بعد انقطاع ما يزيد عن العقد ونصف العقد من العرض في جاليرهات مصر والعالم، يخرج عناني بعودة الرّوح يكسر تماثيل الدهشة ويقبض على اللحظة الراهنة بالحدّ الأقصى من التّعبير استقبل جمهور عناني والذي لا يمكن أن تصفه إلا بالثائر على النّمطية وعن كل ما هو معتاد وهو المتمرّد على كل قديم للتغيير. في هذا الحوار كان عناني يفتح لنا قلبه المنغمس بالألوان.

يقول عناني “في حياتي.. لم يكن هناك أيّ انقطاع عن ممارسة الإبداع، لكن ثمّة قرار قديم بالعزوف عن العرض حتى أنجز ما أتمنى وما أريد من خلال الفن.. كان عليّ استثمار الوقت خلال كل هذه الفترة، لجأت إلى النحت كواحد من أهم أدواتي التي كان يجب عليَّ أن أقدمها بصورة مختلفة”.

وبرأي عناني فإن للفن التشكيلي أدواته؛ وأهم تلك الأدوات التعبير، حيث كان عليه أن يختلف عن كل ما هو سائد لكي يخلق عالمًا موازيًا، ينفخ فيه من روحه، ليحفر اسمه بارزًا في دفاتر فن النحت والتشكيل، مقدما النموذج المدهش والغرائبي، ليعود ويطرح نفسه من جديد، وها هو بعد أكثر من عقد ونصف العقد يعود بشكل مختلف؛ فثمَّة نقلات نوعية على مستوى اللون، وعلى “مستوى الأفكار”.

“أنحت مثلما أرسم”.. هكذا يصرح عناني بأنه يقدم معالجة مختلفة للأفكار، إذ هنالك “خلقٌ وتصورٌ جديد للإبداع، ليس فقط مجرد تحرير.. في الكتل الصلبة من الفراغ ولكن ثمة روح تشغلها، هذا ما أحاول دوما إضافته، فتتحول الفكرة التي تشغل ذهني إلى لوحة مرسومة أو منحوتة، أحرص أن أنفخ فيها من روحي.. أن تكون الحالة التعبيرية هي الأساس والمنطلق الذي أبدأ منه وأن أصل بالفن إلى الحالة القصوى من التعبير.. ولديَّ منحوتتان جديدتان هما ‘العاشق’ و’المطرب’، لم أنشغل بأن أنحت وجهًا لاسم بارز، بل جعلت الوجه حالة تعبيرية عامة تشغل الناس بحال العاشق وحال المطرب”. ويلفت عناني الانتباه إلى أن داخل كل عمل مراحل طويلة تنتهي بالعودة لوضع البصمة الأخيرة، وهنا يقفز عناني على منطق التشريح، بطرح رؤية مختلفة؛ حيث ثمة مدرسة جديدة يدشّنها قائمة على الاختلاف على كسر حاجز المنطق في اللون والشكل، من خلال أدوات للغة التعبير لا يقف عندها بل يضيف عليها رؤية مغايرة، وعلى مدار ما يزيد على العقد، اختار أن يبتعد عن عرض أعماله ليفاجئ نفسه والجميع بالنحّات القديم الجديد، الذي لا تعرفه من قبل المدرسة التعبيرية في الفن.. إنها ثورة يشعلها في مجسماته تنطق بالدهشة والغرائبية.

الفن مغامرة بصرية في الشكل وتطوير أدوات التعبير، وعلى الفنان أن يقدم جديدا من أدوات التعبير لتصنع دهشة المتلقي وتستقطبه للاشتباك مع اللوحة

لوحة البلكونة

منذ أكثر من عقد ونصف العقد قدم عناني لوحة “ساعة العصاري”، وها هو يعود مرة أخرى بلوحته “البلكونة” التي تنطق بالدهشة وتعبّر عن مدى انشغاله المتتابع بتطوير أدواته الفنية، ومحاولاته التجريبية لخلق دلالات فنية غير معتادة، متكئا على تمرّد الفنان الذي يحدوه ليشغل لوحاته خارج إطار التصنيفات والقولبة.. رجل يفتح فكه بطريقة مثيرة للدهشة تثير في المتلقّي انطباع ذروة النشوة التي يعيشها الرجل بالنظر إلى السيدة المطلة من بلكونة الطابق الأسفل، ليبقي الغرض الأول من اللوحة هو معايشة هذه اللحظة وسردها بصريا.

المحكمة

ثمة تناص بين المحاكمة لمايكل أنجلو والمحكمة لعناني؛ تناص على مستوى الفكرة، غير أن عناني يكسر فكرة التناص على مستوى الفن بتقديمه لوحة فنية هي بمثابة تأريخ للعدالة المصرية التي دوما تأتي من السماء، والمسافات التي صنعها بين العدالة في صورة القضاء والجمهور والمتهمين.. صمت الجمهور وغضب الادعاء وثورة المتهم.. ثمة مشاعر لغضب السلطة وصمت الناس يشغل اللوحة.. كما يشير عناني إلى أن الفنان الحقيقي يلزمه طرح الحلول.. وعنده أن لوحة المحكمة هي لوحة رمزية لتاريخ العدالة من إيزيس وأوزوريس إلى اللحظة الراهنة التي نعيشها.. تبرز ذلك الصراع البشري الذي نعيشه ويشغلنا، ومن ثمَّ قدم عناني صياغة جديدة على مستوى الشكل وعلى مستوى الفكرة. يقرر عناني أن مهمة الفنان هي إثارة الدهشة والتي بدورها تثير في المتلقي تأويلات وتساؤلات عن الحياة.. في وسط هذا الزحام ينشغل الفنان بتفكيك وبناء الوجود بالدهشة، ليخلق للوجود معنى، فإعادة صياغة بنية العقل بشكل جديد هي في حدّ ذاتها قفزة بالعقل، وهناك مسافة يقطعها الفنان لصناعة هذه القفزة التي تضع المتلقّي في إطار حيّز استعادة ذاكرة بصرية من الوجود وربطها بما هو مطروح من فن.. الفنان يطرح تصوره للعالم وعلى المتلقي هنا الاشتباك مع هذا التصور، وإن لم ينجح الفنان في صناعة هذا الاشتباك مع المتلقّي لا يمكنه أبدا خلق حالة الدهشة.

يشير عناني إلى أن الفن ليست مهمته أبدا أن يريحك، لأنه في حد ذاته ابن شرعي لدهشة الفنان ووليد تساؤلاته واشتباكه مع العالم ومحيطه، إنه مغامرة بصرية في الشكل وتطوير أدوات التعبير، وعلى الفنان أن يقدم جديدا من أدوات التعبير لتصنع دهشة المتلقّي وتستقطبه للاشتباك مع اللوحة التي من خلالها ينطلق إلى العالم، فالفن ليس مجرد تكثيف للقيم من جمال وخير ولكن دوره أكبر في تعميق التواصل مع هذه القيم.

الحد الأقصى

يبدو أنها نظرية جديدة في طريقها للتدشين “الحد الأقصى للتعبير”، حيث يشير عناني إلى الخروج من منطق التشريح العادي في تاريخ الفن وكل دروب المدارس التعبيرية والسريالية الجديدة إلى حيّز المبالغات، فمثلا نموذج فن الكاريكاتير يأخذه التشكيليون ليجعلوه أكثر تعبيرية.. من هنا جاء مصطلح الحد الأقصى من التعبير، فثمة إثارة ذهنية مشغولة بالبعد التخيّلي ونابعة من التخيّل، تكثيف للحظة وصولا للحد الأقصى للتعبير، وهدفها هو تفجير كافة الطاقات الإبداعية للفنان للوصول إلى هذه الحالة.

يؤكد عناني أن عبارة “الفنان كائن استثنائي بطبعه” عبارة قد تكون عارضة في سياق الحديث عن الفن كحكم قيمة، لكن الحقيقة تستدعي الإشارة إلى أن كل فناني العالم الذين أدهشونا كانوا استثنائيين بعمق تجربتهم وقدرتهم على التعبير عنها.. باختصار شديد؛ لا يمكن تقييم لعبة الفن، إن لم يفعل الفنان الجريمة الكبرى، بتوريط ذاته في استحضار الحدود القصوى للتعبير، وبضرب عين المتفرّج عرض الحائط. إن بيكاسو أنموذج في توصيفه للحظة إقدامه على الرسم إذ يقول “إنه أشبه برجل يقفز من فوق بناية عالية لا يعرف كيف سيكون سقوطه لكنه في النهاية سيسقط.”، فالإبداع والابتكار إذا لم يكن لهما معنى وظيفي وأداة تضيف للناس فليست لهما أيّ أهمية، وعلى الفنان أن يسعى جاهدا في هذا، لا تزال مشكلة البشرية تكمن في تنمية الوجدان، والدور الأصيل للفن هو تنمية هذا الوجدان، إذا لم يحدث هذا سنصاب بالركود، ويؤكد عناني وجهة نظره من خلال توضيحه أن ثمة نقلات تاريخية، حيث يقول “لا يمكن لي أن أعبر مثل أدجر أو فان جوخ أو بيكاسو، لا يمكن أن أحيا معاناتهم، أنا أعيش أزمتي الإنسانية على طريقتي، وإعطاء أبعاد جديدة للتعبير غير موجودة هو بمثابة تحرير للفنانين من فكرة الثبات والتنميط.الحارة المصرية هي بمثابة الشجرة الكبرى التي زرعها عناني في حدائق الفن.. لماذا الحارة؟
صلاح عناني: الشعب يريد
يشير عناني لرؤيته الخاصة لمصر؛ فالحارة المصرية مادة خصبة للاستلهام الفني، والاشتباك مع أجواء الصعلكة، والانغماس في تفاصيل الحياة اليومية، إذ يقول “ثمة مغامرة كبرى أعيشها وشريك فيها مع الناس، لست منشغلا أن أضع نفسي في مقارنات مع أبناء جيلي أو آخرين، انشغالي يكمن في التغيير في صناعة قفزة حقيقية، وهذا لا يأتي من فراغ، يأتي من قراءة واعية وعميقة لتاريخ الفن، فالرغبة في أن تصنع فارقا في تشكيل وجدان الناس لا تأتي إلا بالاقتراب منهم، فرينوار وبيكاسو، وأنجلو نماذج منشغلة بالتغيير والقفز لا بالتجديد، وأنا واحد من تلك العائلة التي يشغلها التغيير، رفضي لاستئناس أعمالي وإعادة رسمها هو رغبة حقيقية في رفض الثبات والتنميط والقولبة”.

ما بين الحلم والواقع “الحالة الحلمية كتلة الدخان المنطلقة من سيجارة الحشيش المشكّلة لجسد الأنثى.. اللون الأحمر القاني الذي يشغل خلفية اللوحة، والأخضر الذي يشغل جسد العاشق، يخلق حججا وتبريرات وبدائل تقفز على المنطق لصناعة الدهشة.. يقول عناني “ما شغلني تحديات اللون كسر تقديس، وتكريس اللون لحالة بعينها كان مهمة وظيفية اشتغلت عليها في لوحة ‘العاشق’، لتخرج من اللوحة بانطباعات مغايرة ومختلفة”.

عودة الروح

ثمة منصة فلسفية أتى من خلالها عنوان معرض صلاح عناني عودة الروح يحدثنا عناني عنها فيقول “عودة الروح جاء ليكون بمثابة تجديد لفكرة قدمها المصريون القدماء للعالم.. وهي أن ثمة حياة بعد الموت.. عودة للروح بعد الموت.. هذه الفكرة هي نقيض لأفكار الغرب المتشائم، من هنا كان للعنوان صلة لاستعادة هذه الروح والتي تعني إعادة معنى الوجود ونموذج الفنان القديم الذي قدم رمسيس الثاني في أغلب تماثيله في سن الثالثة والثلاثين، مع أنه كان قد تخطى الستين من العمر، وهذا ستجده مكرّسا في أعمال الفنان القديم بغرض التجديد وإعادة الروح”.

السلطة والثورة

لم يفقد عناني الثقة في مفهومه للثورة ولا وعيه بجدارة الشعب المصري بحياة أفضل.. بدأ عناني مبكّرا بالاشتباك مع السلطة ونقدها، وهو الأمر الذي كلّفه الكثير.. يقضي عناني وقتا كبيرا في حشد الناس وتوعيتهم عبر وسائل عديدة، أهمها كان الميدان، فهو أحد شهود العيان لعناني الذي يعاني من فوبيا الموت، قفز عناني على خوفه ليكون أحد الوجوه الفاعلة في الميادين، كان صوته حاضرا في إبراز هدف الثورة التي قفز عليها الإخوان، ومن ثم صارت بيد الحكم العكسري.

يشير عناني إلى أننا “خرجنا في 30 يونيو لإزاحة الفاشية الدينية، لم يكن شغلنا أنّ ما جرى سيسلّم لوجود فاشية عسكرية، كنّا نأمل في إصلاحات حقيقية، بالطبع لم نفوض على القتل ولا على السجن”.

عناني متفائل كما يبدو.. لديه إيمان راسخ بمنطق الإزاحة.. حيث هنالك 60 مليون مصري تحت عمر الثلاثين، لديهم الوعي الكامل والنضج لتفهم ما يجري، فكسر حيطان الخوف هو أول نقطة وأول حرف لتدشين لوحة للثورة بمعناها العميق.. ويشير إلى أن الوعي الشعبي يتنامى يوما بعد آخر، وهناك أقنعة تسقط مع الوقت.

لم يفقد عناني الثقة في مفهومه للثورة ولا وعيه بجدارة الشعب المصري بحياة أفضل

نعيش اليوم حالة من الركود والغياب من النقد الفني التشكيلي.. هل هذا يرجع إلى غياب الثقافة البصرية لدى الشعوب العربية؟ حول هذا الأمر يعتقد عناني أن “حالة الركود والغياب بمثابة اتجاه عام بمختلف الفنون؛ غياب نقدي، ومن قبله غياب إبداعي، هذه حالة عامة وهذا في رأيي نتاج لحظات فاسدة ومهزومة وعارضة في تاريخ الأمة المصرية”.

السينما والتنوير

عن التخريب الذي يبدو غير مقصود للوحة التنوير يقول عناني “إن هذه إحدى أهم اللوحات التي اشتغلت على الوعي الجمعي للأمة المصرية.. صناعة ذاكرة بصرية لرموزها من التنويريين والذين وضعوا بصمتهم كان هاجسي، كذلك في لوحة مئة سنة سينما؛ ما حدث من تخريب للوحة التنوير يجعلني الآن أشتغل على وضع رموز أخرى داخل إطار برواز اللوحة وإعادة رسم اللوحة بعيدا عن فكرة الاستئناس التي تحدثت فيها من قبل، ولكن لإضافة الجديد”. يصمت عناني متفكرا.. ثم يقول “ما زلت أعيش المغامرة وسأظل ما دمت حيًّا أعمل على استعادة الروح القديمة للأمة المصرية”.

كاتب من مصر

14