"صمت الحملان".. البراءة تواجه عقلا نيتشويا في فيلم يحتمل استئناس نوازع الشر

العالم ليس بخير ما دام فيه أمثال الدكتور ليكتر رمز الذكاء الحادّ والاستعلاء والاحتقار لمن يراهم أدنى منه.
السبت 2019/12/21
فيلم يغوص بالمشاهدين في أعماق النفس البشرية

رواية "صمت الحملان" لتوماس هاريس صدرت عام 1988، تم تحويلها إلى فيلم بنفس الاسم عام 1991. وتدور قصة العمل السينمائي، الذي حاز على خمس جوائز أوسكار وصنف من بين أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما العالمية، حول مطاردة المتدربة في مكتب التحقيقات الاتحادي كلاريس لقاتل متسلسل يدعى بافالو بيل، بمساعدة هانيبال ليكتر، الطبيب النفسي السابق وآكل لحوم البشر.

القاهرة – بفريق آخر كان يمكن لنص «صمت الحملان» أن يكون فيلما تجاريا عابرا، ضمن أفلام غزيرة تتوسل بالرعب والجريمة؛ لإثارة فضول الجمهور في المشاهدة الأولى، ثم لا تُشاهد مرة أخرى. ولكن المخرج الأميركي جوناثان ديمي لم يجعل من 118 دقيقة، وهي مدة الفيلم، مجرد «نزهة للعين» على حد وصف المخرج الفرنسي روبير بريسون، وإنما اصطحب المشاهدين إلى أعماق النفس البشرية.

وبدأ رحلة توريطهم في شبكة معقدة من الأفكار والمشاعر، كانت أكبر وأعمق من مجرد أحداث في فيلم، من خلال الغوص في صراع نفسي بين عقليْن متناقضيْن؛ أحدهما نيتشوي فائق الذكاء والعدوانية وآخر بريء طهراني، عبر سيناريو محكم وذكي يستفز القدرات التعبيرية لممثليه وخصوصا أنطوني هوبكنز، ليصبح هذا الفيلم نموذجا لإعادة «إنتاج الممثل مهنة وإنسانا» كما قال بريسون أيضا.

بين هذين العقلين المتناقضين تدور مباراة في فنون الأداء، مع إفراط المخرج الواثق من إمكانات الممثلين في اللقطات المقربة التي تبرز مشاعر الشخصيات، وخلجات الصدور، وحدّة النظرات أو اضطرابها، وردود الأفعال تجاه سلوك الآخرين. وطرفا المعادلة هما المتدربة في مكتب التحقيقات الاتحادي كلاريس ستارلينج (جودي فوستر)، وآكل لحوم البشر الطبيب هانيبال ليكتر (أنطوني هوبكنز).

لا تخلو المباراة من إعجاب كلا الطرفين بذكاء الآخر من دون التماهي معه. لكن المشهد الأخير يحسم الانحياز الإنساني لصنّاع الفيلم؛ لكي لا يتحول الفن إلى مديح للكراهية وتبنّي الشر المطلق. في هذا المشهد الأخير تتلقى كلاريس اتصالا في حفل تكريمها بعد نجاحها في إنقاذ فتاة من القتل على يد سفاح سادي.

وتفاجأ كلاريس بأن على الطرف الدكتور هانيبال ليكتر، الذي يراه المشاهد متخفيا بشعر مستعار ونظارة سوداء ويتصل من هاتف عمومي في بلد أفريقي، ليطمئن على كلاريس، ويسألها عما إذا كانت الحملان توقّفت عن الصراخ؟ وينصحها بألا تتعب نفسها بتتبع المكالمة، قبل أن تسأله أين هو الآن؟ ويجاملها قائلا «العالم أكثر جاذبية وأنت فيه»، وفي بضع ثوان يبدو عليها شيء من الارتياح لهذه المجاملة، ويفيض وجهها بسرور خفيّ يكاد يفضحه بريق عينيها وشروع في ابتسامة لا تكتمل. ويقول لها ليكتر «ألا تمنحينني نفس المجاملة»، فتسترد ذاتها على الفور، وتجيب بحسم «تعلم أنني لا أستطيع أن أمنحك هذا الوعد»؛ فالعالم ليس بخير مادام فيه أمثال الدكتور ليكتر رمز الذكاء الحادّ والاستعلاء والاحتقار لمن يراهم أدنى.

تشيئ الإنسان

عبر سيناريو محكم يستفز القدرات التعبيرية لممثليه وخصوصا أنطوني هوبكنز، ليصبح هذا الفيلم نموذجا لإعادة «إنتاج الممثل مهنة وإنسانا» كما قال بريسون
عبر سيناريو محكم يستفز القدرات التعبيرية لممثليه وخصوصا أنطوني هوبكنز، ليصبح هذا الفيلم نموذجا لإعادة «إنتاج الممثل مهنة وإنسانا» كما قال بريسون

قبل أكثر من 15 عاما خططت لمشروع كتاب عن مفهوم العنصرية وفكرة الإبادة في السينما الأميركية. شغلتني فكرة الاستعلاء وجبروت العقل النيتشوي/ الدارويني كما يصوّره فيلم «صمت الحملان». وتقصيت في عدد من الأفلام قدرة هذا العقل الأداتي على تشييء الإنسان، حتى لو كان أخا فهو شيء، أداة، أو وسيلة إلى سلعة، يسهل التخلص منه بعقل بارد محايد. ورأيت كيف تجسّد هذا المفهوم في ثلاثية «الأب الروحي». فالجزء الأول ينتهي بمشهد يتوازى فيه الانتقام الدامي بالقتل الجماعي، مع تعميد ابن أخت مايكل كورليوني (آل باتشينو) في الكنيسة. وفي الجزء الثاني يتخلص مايكل من أخيه الأكبر فريدو. وفي الجزء الثالث توفّر كوني، شقيقة مايكل، غطاء أخلاقيا يسوّغ لأخيها القاتل جريمة قتل شقيقهما، بحجة أن تلك كانت إرادة الله. وكلما سألت نفسي: لماذا توقف مشروع الكتاب؟ أجيب «هذه إرادة الله».

أغلب مشاهد فيلم «صمت الحملان» ليلية داخلية، قريبة أو متوسطة، تطغى عليها الظلال والألوان القاتمة. والمشاهد الخارجية أيضا أغلبها ليليّ، باستثناء مشهد البداية المفتوح على فضاء الطبيعة، أثناء أداء كلاريس التمارين الرياضية في غابة بولاية فرجينيا. وكذلك مشهد النهاية بعد أن أنهى ليكتر الاتصال بكلاريس، ونهض من مقهى شعبي، ووضع القبعة على الشعر المستعار، وتحرّر من سجنه ومن أميركا كلها، ومن الكاميرا فأعطاها ظهره، ومضى وسط جموع من السياح والسكان المحليين، في لقطة عامة تضم البشر والشجر والبيوت التقليدية والسيارات القديمة والدراجات النارية والبخارية وأسلاك الكهرباء.

أخرج جوناثان ديمي فيلم «صمت الحملان» عام 1991، وكتب السيناريو تيد تالي، عن رواية بالعنوان نفسه لتوماس هاريس. والتقى بطلا الفيلم، الدكتور ليكتر والفتاة كلاريس، في أربعة مشاهد، ودائما بينهما حاجز. هي تستجوبه في السجن، وهو يراوغ ويحلو له تبادل المواقع، فيقوم باستجوابها ولا تملك إلا أن ترد على أسئلة يرشقها بها، عميقا في اللاوعي وتذهب إلى طفولتها. وفي المشهد الرابع بينهما يمدّ إليها يده بملف القضية، عبر القضبان، ويتعمد أن يلمس بإصبعه أحد أصابعها. أما المشهد الأخير في الفيلم فيجمعها اتصال هاتفي سريع، ويفصل الأطلسي بينهما.

في عام 1992 حصد الفيلم خمس جوائز أوسكار لأفضل فيلم، وأفصل ممثل لهوبكنز، وأفضل ممثلة لفوستر، وأفضل سيناريو لتيد تالي، وأفضل مخرج لجوناثان ديمي. وفضلا عن جوائز الأوسكار الخمس ذهبت العشرات من الجوائز الأخرى إلى الفيلم الذي جاء في المركز الخامس والستين في قائمة معهد الفيلم الأميركي (AFI) لأفضل مئة فيلم في السينما الأميركية. وفي استفتاء مجلة «فوكاس» بين نقاد السينما، لاختيار أهم 100 فيلم في تاريخ السينما العالمية من بين 250 ألف فيلم حول العالم، احتل فيلم «صمت الحملان» المركز الخمسين.

ربح هوبكنز جائزة الأوسكار. وقرأت أنه خسر علاقته بالفنانة الأميركية مارثا ستيورات؛ فبعد أن شاهدت الفيلم لم تستطع تفادي الربط بين صديقها السير هوبكنز وشخصية الدكتور هانيبال ليكتر. ولعلها من المرات النادرة التي يفوز فيها ممثل بالأوسكار لأدائه مشاهد قليلة وآسرة، إذ ظهر هوبكنز لمدة 16 دقيقة فقط، ولا ينافسه في هذا الحضور الطاغي، رغم قصر المساحة الزمنية للأدوار، إلا ممثلون قلائل منهم مارلون براندو في الجزء الأول من فيلم «الأب الروحي»، والممثل المصري محمود المليجي في فيلم «الأرض» ليوسف شاهين.

السفاح بافالو بيل

مريض متحوّل
مريض متحوّل

في بداية الفيلم تُستدعى كلاريس ستارلينج إلى مكتب رئيس القسم جاك كروفورد (الممثل سكوت جلين). وتقترب الكاميرا من وجهها في لقطة مقربة، وهي تنظر بدهشة وحزن إلى جدارية مزدحمة بصور لرؤوس مسلوخة وجثث مشوهة، وأذرع وسيقان مبتورة، وتليفون أرضي، وقصاصات صحافية إحداها صفحة من صحيفة مذيّلة بخمس صور ويعلوها عنوان «بيل يسلخ ضحيته الخامسة».

نظرا لنبوغها الدراسي، وتفوّقها في مجال علم النفس، يتمّ تكليفها بمقابلة الطبيب النفسي هانيبال ليكتر آكل لحوم البشر، المسجون في مصحة منذ ثماني سنوات، لمعرفة أي تفاصيل عن السفاح «بافالو بيل» . وقد عثروا على ضحيته الخامسة التي قتلها بعد ثلاثة أيام من سجنها حتى يرتخي جلدها. ووجدوا في فمها «فراشة الموت»، وهو نوع ينتمي إلى سورينام ومناطق قليلة في آسيا، ولا يمكن أن يعيش في أميركا إلا بإحضار بيضه من الخارج. وتمكن بافالو بيل من خداع الفتاة كاثرين مارتن، ابنة عضوة مجلس الشيوخ السيناتور روث مارتن، وسجنها في بئر منزل.

ويخبر الدكتور فريدريك شيلتون، مدير المصحة، كلاريس بأن ليكتر «من وجهة النظر البحثية هو أثمن مقتنياتنا… حاولنا دراسته بالطبع، ولكن ذكاءه الفكري أعلى من اختباراتنا». ثم تقدّم نفسها إلى ليكتر الذي يطلب رؤية بطاقة هويتها، ويلاحظ أنها ستنتهي بعد أسبوع. ويعجب لجاك كروفورد الذي يسخر منه بإرسال متدربة لاستجوابه. وفي لقطة مقربة لليكتر يستنشق الهواء من فتحات الزجاج العلوية، ويخبرها بأنها تستخدم لبشرتها كريم أفيان. ويشم الهواء مرة أخرى «وتتعطرين أحيانا بعطر لير دوتان»، فتنفر من اقتحامه لها وتشيح بوجهها، فيضيف «ولكن ليس اليوم».

وتسأله عن القاتل «بافالو بيل»، فيتحول إلى سائل يختبر قدراتها، وتجيب بأن بافالو بيل مثل مرتكبي هذه الجرائم يحبون أن يحتفظوا بتذكارات من ضحاياهم، فيرد ليكتر «أنا لم أفعل»، فتقول “كنت تأكلهم”.

ويطلب أن تمرر إليه الملف لينظر فيه، ثم يوجه إليها إهانات، واصفا إياها بالريفية الخرقاء التي تلبس حذاء رخيصا، ونالت تغذية جيدة أسهمت في إطالة عظامها قليلا، ويضيف «ولكنك لا تبعدين سوى جيل واحد عن أسلاف من حثالة بيضاء فقيرة، أليس كذلك؟». وينهاها عن محاولة اختباره، ويذكّرها بأن مندوب تعداد حاول أن يختبره، ويقول «فأكلتُ كبده مع بعض الفاصوليا ونبيذ كيانتي اللذيذ. عودي إلى مدرستك الآن». وتستدير لتخرج عائدة، مطاردة بهياج مسجونين مشوهين نفسيا، في زنازين مجاورة لزنزانة الدكتور ليكتر الذي يستدعيها، ويوضح أنه لم يكن يريد لهذا أن يحدث، فليس أبغض إليه من عدم اللياقة، ويعد بإعطائها أكثر مما تتمناه.

يعجب ليكتر بطموح كلاريس، ويلقي إليها جملة عن السفاح بافالو بيل كمريض متحوّل، ثم يحاصرها بالسؤال عما إذا كان رئيسها كروفورد يشتهيها؟ وهي تحاول أن تعرف معنى «التحول»، فيتهرب من السؤال قائلا إنه مسجون هنا منذ ثماني سنوات، ولن يسمحوا له بالخروج حيّا، ويسطون على لوحاته، وإنه لا يريد أكثر من منظر يطل عليه، نافذة يرى منها الأشجار أو المياه، في أي سجن اتحادي.

ثم تعود إليه كلاريس وتقدّم إليه ملف صفقة، غير قابلة للتفاوض، تتضمن وعدا من البرلمانية، السيناتور روث مارتن، بنقله إلى مستشفى بنيويورك، ليطل من زنزانته على غابة قريبة، وسوف يسمحون له بالحصول على الكتب، والمشي على الشاطئ، والسباحة في مياه المحيط لمدة ساعة تحت المراقبة، لو أنه ساعدهم في القبض على بافالو بيل، «وإذا ماتت كاثرين فلن تحصل على شيء».

هنا تبدأ لعبة المقايضة، «شيء مقابل شيء». ويستعيد السجينُ الطبيبَ النفسي الذي كان عليه، ويسألها عن أسوأ ذكريات طفولتها، فتقول إن اثنين من اللصوص قتلا أباها، وذهبت إلى أقارب لأمها، وكانوا يملكون مزرعة للخيل والخراف، وذات ليلة سمعت ضوضاء، كأنها صراخ طفل، ولكن الصراخ كان لحملان، تذبح وتصرخ، وحاولت إنقاذها وفتحت لها البوابة ولم تخرج الحملان.

وهربت كلاريس بأحد الحملان لعلها تنقذه، وكان ثقيلا فاستطاعوا استعادة الحمَل، وأرسلوها إلى ملجأ للأيتام، ولم تعد إلى المزرعة. ذبحوا الحمل الذي لم تتمكن من إنقاذه. ويخبرها ليكتر بدلالة الفراشة التي عثروا عليها في فم الضحية، «دلالة الحشرة هي التحول. الحشرة تتحول إلى يرقة، عذراء ثم تكتسب الجمال. بيل أيضا يريد التحول»، ويخبرها بوجود ثلاثة معاهد للتحول الجنسي، وأن بيل تقدم لإجراء جراحة للتحول، ورفض طلبه.

حوار عبثي

ليكتر تجسيد لفلسفة نيتشه عن سوبرمان يزدري الضعفاء
ليكتر تجسيد لفلسفة نيتشه عن سوبرمان يزدري الضعفاء

في مشهد فريد من كلاسيكيات السينما يتم إحضار ليكتر ليلا إلى مطار ممفيس الدولي، موثوقا تماما إلى عربة، وعلى وجهه قناع، ولا يتحرك منه إلا عيناه ولسانه المحجوب قليلا بثلاثة قضبان من مادة القناع.

ويمثل أمام السيناتور روث مارتن التي تقدم إليه شهادة ضمان لحقوقه الجديدة وتشمل إعادة النظر في وضعه الحالي. يخبرها بأن الاسم الحقيقي لبافالو بيل هو لويس فريند الذي قابله مرة واحدة، وكان يعالج عند طبيب آخر، وعلى علاقة بمريض يعالجه ليكتر.

ثم يدور حوار عبثي فلا يجيب ليكتر عن وصف ملامح بيل، ولا يدل على عنوانه، وإنما يسأل عضوة مجلس الشيوخ «هل أرضعتِ كاثرين بنفسك؟». تصيبها الدهشة، فيواصل «أعني هل أرضعتها من صدرك؟». فترد بالإيجاب، ويسألها «هل شعرت بدغدغة؟ أليس كذلك؟»، فيسبّه مسؤول السجن، ولا يبالي ليكتر، ويواصل الإيضاح الذي يثير ثورة الأم «إذا بترت ساق شخص ما، فإنه يظل يشعر بالدغدغة فيها. أخبريني أيتها الأم عندما تمددت طفلتك الصغيرة على لوح المشرحة، أين ستشعرين بالدغدغة؟»، فتصرخ السيناتور «أعيدوا هذا الشيء إلى بالتيمور»، ولا تكاد تدير ظهرها منصرفة عنه، حتى يرفع صوته ناطقا بصفات السفاح الجسدية؛ سنه، وطوله، ووزنه، ولون عينيه وشعره. ويسارع رجال الشرطة والمرافقون إلى تسجيل هذه البيانات.

تعود إليه كلاريس، تريد المزيد من التفاصيل، لتساعدها في القبض على القاتل، فينصحها بأن تضيف إلى حياتها بعضا من المرح، وأن تقرأ قصة الفيلسوف الروماني ماركوس أوريليوس. ويرجح أنها لو استطاعت إنقاذ الفتاة المخطوفة كاثرين فلن تصيبها الكوابيس المرتبطة بصراخ الحملان.

وفي لعبة «شيء مقابل شيء» لا يفيدها بشيء، ويمدّ يده بملف القضية، ويودعها بنعومة، بتمرير إبهامه على إبهامها. وفي المشهد التالي يتمكن بدهائه من القضاء على الحارسين بعد أن فتحا الزنزانة ليدخلا إليه الطعام، فيقيد أحدهما، وينقضّ على الآخر ويلتهم جزءا من وجهه ويضرب رأسه في القضبان الحديدية حتى يستسلم أمام زميله العاجز عن فك قيده.

ويتناول عصا الشرطي المقيد ويقتله بها، فيتناثر الدم على وجه القاتل وطعامه.

ويضع ليكتر الوجه المسلوخ على وجهه، ليوهم أعضاء الشرطة بأنه زميلهم الضحية، فيحملوه في سيارة إسعاف إلى المستشفى، وفي الطريق ينزع ليكتر القناع الجلدي عن وجهه، ويقتلهم ويهرب بالسيارة ويقتل سائحا.

ليكتر هو تجسيد لفلسفة نيتشه عن سوبرمان يزدري الضعفاء، ولا يحتمل الميئوس من شفائهم، ويرى ضرورة الإسراع إلى التخلص منهم، وهو مفهوم عنصري ترجمه أدولف هتلر بعمليات إبادة وقتل لعجزة ومرضى ومن لا نفع لهم.

القاتل في «صمت الحملان» ليس إنسانا عاديا، هو طبيب نفسي قوي البنية، أنيق جسدا وعقلا، محبّ للقراءة، ويمارس الرسم ويتذوق الموسيقى. فبعد أن يقضي على الحارسيْن، ويسلخ وجه أحدهما، يتمايل منتشيا على أنغام موسيقى من شريط كاسيت في جهاز بالزنزانة، والدماء تتناثر على وجهه وثيابه، في مشهد يكاد يكون منقولا حرفيا من سلوك البعض من جنود هتلر النازي، وهم يقتلون الضحايا على أنغام الموسيقى.

16