صلوات من أجل مصر: بادرة مسيحية تنتصر للوطن ضد الإرهاب

الثلاثاء 2015/02/10
الكنيسة المصرية تلعب دورها الوطني بصفتها تنطق باسم مكون أساسي أصيل في المجتمع المصري

دعوة الكنيسة المصرية للصلاة من أجل مصر، بادرة تتجاوز البعد الديني الصرف لتصل آفاقا مداها أوسع، إذ ترنو الكنيسة من وراء الدعوة إلى تأكيد على أن الانتماء الوطني يعلو على الانتماءات الشخصية الضيقة، وترغب في القول بأن فضاء الوطن أوسع من جلابيب الطائفية والمذهبية، وأن التحديات التي تواجه البلاد لن تسعف أحدا لمجرد إيمانه أو دينه.

دعت الكنيسة المصرية لرفع صلوات يومية، من أجل أن يحفظ الله مصر بكل أبنائها ومقدراتها، وأن يمنحها سلاما وهدوءا، وحضت الشعب المصري على أن يقف بكل قواه الوطنية، ويصطف نسيجا متماسكا، خلف قيادته السياسية، في مواجهة الإرهابيين، ودعمها في اتخاذ ما تراه مناسبا من إجراءات، لردع الهجمات الشريرة.

واستجابة لتلك الدعوة وعملا بمضمونها، بدأت الكنائس المصرية أمس الإثنين، أسبوع الصلاة من أجل مصر، تحت شعار “أعطني لأشرب”، بكاتدرائية القديس أنطونيوس الكبير للأقباط الكاثوليك بالفجالة في وسط القاهرة، ويقام حفل الختام بكاتدرائية مار جرجس للأقباط الأرثوذكس بمطرانية شبرا الخيمة شمال القاهرة الأحد المقبل.

وأكدت الكنيسة الكاثوليكية في بيان لها “أن دم الشهداء بذور للتقدم ولن يضيع هدرا، وليس الأمر غريبا على مصر التي كانت على مر التاريخ أم الشهداء وأرض العطاء، وشعبها الأبي لا تهزه الصعاب”.

هاني باخوم، وكيل بطريرك الأقباط الكاثوليك، قال “إن توحيد صلاة الكنائس من أجل مصر لمدة أسبوع كامل، يأتي إدراكا لخطورة الأوضاع، التي تخطت النواحي السياسية، وأصبحت حربا للإرهاب ضد استقرار البلد”.

وأضاف باخوم “أن الصلوات هي من أجل الشعب المصري وجيشه، والانتصار على الإرهاب، وأيضا للمضحين بأرواحهم من أجل بناء الوطن، وزرع بذور السلام”، موضحا أن كل الصلوات بداية من أمس الإثنين، وحتى الأحد المقبل، ستكون للسلام ونصرة الشعب، في مواجهة العمليات الإرهابية.

الكنائس المصرية الثلاث تتحدى الإخوان وتبدأ صلوات لمدة أسبوع لينتصر الجيش على الإرهاب

وأشار إلى أن دعم الغرب من عدمه لمصر، يقوم على المصالح السياسية والاقتصادية، في حين أن الكنيسة الغربية تدعم مصر في هذا الأسبوع وتتمنى لها الاستقرار.

أما صفوت البياضي رئيس الطائفة الإنجيلية، فقد قال في تصريح لـ”العرب” “إن الكنائس ترفع أسبوع الصلاة، لإحساسها بالخطر الذي يحدق بالبلاد، خاصة بعد استشهاد عدد كبير من الجنود المصريين في سيناء”، مؤكدا أنهم يصلون من أجل هؤلاء، ويناشدون الرئيس عبدالفتاح السيسي أن يتخذ كل الإجراءات الممكنة لحماية الشعب من الإرهابيين.

يجدر التذكير بأن هذه الصلاة الأولى لم تكن من نوعها، فقد سبقتها صلوات أخرى نظمتها الكنائس المصرية الثلاث، الأرثوذكسية، والكاثوليكية، والبروتستانتية، في شهر مايو الماضي برئاسة البابا تواضروس بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، والأنبا اسحق إبراهيم بطريرك الأقباط الكاثوليك، والقس صفوت البياضي رئيس الطائفة الإنجيلية بمصر، بالصلاة سويا لأجل الانتخابات الرئاسية، وأن يمد الله يد العون لمصر.

عبدالمسيح بسيط كاهن كنيسة العذراء بالمطرية بشرق القاهرة، صرّح لـ”العرب” قائلا “إن الصلاة هي من أجل أن يتوقف الإرهاب الأسود، والاتجاه بقلب رجل واحد، دفاعا عن أرض مصر وتنميتها، وأن يبعد الله حرب الشائعات التي تريد أن تنال من الوحدة الوطنية بين المسلمين والمسيحيين”.

ولم يعد خافيا على مختلف المتابعين، أن التيارات الإسلامية المتشددة وضعت الأقباط في خانة الأعداء، وفي كل مظاهرة كانت تخرج ضد حكم الإخوان، كان قادتهم يصرخون “إنهم الأقباط أعداء الدين”، حتى جاء حادث الاعتداء على الكاتدرائية في أبريل 2013، لتظهر أبشع صورة للحكم الإخواني، معبرين عما تكنه الصدور تجاه الأقباط، وتوالت الأحداث وكان للكنيسة دور وطني فعال في وضع خارطة الطريق، بعد ثورة 30 يونيو 2013، التي أطاحت بحكم الإخوان، بعد ذلك تحولت الحرب على الأقباط إلى الكثير من ربوع مصر، لتحصد بيوتا ومحلات وكنائس ومدارس يمتلكها أقباط، وكان أسوأها حرق نحو سبعين كنيسة في صعيد مصر، عقب فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة في 14 أغسطس 2014.

توحيد صلاة الكنائس من أجل مصر لمدة أسبوع، يأتي إدراكا لخطورة الأوضاع التي تخطت النواحي السياسية

وفي هذا السياق قال يوسف إدوارد ناشط قبطي، لـ”العرب” “إنه سيذهب للصلاة من أجل مصر”، موضحا أن التفجيرات الأخيرة، ومختلف الشائعات التي طالت الأقباط، تزايدت بصورة لافتة، خاصة عندما رفض الكثير من المواطنين الأقباط الانسياق وراء دعوات عناصر وقيادات الإخوان للخروج للشوارع والميادين ضد قوات الجيش والشرطة، مع حلول الذكرى الرابعة لثورة 25 يناير، الأمر الذي أثار غضب الجماعة، فقام أنصارها بإصدار بيانات ملفقة للوقيعة بين الأقباط والمسلمين.

التطورات السياسية الساخنة التي مرت بها مصر في الآونة الأخيرة أعادت اللحمة بين مختلف مكونات المجتمع المصري، وأخرجت قطاعا كبيرا من المواطنين الأقباط من عزلتهم السابقة، وجعلتهم ينخرطون في العمل السياسي، وأهلتهم للتحول إلى شركاء حقيقيين في كثير من التفاعلات، وهو ما يشي بمزيد من الزخم على مستوى استكمال مسيرة الانسجام والوحدة الوطنية، التي عانت، في بعض الأوقات، من تآكل واضح في عدد من هوامشها، ما قدم صورة مغلوطة عن المجتمع المصري العريق في تعدده.

13