صمت المثقف العربي

الأربعاء 2013/11/27

من إيجابيات الثورة السورية المهمة، كشف خريطة المواقف السياسية للعديد من القوى المحلية والإقليمية والدولية، ولعل صمت المثقفين العرب منذ انطلاقة الثورة السورية في منتصف آذار 2011، هو من أحد نقاط الكشف عن هذه الثورة المباركة، فالمثقف العربي الذي كان يتهافت على دمشق ومؤتمراتها في الفنادق والمطاعم الفخمة ويصدر بيانات التأييد والدعم للنظام السوري ومحور المقاومة والممانعة -قبل الثورة-، يصمت الآن، والكارثة الإنسانية التي أصابت السوريين هي العلامة التي تفضح هذا الصمت الذي لا يمكن تفسيره إلا بفقدان الضمير القومي والإنساني تجاه أبناء جلدته، وهو يتفرج على هذه المأساة التي ستكون وصمة عار على جبين البشرية في القرن 21.

يصمت المثقفون العرب لأسباب عديدة منها إيديولوجية واهمة، تتلخص في أن النظام السوري هو رأس حربة محور الممانعة والمقاومة دون أن يكون لهذا المحور تجسيد حقيقي على الأرض الواقعية في الصراع العربي الإسرائليي منذ أكثر من أربعين عاما وهم بهذا يصدقون البروباغندا السلطوية لا بل يبررونها ويفلسفونها أيضا، وهذا مجرد تبرير تقليدي يريحون به عقولهم ويضعونها في ثلاجات حافظة للتخلف الفكري، في ظل الانهيار الكبير لمقولات هذا المحور، الذي قام أحد أنظمته الأشد دكتاتورية وبطشا بالشعب بقتل الشعب بجميع الأسلحة الفتاكة، وزج بالجيش في قتل المدنيين وقمع الثورة وأخيرا استخدم الكيمياوي وحرب التجويع على الشعب تاركا لإسرائل تسرح وتمرح فوق أجوائه، دون – حتى- الرد في الزمان والمكان المناسبين، وهناك من المثقفين من اعتاد الافتئات والارتزاق على موائد النظام ودريهماته البائسة الممنوحة إليهم، ولا يهمهم ما جرى ويجري للشعب السوري من قتل وتشريد واعتقال وتدمير، ويظنون واهمين أن هذا النظام سيستمر، وبالتالي لن تنقطع الدريهمات المرمية إليهم من أولياء نعمتهم في دمشق.

وهناك من المثقفين من يؤثرون الصمت والابتعاد عن قول الحق بانتظار كفة الرجحان للثوار أم للسلطة وهم سيميلون إلى أحد الطرفين بعد انتصاره أي هم فئة انتهازية.

إذا كان المثقفون العرب حقا صادقين في تنظيراتهم وتحليلاتهم ودراساتهم الفكرية العديدة، فمن المفترض أن يخوضوا معركة كشف الحقيقة وفصل الشعارات عن الممارسات لأنظمة تعفنت -باستبدادها المزمن- بنى المجتمعات التي يسيطرون عليها، وجاء انفجار الربيع العربي كردّ ثوري طبيعي جاء بعد تراكم الاحتقان السياسي والاقتصادي والثقافي، وفي محاولة لتشويه حراك الشعب الثوري لجأت هذه الأنظمة ومنها النظام السوري إلى أبواق ومرتزقة للتشبيح الإعلامي على الفضائيات الرسمية والعربية والعالمية، دون أن ينبري لهم المثقفون العرب بالردّ والتفنيد الموضوعي المقنع، لذا فهم مدعوون لكشف زيف شبيحة النظام السوري وادعاءاتهم الجوفاء ودفاعهم الهزلي عن نظام سقطت كل أقنعته وشعاراته على صخرة التحدي الثوري السوري.

لا يمكن تفسير صمت المثقفين العرب إلا بأن ما نشهده هو صراع القديم مع الجديد على صعيد الفكر والسياسة والإعلام والاقتصاد، وأن مرحلة جديدة بدأت تلامس ملامح العالم العربي، وأن التحول الحالي بنيوي عميق وتحولي انعطافي وأن المثقفين أيضا يتحملون جزءا كبيرا من المسؤولية الفكرية تجاه ممارسات الأنظمة الاستبدادية، وأن التحول مخاضي أليم ولا يمكن النظر إلى كل مثقف بنظرة تقدمية إيجابية فهناك الكثير من المثقفين من يشدّ إلى الخلف، ويناصر المستبدين. ويمكن القول إن نهضة ثقافية عربية لا بد أنها قادمة على سواعد شباب المثقفين وشيوخهم ممن يناصر التحديث والتجديد والتطور والبناء على أنقاض مرحلة تاريخية عربية سوداء استبدادية شرسة هيمنت على مقدرات المجتمعات العربية لأكثر من 40 عاما.

14