صلاح فضل بين"سلطة النص" وسلطة الأزهر

الأحد 2017/09/03
ناقد ومفكر مخضرم لم يصمت أمام المتطرفين والرعاية القطرية للإرهاب

القاهرة - ناقد إشكالي بامتياز، يعلن صراحة موقفه من التطرف الديني، متهمًا جماعات الإسلام السياسي بأنها “قاتلة الثورات، لعدم رغبتها في إجراء عملية تحوّل ديمقراطي”. ووفق هذه الرؤية أيد مؤخرًا قطع العلاقات مع قطر كونها دولة “تسعى إلى الفتنة والفرقة وإشعال الحرائق الإرهابية في المنطقة”.

مؤلفاته وترجماته رائدة على الصعيد التنظيري والتأسيسي، خصوصًا في تماسها مع الاتجاهات الحديثة في الأدب العالمي وتياراته النقدية الراهنة، كما في “نظرية البنائية في النقد الأدبي”، “أساليب السرد في الرواية العربية”، “بلاغة الخطاب وعلم النص”، “أساليب الشعرية المعاصرة”، “مناهج النقد المعاصر”، وغيرها.

صلاح فضل الذي يتهم، على الصعيد التطبيقي، من جانب خصومه، بأنه قد لا يواكب الإبداعات الحداثية وما بعدها متعمقًا بقدر ما ينحاز إلى كلاسيكيات، كما أنّه يكرّس أكثر تحليلاته للشروح، وكأنّه يكتب ملخّصات للأعمال تصف أجواءها لمن لم يقرأها، بدون الاستطراد الكافي في تناولها منهجيًّا والتماهي فنيًّا مع عوالمها.

إشكالية أخرى تخص محمد صلاح الدين فضل، المولود بقرية شباس الشهداء بوسط الدلتا في الـ21 من مارس عام 1938، فهل هو منحاز إلى النص المتمرد، المتشكل على غير نسق أو مثال أحيانًا، بوصفه سلطة مستقلة، تفرض هيمنتها على القارئ ومن ثم على الناقد؟ أم أنه منحاز أكثر إلى نص السلطة، بمعنى النص المقولب وفق معطيات جاهزة ومعايير مسبقة وشروط معدودة قد تحدّ من جموحه وفورانه وتمرده على الثوابت؟

فك الشيفرات

هو أستاذ النقد الأدبي والأدب المقارن بكلية الآداب بجامعة عين شمس منذ عام 1979، وهو واحد من قلائل جمعوا في كتاباتهم النقدية بين التنظير والتطبيق، بهدف يبدو واحدًا هو فك شيفرات الأعمال الأدبية وفتح بواباتها السحرية أمام القرّاء.

بجهود فضل، المستشار الثقافي لمصر ومدير المعهد المصري للدراسات الإسلامية بمدريد بإسبانيا من 1980 حتى 1985، وجهود رفاق جيله تأصلت مفاهيم المنهجية في ممارسة النقد بعد إرهاصات فردية في هذا المضمار في أعقاب فتوحات طه حسين الرائدة التي كان من الممكن أن يهدرها طوفان الانطباعيين من غير الدارسين الأكاديميين وغير المختصين.

خلال سبعينات وثمانينات القرن الماضي، تمكن فضل، أحد مؤسسي الجمعية المصرية للنقد الأدبي، من تأصيل عدد من المناهج الغربية التي نقلها إلى العربية في كتب تأسيسية على رأسها “البنيوية” التي شكلت فتحًا على صعيد العالم العربي كله، في شرقه وغربه، في ذلك الوقت، وأعاد فضل تسميتها بـ”البنائية”، وكذلك الواقعية السحرية، وغيرها من التيارات والمصطلحات التي يُنسب تعريبها لفضل.

يتناول فضل، عضو المجمع العلمي المصري ومجمع اللغة العربية، في كتابه “نظرية البنائية في النقد الأدبي” (1978) أصول هذا التيار واتجاهاته ومستوياته، بين سوسير والشكلانيين الروس وحلقة براغ اللغوية والمدرسة الألسنية الأميركية. واستخدم فضل “البنائية” بدلًا من “البنيوية”، غير منكر أن الاشتقاق الآخر صحيح أيضًا “البنيوية”، لكنه لا يفضله لأنه “يجرح النسيج الصوتي للكلمة بوقوع الواو بين ضرّتيها، بما يترتب على ذلك من تشدق حنكي عند النطق”، وهذا ما دفعه إلى استخدام “البنائية” لـ”سلاسة نطقها وقرب مأخذها”.

على الرغم من استخدام صلاح فضل “البنائية” في كتابه التأسيسي، فإن المصطلح الآخر “البنيوية” هو الذي صار أكثر شيوعًا في العالم العربي، في السنوات الأخيرة، حتى على مستوى الكتابات المبسطة في الدوريات والصحف والمواقع الثقافية.

مواكبة الإبداع والتحديث والتنوير والنقد المغاربي وأخيراً “أمير الشعراء” كلها تعد منعطفات جدلية في مسيرة صلاح فضل الزاخرة

جهود فضل، الحائز على جائزة الدولة التقديرية في الآداب وجائزة البابطين للإبداع في نقد الشعر، أسفرت في مجال النقد التنظيري الجاد عن مؤلفات ومترجمات مهمة، اعتمدت عليها أجيال لاحقة من الدارسين في مصر والوطن العربي، شرقه وغربه على السواء.

من هذه الكتب “منهج الواقعية في الإبداع الأدبي”، “نظرية البنائية في النقد الأدبي”، “علم الأسلوب، مبادئه وإجراءاته”، “إنتاج الدلالة الأدبية”، “شفرات النص، بحوث سيميولوجية”، “أساليب السرد في الرواية العربية”، “بلاغة الخطاب وعلم النص”، “أساليب الشعرية المعاصرة”، “أشكال التخيل، من فتات الحياة والأدب”، “مناهج النقد المعاصر”، “نبرات الخطاب الشعري”، “تكوينات نقدية ضد موت المؤلف”، “شعرية السرد”، وغيرها.

لم تسلم كتب فضل التنظيرية من النقد، خصوصًا من جانب النقاد المغاربة الذين انتفض بعضهم للردّ على اتهامات فضل الأخيرة لهم بالتغريب والغموض والقطيعة، وأثار فضل حفيظتهم بقوله في حديث صحافي خلال العام الماضي “إن بعضهم مولع بالغموض الشديد، وأبسط المناهج اليسيرة الجميلة تتحول في قلمه إلى لوغاريتم يصعب فك لغزه، وبعضهم الآخر ليست لديه قدرة كبيرة على الاستيعاب النظري والتطبيق العملي، أما المبدعون منهم فيحتاجون إلى مثقفين مشارقة لكي يضيئوا أعمالهم”.

بنى بعض النقاد، من المغاربة وغيرهم، هجومهم على كتب فضل النقدية التنظيرية على مرتكز أساسي، هو أنه لم ينقل المذاهب النقدية الغربية عن لغاتها الأصلية، إنما عبر لغة وسيطة هي الإسبانية التي يلمّ بها. من هؤلاء، الجزائري عبدالمالك مرتاض، الذي يرى أن فضل حين يكتب في الحداثة “يضطرب به الطريق”، لأنه أخذها مترجمة إلى الإسبانية، وليس من منابعها الفرنسية “أمّ الحداثات”، ومن ثم فإنه “يظل يحوم حول الحداثة، ولا يقع عليها”.

كتاب فضل عن “البنائية” تعرّض للهجوم من المنطلق ذاته، إذ يراه المغربي صلاح بوسريف عملًا “لم يخرج عن السياق المدرسي، بتشويهات في الترجمة، وفي التعامل مع المفهوم، لأنه اعتمد على الوساطة في الوصول إلى هذه المفاهيم، أي الترجمة على الترجمة”، ذلك أن فضل، بتعبير بوسريف، يتغذّى في معرفته وفي تكوينه الجامعي من تاريخ الأدب، أي من المعرفة الأدبية التي هي خارج النص، ويمضي “محكومًا بفكر ماضوي، يدَّعي التحديث والتنوير، فيما هو يلغيهما”.

أطروحاته الفكرية وآراؤه السياسية تكاد تتواءم مع سياقه الأدبي، فالرجل منذ فترة قريبة ينتقد بضراوة (مشروع قانون مكافحة الكراهية والعنف باسم الدين)، الممرر من الأزهر للبرلمان المصري، انطلاقا من تضمنه مواد عامة مبهمة قد تؤدي إلى تقييد الحريات وتجريم الفكر والاجتهاد

فضل، بدوره، يرى أن ما سُمّيت بـ”معركة النقد المغاربي” هي أزمة مفتعلة، أخذت أكبر من حجمها، لأن كتبه الأولى التنظيرية جرى توزيعها بالمغرب أكثر مما انتشرت بمصر، وعلى رأسها كتاب “البنائية” على وجه التحديد، وكذلك “بلاغة الخطاب”، وعن ذلك يقول فضل في حديث صحافي “هم يترجمون كثيرًا من المراجع التي اعتمد عليها بعد أن أكون قد وصفتها، وشاركتهم في ذلك وشاركوني، ونحن في نهاية الأمر نكمّل بعضنا بعضًا، ولم أقصد الإساءة لهم مطلقًا”.

تثير كتاباته التطبيقية، في الشعر والسرد والمسرح إشكالياتها الخاصة، فمن جهة يرى بعض المنتقدين أنه يهدر المناهج أحيانًا في التحليل منحازًا إلى شروح مستفيضة أو تقييمات أقرب إلى الانطباعية، كما يذهب خصوم آخرون إلى أنه قد لا يعطي الاهتمام الكافي المتعمق للإبداعات الحداثية وما بعدها بقدر ما ينحاز إلى كتابات تقليدية، وكأنما هو يرسّخ لـ”نص السلطة” بمفهومه المقولب المحكوم بمعطيات جامدة أكثر من كونه مناصرًا لـ”سلطة النص”، بمعنى الانحياز إلى التمرد الإبداعي الخلاق والتشكل على غير نموذج مسبق.

في كتابه “سرديات القرن الجديد” الذي يحلل فيها عشرات الأعمال السردية لمبدعين مصريين وعرب من أجيال مختلفة؛ منهم خيري شلبي وصنع الله إبراهيم ومحمد البساطي ومحمد ناجي وحجاج أدول وإبراهيم عيسى ومحسن الرملي وربعي المدهون وسعود السنعوسي وأمير تاج السر وغيرهم، يعلن فضل صراحة عدم خضوع كتاباته التطبيقية الحديثة لمنهج تحليلي محكم تتم صياغته بشكل مسبق كي توضع النصوص في قوالبه لتقاس عليه.

الناقد الذي سبق له استكشاف مناهج التحليل بعمق في مؤلفات بارزة، يعمد في كتاباته التطبيقية الجديدة إلى “تشكيل مركب خاص به، متعدد المستويات، يستدعي منه ما يلائم كل نص على حدة، دون أن يفقد تماسك رؤيته، أو ينزلق إلى غير ما يضيئه”، وفق مقدمة فضل في كتابه “سرديات القرن الجديد”.

مواكبة الإبداع الجديد

اختيارات فضل، في كتبه التطبيقية عن السرد والشعر، ومنها “أحفاد محفوظ” و”نبرات الخطاب الشعري” و”تحولات الشعرية العربية” و”شعرية السرد” و”سرديات القرن الجديد”، وغيرها، تثبت إخلاصه لهذه الأفكار الرامية إلى التنوير والتحديث في الطرح ومواكبة الإبداع، إذ تتضمن فهارس كتبه التطبيقية خلال السنوات الأخيرة ما يمكن وصفه بمسح شامل للأسماء الفاعلة في المشهد الإبداعي السردي والشعري بمصر والعالم العربي، وصولًا إلى أحدث أجيال الشباب، وأغلب المقالات التي تضمّها هذه الكتب، هي في الأساس معدة للنشر الصحافي في البدء، الأمر الذي يعني توجيهها إلى القارئ العادي، سواء اطّلع على العمل الإبداعي الأصلي أو لم يطّلع.

يبدو الهدف الأوّلي لمقالات فضل التطبيقية تقديم مقاربات مركزة للأعمال الإبداعية الجديدة، تسعى لاكتشاف تقنياتها الفنية وقياس درجة شعريتها وحساسية لغتها وبؤرة اهتمامها، ومن ثم إضاءة النصوص من داخلها وتشجيع تذوق المتلقي لها، وإبراز مناطق قوتها ومعالم تفوقها، “من غير البرهنة على فكرة جاهزة، أو خدمة ملمح تعبيري معين”، كما يقول صلاح فضل.

ربما تبرر هذه الرغبة في إضاءة النصوص والحث على قراءتها التجاء فضل إلى الإسهاب في شرح الإبداعات، خصوصًا السردية، والتوقف عند أجوائها وخلفياتها، بل والإشارة أحيانًا إلى أمور تتعلق بشخصية المؤلف وخبراته الفنية والجمالية، فالهدف الغائي للكتابة يتجاوز التحليل النقدي إلى ما هو أوسع، إذ يرغب فضل في رسم خارطة شاملة فعلية لمواقع المبدعين وقاماتهم ومستوياتهم.

لا لتقييد الحريات باسم الدين

انحياز فضل إلى “سلطة النص” في كتاباته التطبيقية على هذا النحو الذي يتجلى في “لامنهجية” الطرح وانتقاء النماذج الشابة، يتسق مع كونه ناقدًا طليعيًّا، أثرى المكتبة العربية بكتب تنظيرية جلبت مناهج غربية حديثة تناهض كل ما يمكن قوله عن الاكتفاء بالموروث وتقديس “نص السلطة”.

“البنيوية” على رأس المفاهيم التي فتح لها فضل الباب، مشكلة فتحًا على صعيد العالم العربي كله، في شرقه وغربه. حين أعاد فضل تسميتها بـ”البنائية”

أطروحاته الفكرية وآراؤه السياسية تكاد تتواءم مع هذا السياق أيضًا، فالرجل منذ فترة قريبة ينتقد بضراوة “مشروع قانون مكافحة الكراهية والعنف باسم الدين”، الممرّر من الأزهر للبرلمان المصري، انطلاقًا من تضمنه مواد عامة مبهمة قد تؤدي إلى تقييد الحريات وتجريم الفكر والاجتهاد، فمثل هذا القانون “يرتدّ بنا إلى منطق العصور الوسطى في مصادرة حق الناس والمفكرين والمبدعين في التأمل والتفلسف وتطوير المفاهيم المتجمدة باسم الدين”.

هذه التجربة التنويرية، في عناوينها ومساراتها العريضة، يبدو غريبًا عليها انضمام فضل إلى عضوية لجنة تحكيم المسابقة التلفزيونية الفضائية “أمير الشعراء”، إذ يكرس البرنامج بوضوح لما يمكن وصفه بـ”أصولية شعرية”، و”ثقافة شفاهية”، الأمر الذي لقي فضل بسببه هجومًا لاذعًا، ليس من الشعراء المجددين وحدهم، إنما من المنتسبين إلى الوسط الثقافي على وجه العموم.

مسابقة “أمير الشعراء” يراها البعض قد وضعت تجربة فضل برمّتها على المحكّ، وهو يواصل الاشتراك في التحكيم عامًا بعد عام، مؤكدًا قناعته بالمسابقة بوصفها تستعيد الشعر الجماهيري من جديد، بعدما “زعم شعراء الحداثة وشعراء قصيدة النثر أن الإبهام ميزة شعرية، مضحين بجمهورهم، ومفضلين العزلة”.

صلاح فضل حالة خاصة كبيرة من حالات التميز النقدي في مصر والعالم العربي لذلك تبدو الإشكاليات المتعلقة بتجربته التنظيرية والتطبيقية أوسع من أن تستوعبها الكلمات.

8