صمت القصور شريط غاضب دون صراخات وسياسي دون شعارات

فيلم "صمت القصور" يذهب بعيدا نحو الغضب، دون صراخ، يمعن في نكش الذاكرة الخضراء، بعتاب مرّ يتوجه بإصبع الاتهام نحو ثقافة ذكورية، كان الرجال أنفسهم من أتعس ضحاياها.
السبت 2019/04/13
قصة امرأة

مرّ ما يقارب ربع قرن على إنجازه، ومازال فيلم “صمت القصور” لمخرجته التونسية مفيدة التلاتلي، واحدا من أروع ما أنجزته الكاميرا بشهادة مخرجين ونقاد عرب وأجانب، ذلك لأنه لامس قضية اضطهاد المرأة جسدا وروحا، داخل منظومة سلطة ذكورية خلف أبواب القصور المغلقة على فضائحها وانتهاكاتها لحرمات أجساد فئة النساء الخادمات في أجواء يكتنفها الرعب والخوف.

“صمت القصور” شريط روائي غاضب بصمت ودون صراخ أو شعارات، نسجت خيوطه امرأة تروي بعذوبة وإتقان وجرأة ما لا يقدر رجال على قوله، وخصوصا في كونهم، هم أنفسهم، وفي استعبادهم للجسد الأنثوي، ضحية من ضحايا تقاليد اجتماعية وثقافة ذكورية، جعلتهم يتجاوزون مشاعرهم الإنسانية، ويحرمون أنفسهم من عواطفهم.

يبدأ الفيلم بالحديث عن فتاة مغنية تذهب هي وصديقها إلى القصر الذي ولدت فيه، وهو عائد إلى أحد أمراء البايات الذين حكموا تونس قبل العام 1957، وذلك بغية التعزية بوفاة سيد هذا القصر.ومع نبش الذاكرة، ندرك أن هذه الفتاة ولدت من “أب مجهول” داخل القصر الذي كانت تعمل فيه أمها كخادمة، والتي تتعرض هي ومثيلاتها من الخادمات إلى مختلف أنواع التحرش والاغتصاب والإجبار على معاشرة سادة هذا القصر، مكتفيات بالسكوت والخوف والتكتم أمام حالات مأساوية كالإجهاض وما يخلفه ذلك من خدوش في الروح قبل الجسد.

قصة الفيلم لها تفرعات كثيرة في الماضي والحاضر الذي نعرف من خلاله أن صديق هذه الفتاة الآن، والذي يطالبها بإسقاط الجنين كان في الأمس مناضلا وطنيا ويختبئ في دهاليز هذا القصر.

مازال الفيلم الروائي التونسي الطويل “صمت القصور” لمخرجته مفيدة التلاتلي، يعدّ من أهم ما قدمته المرأة عن المرأة في سينما العالم العربي بل ويتعدى ذلك إلى كونه، في نظر النقاد والمتابعين بإحدى دورات مهرجان كان السينمائي، واحدا من أجمل 10 أفلام قدمت في تاريخ السينما العربية. هذا بالإضافة إلى مجموعة جوائز وتكريمات وتنويهات وإشادات نالها الفيلم الذي أنتج عام 1994، وقد اشترك في كتابة السيناريو كل من مفيدة التلاتلي ونوري بوزيد، أما الأداء التمثيلي فهو لهند صبري، آمال الهذيلي، ناجية الورغي، هشام رستم، سامي بوعجيلة، سنية المؤدب. ووضع موسيقى الفيلم الفنان التونسي المعروف أنور براهم.

قصة الفيلم تبدأ بحدث قد يبدو في ظاهره بسيطا وعارضا: مغنية تونسية شابة اسمها علياء، حامل من صديقها الذي يطلب منها إجهاض الجنين لكنها ترفض بشدة، وتتلقى في هذا اليوم خبر وفاة سيد القصر الذي وُلدت فيه من أم خادمة كانت تعمل فيه أيام حكم البايات في تونس وزمن الاستعمار الفرنسي، وأب مجهول، لعله سيد القصر على الأرجح.

"صمت القصور" لا يُبنى على قصة واضحة مرسومة الوقائع والأحداث ومحسومة في الحكم عليها، فهي تنضح التباسات ومشاعر متضاربة، ولا يمكن الحكم على شخصياتها بسهولة وجوانب أحادية
"صمت القصور" لا يُبنى على قصة واضحة مرسومة الوقائع والأحداث ومحسومة في الحكم عليها، فهي تنضح التباسات ومشاعر متضاربة، ولا يمكن الحكم على شخصياتها بسهولة وجوانب أحادية

هذه الحادثة لم تكن إلا ذريعة للدخول في علاقة علياء بهذا القصر الذي كانت قد تعلمت فيه العزف والغناء أمام أصحابه في سهراتهم الماجنة، وشهدت بين جدرانه المغلقة والمحصنة على أقصى حالات الظلم والاستباحة لأجساد خادماته بمن فيهن أمها “خديجة” التي رفضت أن تصارح ابنتها باسم أبيها الحقيقي. ولوج علياء الآن إلى باب القصر من أجل التعزية يفضي إلى أبواب ما ينفك أحدها أن تنفتح على آخر يضيق ويتسع، ويزيح ستائر ويشرّع نوافذ على مجموعة من الأوجاع الموشومة في الذاكرة.

كأن موت سيّد القصر (الذي قد يكون والدها الحقيقي) ومجيئها بغرض التعزية هو الفرصة الوحيدة لتعرية تشبه الانتقام لأمها وبقية الخادمات ممن كن يئن في صمت، وتنتهك أجسادهن بقسوة من طرف أسياد القصر، ولا عزاء لهن إلا الترويح عن الروح بافتعال بعض الأغاني الماجنة والمواقف الهازئة مع بقية الخدم في كواليس القصر.

هنا، وفي هذا القصر باذخ الترف، يختبئ أنين مكبوت لأم علياء التي كانت تأوي كل ليلة خفية إلى فراش سيدها غصبا عن إرادتها، وتحت أنظار خفية من ابنتها. عند هذه الزاوية من صالون القصر، قطعت الطفلة وصلتها الغنائية على صرخة ألم أمها وهي تجهض نفسها بنفسها عبر آلة حادة خوفا من فضيحة ثانية.

وهنا، وفي أحد دهاليز هذا القصر، كان يختبئ صديقها الحالي لطفي الهارب من ملاحقة قوى المستعمر تحت اسم مستعار، ويعلّم الطفلة علياء آنذاك الكتابة والقراءة، تجد فيها ملجئا آمنا وصدرا حنونا في مراهقتها، لكنه الآن يطالبها بالإجهاض والتخلص من الجنين. أليس هذا إحباطا من نوع آخر بعد ظهور الدولة الوطنية وطيّ صفحتيْ حكم البايات العثمانيين، والمستعمرين الفرنسيين.

هل تغيّر شيء؟ وهل شفينا من أوجاع الماضي؟ وكم يلزمنا من الوقت للسفح والنسيان واندمال الجراح؟ تسأل المخرجة مفيدة التلاتلي، في هذا الفيلم بغضب صامت، وعبر حكاية تنسجها بحسها الأنثوي المرهف، وهي المونتيرة المتمرسة في عملها الفني الذي يعتمد على الصبر والأناة والتطريز. “صمت القصور” فيلم يذهب بعيدا نحو الغضب ولكن، دون صراخ، يمعن في نكش الذاكرة الخضراء، ولكن دون حقد بل بعتاب مرّ يتوجه بإصبع الاتهام نحو ثقافة ذكورية، كان الرجال أنفسهم من أتعس ضحاياها.

خديجة والدة علياء يبتلعها النسيان في القصر، وتنتهي وهي في حظيرة العبودية والإذلال مثل بقية قريناتها من الخادمات، وتموت معهن الأسرار وحكايا الأجساد المذلولة، لكن ابنتها علياء تنال حريتها ذات “فضيحة” تسببها في القصر حين يُطلب منها أن تغني في حفل زفاف صديقتها، وربما أختها غير الشقيقة، سارة، ابنة سيد القصر، فإذا بها توقف الأغنية الغرامية فجأة لتبدأ بإنشاد أغنية وطنية تونسية تنادي بسيادة الشعب واستقلال البلد. تسبب ذلك في طردها، لتنال على إثرها حريتها وتهرب مع لطفي، مناضل الأمس ومدرسها في القصر، وهو الآن صديقها الذي يرفض أن يتزوجها بسبب “نسبها المجهول”، ويطالبها بإسقاط الجنين الذي تحمله في أحشائها.

ثوري الأمس إذن، والمبشّر بفجر وطني جديد ينتشل المرآة من حظائر القصور الملوثة بالظلم والاستعباد، يخذل المرآة ويُبقي عليها جسدا للمتعة دون أن يعانق روحها التائقة للانعتاق والحرية. هذا ما لم تنس أن تضمنه مفيدة التلاتلي إلى فيلمها في غمرة هذه المرسية الموجعة.

ما الذي تغيّر، وما الفارق الجوهري بين لطفي المناضل الوطني اليساري في الأمس، وسيد القصر الذي كان يحتفظ بجسد أمها كفريسة في الفراش كل ليلة، ويتركها تجهض نفسها بنفسها لأن الاعتراف بأبوته ونسب المولود إليه من سابع المستحيلات.

هل جاءت علياء هذا اليوم إلى القصر لمجرد التعزية في وفاة رجل ولدت في قصره وتربت مع ابنته الشرعية، أم لقول شيء آخر أكثر مرارة من تذكر حياة مليئة بالكوابيس رغم كل ما كانت تشهده من لحظات فرح طفولي ومتعة اكتشاف صوتها وعزفها كوسيلة للانعتاق وإنشاد الحرية التي خرجت من رحم كدمات وجراحات كثيرة.

الأبعد من ذلك كله أن “صمت القصور” لا يُبنى على قصة واضحة مرسومة الوقائع والأحداث ومحسومة في الحكم عليها، فهي تنضح التباسات ومشاعر متضاربة، ولا يمكن الحكم على شخصياتها بسهولة وجوانب أحادية، فالكل هنا يتبادل وضعيات الجاني والضحية بدرجات متفاوتة، ولا يمكن إدانة إلا الثقافة والعقلية التي تربت عليها شخصية من الشخصيات بمن في ذلك “سي علي” سيد القصر.

وتتجنّب التلاتلي هنا الكليشيهات المعتادة. فمأساة علياء تتجلّى من خلال النظرات التي تتبادلها أمها الخادمة “خديجة” مع الخادمات الأخريات في قبو القصر أو مع علياء نفسها حين تلحّ عليها بالسؤال “شكونو بابا؟” (من هو أبي؟) ولكن أيضا حين تلتقي عيناها خلسة بعيني سيدي علي (الأمير) الذي يبدو هو أيضا تحت وطأة النواميس الاجتماعية والأسرية التي تفرض عليه الامتناع عن ملاطفة ابنته لأنه أنجبها من خادمة.

هي مأساة مركّبة ناجمة عن تعقيدات المنظومة الاجتماعية وقوانينها الصارمة وليست المرأة فيها هي الضحية الوحيدة. تدرك البنت المراهقة أنها ليست يتيمة وأن والدها هو هذا الرجل الذي ترتعد له فرائص والدتها كلما ظهر في أرجاء المطبخ. ثمة حبّ ما جمع بين والديها فهي لم تأت كثمرة لعملية اغتصاب أو استغلال السيد لخادمته. غير أن هذا الحب يبقى حبا محرّما وارتباطا ممنوعا ترفضه القواعد والتقاليد والأعراف. يعاشر الأم وينكر أبوته للابنة “علياء” بفعل قسوة تقاليد تربى عليها هو نفسه.

إن من الظلم وعدم الإنصاف أن يصنّف فيلم “صمت القصور” في خانة تلك الأفلام التي تتاجر بثيمة وضع المرأة البائس في العالميْن العربي والإسلامي، وتطرحها في السينما بما يشبه الموجة أو البضاعة التي تمليها أجندات سياسية وإملاءات غربية. ولا نعثر في هذا الشريط دقيق الصنعة والإتقان على أي مشهد مجاني للتعرّي النسائي، إلا بمقدار ما يستدعيه البناء الدرامي المحكم، ذلك أن مخرجته امرأة غاية في الرصانة والتشبّع بأفكار تدافع عنها بمنتهى الشجاعة والمسؤولية.

المرأة التي تشكل العمود الفقري وراء الكاميرا إنسانة ناضجة مثل الفيلم الذي يطوي عالما نسويا يموج بالمعاناة، والعبودية، والأمنيات المجهضة، والآمال البعيدة في عالم صامت، أو محافظ

الشخصيات في الفيلم مكتوبة بحرفية عالية فلا مجال للتسطيح والنمطية والثرثرة الكلامية. إنها تمضي نحو خطوطها ومصائرها ولا تقول ولا تفعل إلا ما يلزم قوله وفعله. المفردات والعناصر الفنية للفيلم مترابطة ومتشابكة ومتناغمة بشكل لا يجعل عنصرا يعلو على الآخر أو ينشز عليه، فلا بطولة إلا لما يريد الشريط قوله عبر “مخرج مايسترو” يتحكم في إيقاع الفيلم.. كيف لا ومخرجته قادمة من عالم المونتاج الذي يُعرف في الصناعة السينمائية بـ”الإخراج الثاني”.

المخرجة التلاتلي في “صمت القصور” تذهلنا في كل مرة بنزع طبقة عن أخرى وتوليد حكاية من رحم حكاية سابقة، لكنها ليست كأولئك المخرجين الذين يريدون أن يقولوا في عملهم الأول كل شيء مرة واحدة وإلى الأبد، وكأنهم بذلك يكتبون وصيتهم الأخيرة.

يرى نقاد أن الرغبة في قول أمور كثيرة في الفيلم مرة واحدة من شأنها أن تخلق في الفيلم الكثير من الالتباسات والتقاطعات، غير أن مفيدة التلاتلي التي تقدم لنا هنا فيلمها الروائي الطويل الأول، لم تنسنا أبداً، أنها تعمل في السينما منذ أكثر من عشرين عاماً، وتهتم خصوصاً بمسألة اللغة السينمائية من خلال إشرافها على المونتاج في بعض أفضل الأفلام الذي تحقق في بلدان المغرب العربي والذي حمل تواقيع مرزاق علواش ونوري بوزيد وفريد بوغدير وناصر خمير وغيرهم. بمعنى أن هذه المخرجة الشابة جاءت إلى الإخراج ناضجة، وهو أمر يبدو واضحاً من خلال رسمها الشخصيات، ومن خلال إدارة الممثلين.

وترى الناقدة خيرية البشلاوي في صمت القصور أنه فيلم “من صنع امرأة، منسوج بحساسية امرأة ثورية.. والمرأة التي تشكل العمود الفقري وراء الكاميرا إنسانة ناضجة مثل الفيلم الذي يطوي عالما نسويا يموج بالمعاناة والعبودية والأمنيات المجهضة والآمال البعيدة في عالم صامت، أو محافظ”.

وتضيف البشلاوي أنه، وفي عالم الصمت هذا “ترقد صرخات رهيبة وآهات محملة بمشاعر القمع عبّرت عنها المخرجة في لقطات قريبة مشحونة بالدلالات والإحساس الفني والتعبيري تعبير صامت وموجع خالٍ من المؤثرات الزاعقة وحس المليودراما الفج”. وتختتم الناقدة كلامها عن الفيلم معتبرة إياه، ورغم جوهره المتجهم، وبطلته اليائسة من الخروج من كبتها الاجتماعي “قادر على إشاعة المرح أحيانا، ويؤكد أن صانعته متمرسة تخلق العلاقات بين الصور، وتنسج المعاني”.

وراء كل فيلم ناجح امرأة ناجحة

ولدت مفيدة التلاتلي عام 1947 بسيدي بوسعيد في الضاحية الشمالية لمدينة تونس. تحصلت على دبلوم في المونتاج من معهد الدراسات العليا السينمائية بباريس سنة 1968.

التحقت بالتلفزيون الفرنسي لسنوات عديدة قبل العمل كمديرة مونتاج مع مخرجين تونسيين وعرب، وفي أهم الإنتاجات السينمائية لمخرجين من الجزائر وتونس وفلسطين. انطلقت مسيرتها المهنية في سنة 1994 كمخرجة من خلال فيلم “صمت القصور”، وهو شريط سينمائي طويل شاركها المخرج المعروف النوري بوزيد كتابته.

وعرف الفيلم نجاحا كبيرا في تونس وفي العالم حيث توج بالتانيت الذهبي في أيام قرطاج السينمائية سنة 1994، وجائزة أفضل فيلم طويل خلال الدورة الخامسة لمهرجان السينما الأفريقية بميلانو 1995، وجائزة أفضل فيلم في مهرجان شيكاغو 1995، بالإضافة إلى الجائزة الخاصة للجنة تحكيم الكاميرا الذهبية في مهرجان كان 1994.

وفي سنة 2000 أخرجت فيلما جديدا بعنوان “موسم الرجال” توج بدوره بالجائزة الكبرى لمعهد العالم العربي. وقد عينت سنة 2001 عضوا في لجنة تحكيم مهرجان كان السينمائي.

والجدير بالذكر أيضا أنها ترأست من 2001 إلى 2003 لجنة “سينما الجنوب”، التابعة إلى وزارة الشؤون الخارجية الفرنسية. تحصّلت سنة 2004 على جائزة “ماك ميلان ستيوارت” التي تمنحها جامعة “هارفرد” الأميركية، وتعدّ التلاتلي من روّاد السينما النسائية في جنوب المتوسط.

16