صمت السلطة عن مهاجمة الصحافة مدخل لضرب حرية الرأي في تونس

التهجّم على الصحافة ليس جديدا في تونس لكنه زاد عنفا أثناء الفترة الانتخابية الرئاسية وبعدها.
الاثنين 2019/11/04
هجمة شرسة

دق آرثر سولزبيرغر رئيس مجلس إدارة نيويورك تايمز، في 23 سبتمبر، “ناقوس الخطر لأن لكلام ترمب عن الصحافة عواقب وخيمة حقيقية في جميع أنحاء العالم”. وعدّد سولزبيرغر، أحد حفدة أدولف أوكس مالك الصحيفة منذ 1896، عواقب تهجم ترمب على الصحافة منها أنه أحصى مع صحافيي الجريدة “أكثر من خمسين رئيسا ورئيس حكومة في القارات الخمس يستخدمون عبارة أخبار زائفة لتبرير تصرفاتهم العدائية تجاه الصحافة” تماما كما يفعل الرئيس الأميركي.

وليس من بين أولئك الرؤساء الرئيس التونسي قيس سعيّد غير أن عددا كبيرا من أنصاره هاجموا الصحافة أو بعضها كما يهاجمون إلى اليوم على الشبكات الاجتماعية كل من ينقده من التونسيين. وليس التهجّم على الصحافة جديدا في تونس لكنه زاد عنفا أثناء الفترة الانتخابية وبعدها في ما يكاد يكون صمتا مريبا من السلطة.

ولا يفهم صمت السلطة حتى إن كانت الصحافة مخطئة. إن الهجمات العنيفة على الصحافة سواء أكانت على الشبكات الاجتماعية أم على عدد من البلاتوهات، على لسان سياسيين، لن تصيب مؤسسة بعينها بل ستكون مدخلا لضرب حرية الصحافة كلها. ويخطئ من يتصور أن الهجمة الشرسة على الصحافة في تونس ظرفية وأن فاعليها فريق بعينه أو أن أهدافها صحف دون أخرى إذ لكل زمان فرق مهاجمة ولكل زمان فئة من الصحف يُتهجم عليها.

لقد نشأت الصحافة العربية وعاشت ستين عاما تحت وطأة ما كان يُسمى بمسألة الشرق أثناء حكم العثمانيين ووطأة الاستعمار أثناء حكمهم وبعده. نشأت الصحافة العربية ومنها التونسية في فترة صراع جارت فيه الحاكم فنالت رضاه أو ثارت عليه فهاجرت أو نُكل بها، مما جعل منها صحافة رأي بالأساس تبجل الجدل على الوقائع بل تهملها أحيانا. واستمر الوضع على ذلك النحو حتى بعد الاستعمار فحلّ محل الجدل تمجيد الحاكم الجديد وأُصبغت الوقائع بصبغة الحاكم وحده حتى أصبحت وقائع إلى الرأي أقرب.

ما يلام على ما يسمى بلاتوهات حوار في التلفزيونات التونسية هو المنوال التحريري المغرق في الرأي بوجود مادة إخبارية ضئيلة، لا تتجاوز في بعضها العشر دقائق، تُعرض في شكل "نشرات إخبارية"

ولما هبت عاصفة التغيير على تونس وتجردت الصحافة من صبغة الحاكم لبست كسوة الثورة وعادت إلى الجدل فطغى الرأي على الوقائع من جديد ليس بتمجيد الحاكم كما كان الأمر سابقا بل بنقد كل ما يمثله الحاكم الجديد والقديم معا. إن الداء الذي ينخر الإعلام التونسي اليوم هو الإغراق في الرأي.فهل يمكن أن يكون الإعلام مستقيما إذا كانت معظم البلاتوهات التلفزيونية والإذاعية بلاتوهات جدل؟ فهل بلاتوه يدوم ساعتين يتجادل فيه من اصطلح على تسميتهم “كرونيكور” (المعلقون) إعلام؟

ما يلام على ما يسمى بلاتوهات حوار في التلفزيونات التونسية هو المنوال التحريري المغرق في الرأي بوجود مادة إخبارية ضئيلة، لا تتجاوز في بعضها العشر دقائق، تُعرض في شكل “نشرات إخبارية”. وكلما كانت الأخبار ضئيلة في البلاتوهات فُسح المجال للرأي والجدل، وكلما زاد الجدل اتسع مجال اتهام الصحافة بترك الحياد وبالسير في ركاب جهة دون أخرى.

ولا أحد يمكنه أن يحرّم على الصحافيين، حتى إن كانوا من المعلقين (الكرونيكور)، إبداء الرأي، وهم لا يفعلون إلا ذلك. ويعلم الجميع أن الصحافي يتكلم لأمرين: فهو يخبر أو يعلق مما يعني كذلك أنه محرّم عليه أن يفعل الأمرين معا أي أن يخلط بين الإخبار والتعليق. ولا يمكن فصل السياسة عن الإعلام لأن إعلاما لا يتعاطى مع السياسة إعلام خارج عصره، غير أنه لا يمكن للإعلام أن يتعاطى مع السياسة بالتعليق فقط.

ولا بد هنا من الفصل بين أمرين وهما التعليق على الوقائع أو الأخبار (ما يسميه الأنغلوسكسونيون نيوز) والتعليق على الأوضاع القائمة (ما يسمونه مواضيع النيوز). فالتعليق على الوقائع تعليق على “من فعل ماذا، متى وأين، كيف ولماذا؟” في حين أن التعليق على الأوضاع القائمة هو تعليق على مسائل غير مقيّدة لا بمكان ولا بزمان وهي متصلة ضرورة بمجريات الأحداث غير أنها ليست كذلك، كالتعليق على حكم النهضة أو النمط المجتمعي في تونس أو وضع الحريات أو حالة الاقتصاد…

في التقليد الأنغلوسكسوني هناك قاعدتان لا بد منهما وهما أن حجم الأخبار في أي وسيلة إعلامية يفوق بكثير حجم التعاليق وأن الفصل بينهما يكون صارما حتى أن الصحف المطبوعة لا تخلط بين صفحات الأخبار وصفحات الرأي. ويعلم الجميع أن السهل هو أن تقول ما تشاء دون تمييز بين الوقائع والآراء، غير أن ذلك يوحي للبعض بأن الآراءَ وقائعُ فيأخذها على أنها كذب وأن الوقائعَ المخلوطة بالآراء وقائعُ مزيفة.

هجوم مستمر من جهات مختلفة
هجوم مستمر من جهات مختلفة

وتكمن أهمية التفريق بين الوقائع أو الأخبار وبين الأوضاع القائمة في أن الصحافي والمتلقي يعلمان جيدا موضوع التعليق عندما يتصل الأمر بالوقائع، إذ هما يملكان المعطيات نفسها، مما يقلّص من الهوة في وجهات النظر، في حين أن التعليق على الأوضاع القائمة تعليق على تمثّلات أي على أحكام معيارية متصلة بجملة من مجريات الأحداث الأمر الذي يحدث أحيانا كثيرة خلافا في التمثّلات قبل التعليق عليها.

فالتعليق على الوقائع عمل صحافي طالما التزم التوازن في إبداء الرأي في أخبار مبنية على الحياد في حين أن الاكتفاء بالتعليق على أوضاع قائمة أمر أشبه بمداولات حزب سياسي ينقلها التلفزيون ويأخذها المتلقون على أنها مضامين إخبارية منزوعة الحياد. ومن هنا يظهر الخلط في مفهوم الحياد الذي لا ينبغي أن يُثار إلا عندما يتصل الأمر بالإخبار ليصبح بلا معنى عند إبداء الرأي. فكيف نبدي رأيا بالتزام الحياد؟

فمن البديهي إذن أن ينعت المتلقون الصحافة المغرقة في الرأي والفقيرة أخبارا بالانحياز إذ هم لا يفرقون مهنيا بين الخبر والرأي ويأخذون ما يُنشر كله على أنه أخبار ثم إن فريقا من أربعة معلقين أو خمسة يتمادون في التعليق مدة ساعتين على أوضاع قائمة تزل بهم القدم لينزاحوا من الرأي إلى الدعاية أو ما يشبهها.

وقد تقع القنوات التي تفتح بلاتوهاتها للحوار مع سياسيين في الخطأ نفسه عندما يكتفي المحاور بسؤال ضيفه تاركا له المجال رحبا لقول ما يريد فيفهم المتلقون أن القناة تتبنى رأيه أو تجاريه. فمساء الجمعة 18 أكتوبر تحدث في التلفزيون التونسي نائب من ائتلاف الكرامة عن إعلام الكراهية ليربطه بالانتخابات قائلا “المنظومة القديمة كُنست بالصناديق” بعد أن ألقى محاضرة عن إعلام الكراهية الذي “ينعت الناس صباحا مساء بالإرهاب”.فهل نحترم الناس عند كنسهم؟

فإذا كان هناك خطاب كراهية اتهمت به بعض وسائل الإعلام فهو في اتجاهات متعددة وهو خطاب ساهم فيه سياسيون بخطاباتهم في الإعلام وفي غيره مما ينقله الإعلام. لقد حان الوقت لننكأ القرحة ونتحمل قيحها. فمن حق البعض أن يغضب بل أن يثور عندما يوصم بالإرهاب مثلا، لكنه ينسى أنه يصم غيره بالحثالة و”الصبايحي” و”الزلم” وأيتام فرنسا وغير ذلك.

أثناء الفترة الانتخابية نشر سياسيون كثيرون تدوينات تحمل ذلك الكلام بل أشد كراهية ومنهم رؤساء كتل في البرلمان.على الحكام أن يفهموا أيضا أنهم يصبون الزيت على النار بخطبهم المتوترة المتكلسة أيديولوجيّا. وإن لم يدرك الإعلام أن الجدل الزائد يقتل الإعلام فلأن السياسيين لم يفهموا أن معظم الناس يرفضون أن يحكموا بالأيديولوجيا.

تختلف الخطابات وصما غير أن الإعلام معظمه يتخبط في وحل صحافة الجدل كالسياسيين الذين اتخذوا من فيسبوك منصة للجدل والوحل وللوصم والشتم.

18