صمت المرجعية في العراق يشرعن تمازج الديني بالسياسي

ما تمثله المرجعية الدينية من سلطة روحية في العراق جعل السياسيين يستغلون صمتها عما يجري في الساحة السياسية كغطاء لتمرير مشاريع فسادهم، حيث جعل هؤلاء السياسيون من مسألة التخويف بالمرجعية وسيلة للسيطرة على السلطة، ما جعل الديني يختلط بالسياسي، واقتصر دور المرجعية على المجال العقائدي بأن دعت في مسلسل صمتها المتواصل إلى تكوين جيش يقف في وجه داعش لحماية الأضرحة الدينية بما تمثله في أدبيات المرجعية من مذهبية وطائفية.
الأربعاء 2015/09/23
سياسيو العراق جعلوا المرجعية جدارا يخفون وراءه مشاريع فسادهم ووسيلة لتخويف الناس

ما يعرفه أقطاب العملية السياسية في العراق عن حجم وقوة المرجعية الدينية في النجف لا يعرفه أحد سواهم. ولأن المرجعية تلتزم بالحدود المرسومة لها فإنها لن تصطدم بهم. لذلك لا يمكننا توقع سماع رأي أحد من أولئك السياسيين ومن التحق بهم من أصحاب العمائم بالمرجعية التي يظل ثقلها مرتبطا بحجم ونوع الدعاية التي تسلط عليها.

في الماضي القريب، أي في العقود التي سبقت الاحتلال الأميركي لم يكن هناك من أثر للمرجعية في حياة العراقيين اليومية ولا في خططهم المستقبلية. هل حدث ذلك لأن النظام الحاكم يومها كان قد قيد حركتها وحد من نشاطها؟ فالمرجعية نفسها لم تقل ذلك بعد سقوط النظام.

كانت المرجعية وهي مؤسسة دينية ملتزمة بخطها الديني الذي اخترعت من أجله ولم تكن معنية بما يجري بعيدا عنها في عالم السياسة. أما بالنسبة إلى من تعرّض للقمع من رجال الدين فقد جرى قمعه لأسباب سياسية لا علاقة لها بالموقف من المرجعية، لا من قريب ولا من بعيد. لقد حفظت المرجعية ماء وجهها وحافظت على كرامتها حين وضعت فاصلا بين الدين وهو مهنتها والسياسة التي تقع على الضفة الأخرى.

أما وقد وقع الغزو الأميركي عام 2003 فقد كان ضروريا بالنسبة إلى سلطة الاحتلال أن تجد قوة تقليدية هي ليست من اختراعها لتوّليها مهمة تطبيع الاحتلال وتمرير عناصر ومقومات وجوده فكانت المرجعية هي القوة الوحيدة التي يمكن أن تكون موضع ثقة في ذلك المجال. لقد تم النفخ في قربة المرجعية منذ لحظة الاحتلال الأولى، ولم تكن المرجعية حذرة في تلقي الشكر من سلطة الاحتلال لما أظهرته من تعاون كان مفاجئا وأكثر مما هو متوقع منها.

ظلت المرجعية صامتة وحين تكلمت دعت إلى إنشاء ميليشيات مسلحة للوقوف في وجه داعش دفاعا عن الأضرحة الدينية

أما الطاقم السياسي الذي جلبه المحتل معه فقد صار أفراده يتسابقون إلى لقاء المرجع الأعلى السيستاني، مضيفين عليه من خلال وسائل الإعلام التابعة لهم هالة الرجل الحكيم الصامت الذي يمسك بكل خيوط القضية العراقية.

وما لا يخفى على أحد أن هناك الكثير من النفاق السياسي والرياء المذهبي قد خالط سلوك أولئك السياسيين الذين وجدوا في المرجعية جدارا يتسترون به من أجل إدارة مشاريعهم التجارية الخاصة التي هي سبب وجودهم في إدارة دولة، كتب عليها ألاّ تقوم ثانية. لقد صنع أولئك السياسيون ومن قبلهم سلطة الاحتلال من المرجعية خندقا لا يمكن اجتيازه، بالرغم من أن المرجعية نفسها ظلت عبر كل سنوات الكارثة العراقية، بكل تفاصيل جحيمها على عهدنا بها صامتة لا تنطق إلا بما ييسر تنفيذ مفردات المشروع التدميري الذي جاء به المحتل كما هو الحال مع حث الشعب على الموافقة على الدستور الذي هو أساس كل المشكلات التي يعاني منها العراق الآن.

أما حين رفع السياسيون أنفسهم شعار “المرجعية خط أحمر” فقد كان المقصود من ذلك الشعار أن لا توضع المرجعية موضع مساءلة، وهو ما يعني تمرير كل مشاريعهم التي كانوا يقولون إنها تحظى برضا المرجعية، من غير أن يصدر بيان ينفي أو يؤكد ذلك الرضا، غير أن الصمت كما يقال هو علامة الرضا.

كانت عمليات الفساد تضرب بعصفها اللاأخلاقي جوهر الحياة العراقية فيما ظلت المرجعية صامتة وحين تكلمت فإنها دعت إلى إنشاء ميليشيات مسلحة للوقوف في وجه تنظيم داعش دفاعا عن الأضرحة الدينية.

خلاصة القول إن سياسيي العراق الجديد مزودين بخبرة سلطة الاحتلال كانوا ولا يزالون يستعملون المرجعية ستارة وعصا. ستارة يخفون وراءها مشاريع فسادهم وعصا يستعملونها حين يضطرون إلى إخافة الناس البسطاء.

أما المرجعية نفسها فلم تثبت أن لها حولا أو قوة طوال الزمن العصيب الذي لا يزال الشعب العراقي يتنقل بين أنفاقه المظلمة.

13