صمت انتخابي في تركيا على وقع الاحتجاجات والتفجيرات

يتوجه الناخبون الأتراك، اليوم الأحد، إلى مراكز الاقتراع للإدلاء بأصواتهم في الانتخابات البرلمانية، وسط تساؤلات حول ما إذا كان الرئيس رجب طيب أردوغان سيعزز قبضته على السلطة فقط، وما إذا كان من الممكن المضي قدما في عملية السلام مع الأكراد وذلك وسط مخاوف متزايدة بشأن الانزلاق مرة أخرى إلى حرب أهلية.
الأحد 2015/06/07
هل تنهي نتيجة الانتخابات فترة الاستقرار السياسي في تركيا

أنقرة - دخلت تركيا فترة الصمت الانتخابي، قبل انطلاق عملية التصويت لاختيار نواب البرلمان، على وقع التفجيرات والاحتجاجات؛ ونظم مئات من المتظاهرين مسيرات في مدينة ديار بكر في جنوب شرق تركيا أمس السبت تكريما لضحايا الانفجارات التي وقعت، الجمعة، وأسفرت عن مقتل شخصين وإصابة العشرات.

واستهدفت الانفجارات حشدا كبيرا يشارك في مسيرة سياسية للحزب الشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد، وجاءت الانفجارات في أعقاب هجوم وقع في بداية الأسبوع على إحدى المركبات الانتخابية الخاصة بالحزب الكردي، الذي يحاول اجتياز حاجز الـ10 بالمئة ودخول البرلمان للمرة الأولى كحزب ممثل للأكراد في تركيا.

ودعا زعيم حزب الشعوب الديمقراطي صلاح الدين ديميرتاش أنصاره إلى الهدوء. وقال عبر حساب حزبه على تويتر “إنهم (خصومنا) يريدون خلق حالة من الذعر والفوضى. أدعو الجميع إلى التزام الهدوء”.

وتتجه الأنظار إلى النتيجة التي قد يحرزها الحزب الكردي، غدا الأحد. فإذا تجاوز عتبة 10 بالمئة التي تجيز له دخول البرلمان فقد يحرم حزب العدالة والتنمية والرئيس رجب طيب أردوغان، من الغالبية البرلمانية التي يحتاج إليها لإقرار تعديل دستوري يعزز سلطات أردوغان الرئاسية.

ويتوقّع مراقبون أن تزداد أعداد الهجمات والمظاهرات والاحتجاجات والحوادث التي من شأنها التأثير على صناديق الاقتراع غدا، وأيضا، بعد إعلان النتائج، ومهما كان الفائز. وإذا فشل حزب العدالة والتنمية في تحقيق النصاب المطلوب، فإن أنصاره قد يلجأون أيضا إلى التصعيد، خاصة في ظلّ تشكيك في نزاهة الانتخابات، التي تبدأ اليوم الأحد ويتنافس فيها 20 حزبا سياسيا، إضافة إلى 165 مرشحا مستقلا، ويبلغ عدد الناخبين داخل تركيا 53 مليونا و765 ألفا و231 ناخبا، فيما يصل عددهم خارج البلاد إلى مليونين و876 ألفا و658 ناخبا.

وانتخابات اليوم هي الأولى التي يخوضها العدالة والتنمية بعد تخلّي رجب طيب أردوغان (شكليّا) عن قيادته، ليخفله أحمد داود أوغلو. ويعتبر الحزب المحافظ، الذي يحكم البلاد منذ 13 عاما، الأوفر حظا للفوز في الانتخابات، غير أنه لأول مرة منذ 2002 يتقدم في موقع أضعف من ذي قبل أمام الناخبين، نتيجة تراجع الاقتصاد والانتقادات المتواصلة التي تأخذ عليه نزعته إلى التسلط، فضلا عن تراجع صورته بسبب استمراره في السلطة؛ وأيضا مع الأخذ بعين الاعتبار الخلافات داخل حزب العدالة والتنمية.

لا يوجد أي مؤشر على أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان سيغير المسار عما يصفه منتقدون بأنه انجراف نحو الحكم الاستبدادي

وتشير استطلاعات الرأي، المعروف عنها أنه لا يمكن الاعتماد عليها في تركيا، إلى تراجع شعبية حزب العدالة والتنمية في حين تشير إلى أن حزب الشعوب الديمقراطي قريب من الحد الأدنى لدخول البرلمان.

وإذا نجح حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد في تخطي هذه النسبة، فإن هذا سيدوّن في التاريخ حيث سيصبح أول حزب كردي ينتخب مباشرة على المستوى الوطني وسيأخذ من حصة مقاعد حزب العدالة والتنمية الحاكم. ومع ذلك، فإن فشله سيسمح لحزب العدالة والتنمية، الموجود في السلطة منذ عام 2002، أن يخرج من الانتخابات بعدد محتمل من أعضاء البرلمان يكفي للبدء في العمل على إجراء تغييرات دستورية لتمكين أردوغان بشكل أكبر.

ويقول فادي هاكورة، محلل في الشأن التركي في المعهد الملكي البريطاني للدراسات، “تشاتام هاوس”، “لا شك أن تراجع شعبية الرئيس أردوغان وحزب العدالة والتنمية، في حال ما تأكد في الانتخابات اليوم، ستشكل صدعا في درع الشخص الأكثر نفوذا في تركيا.”

ويضيف هاكورة قائلا إن “تباطؤ الاقتصاد في تركيا يعد قضية رئيسية، فمن المتوقع أن يبلغ معدل النمو هذا العام نحو 3 بالمئة، وهي مشكلة للحزب الذي اعتمد على الطفرة الاقتصادية لتعزيز شعبيته” كما أن معدل النمو الحالي لن يخفض معدل البطالة البالغ حاليا 11.2 بالمئة والتي من المتوقع أن تتجاوز هذا الحد.

ولن يخوض أردوغان هذه الانتخابات، حيث فاز بالسباق الرئاسي العام الماضي بعد أن شغل منصب رئيس الوزراء لأكثر من عقد من الزمن، وخلفه أحمد داود أوغلو في رئاسة الوزراء ورئاسة حزب العدالة والتنمية، لكن مستقبله على المحك في الوقت الذي يسعى فيه لترسيخ دعائم سلطته.

وحتى إذا فشل حزب العدالة والتنمية في الحصول على أغلبية كبيرة تسمح له بتغيير الدستور، فإنه لا يوجد هناك أي مؤشر على أن أردوغان سيغير المسار عما يصفه منتقدون بأنه انجراف نحو الحكم الاستبدادي، وضيق صدره بالانتقادات في وقت تعرض فيه منافسوه للمضايقات والاعتقال. وعلى الرغم من إعلان المعارضة عن غضبها مما يحدث، أطلق أردوغان حملة لصالح برنامج الحزب الحاكم، فيما وصفه كثيرون بأنه انتهاك لحظر دستوري على الرئيس يمنعه من الانحياز إلى أيّ حزب. ويعد هذا تلميحا إلى ما عناه أردوغان عندما أصر بطريقة غامضة على أنه يريد إدخال تعديلات دستورية لخلق “نظام رئاسي” لتركيا، فيما يبدو لإضعاف البرلمان.

ويقول سونر كاجابتاي، مدير برنامج الأبحاث التركية في معهد واشنطن، وهو مؤسسة بحثية ذات توجه يميل للمحافظين، إن “ما يريده (أردوغان) حقا هو العودة لإدارة حزب العدالة والتنمية”، الذي يديره حاليا وبشكل صوري رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو.

تراجع شعبية الرئيس أردوغان وحزب العدالة والتنمية في حال ما تأكد في الانتخابات سيشكل صدعا في درع الشخص الأكثر نفوذا في تركيا

ويعتقد كاجابتاي أن أردوغان قد رأى أن زملاءه من الزعماء الدينيين اليمينيين السابقين فشلوا في الاستمرار في السيطرة على أحزابهم بعد أن أصبحوا رؤساء للجمهورية وفقدوا نفوذهم في نهاية المطاف.

ويقول جاريث جنكينز، وهو باحث لدى برنامج دراسات “سيلك رود”، إنه منذ ضربت أردوغان مزاعم الفساد وانخرط في ممارسة لعبة إثارة الانقسامات الخطيرة “لم يعد بإمكانه التنحي بهدوء”.

وإلى جانب قضايا الفساد وتعديل الدستور، برزت خلال الحملة الانتخابية القضية القديمة المتجدّدة، وهي السلام مع الأكراد، والتي اتخذت بعدا جديدا في انتخابات 2015، بدخول حزب الشعوب الديمقراطي المنافسة.

ويتوقّع بعض المراقبين أن تشهد عملية السلام الجارية مع الأكراد منذ عام 2012، انتكاسات أيضا، حيث يتخلى أردوغان بالفعل عن بعض تواصله مع الأكراد وأحيانا يستحضر الخطاب القومي التركي في كلماته. وفي بعض الأحيان زعم أردوغان أن البلاد “لم يعد لديها مشكلة كردية”، الأمر الذي أثار الغضب بين العديد من قطاعات هذه الأقلية التي تشكل نحو 18 بالمئة من سكان البلاد.

ويقول جنكينز “إن المخاوف بشأن انهيار وقف إطلاق النار لا زالت قائمة”.

وحتى ما قبل إعلان حزب العمال الكردستاني المسلح وقف إطلاق النار في عام 2013، قتل أكثر من 40 ألف شخص في ثلاثة عقود من الصراع. ولطالما شكا الأكراد من التمييز المنهجي ضدهم.

وفي الأشهر الأخيرة، ازدادت وتيرة المواجهات بين حزب العمال الكردستاني والجيش في جنوب شرقي البلاد. وقطع الاتصال بين حزب الشعوب الديمقراطي وزعيم حزب العمال الكردستاني المسجون عبدالله أوجلان، الأمر الذي أثار قلق الحزب.

وربما لم يعد بإمكان حزب العمال الكردستاني إعادة إشعال التمرد بشكل كامل، لأن مقاتليه مشغولون في الوقت الراهن في المعركة التي يخوضونها ضد تنظيم الدولة الإسلامية المتطرف في سوريا والعراق بمساعدة قوات التحالف التي تقودها الولايات المتحدة. ومع ذلك، ففي أكتوبر 2014، شهدت المناطق الكردية اضطرابات مخلفة 40 قتيلا، بعد أن اتهم أردوغان بعدم تقديم المساعدة لردع تنظيم الدولة الإسلامية.

وسيبقى تكرار هذا النوع من العنف عالقا في أذهان الكثيرين إذا لم يتمكن حزب الشعوب الديمقراطي من دخول البرلمان. ويقر الموالون لحزب العمال الكردستاني أن الشباب أكثر تطرفا وأن لديهم توقعات كبيرة فيما يتعلق بالوصول إلى حل سريع ومرض للصراع.

هذا فضلا عن أن التركيبة المؤلّفة من المسألة الكردية والصراع على السلطة داخل الحزب الحاكم والشعور بأن أردوغان سيسعى لترسيخ أركان حكمه بغض النظر عما سيحدث في يوم الانتخابات، قد أثارت قلق من يراقبون الشأن التركي.

وقال هاكورة “لقد انتهت فترة الاستقرار السياسي بالفعل.. ليس فقط خلال الأشهر الــ12 المقبلة ولكن أيضا على مدى السنوات الخمس المقبلة”. وقال جنكينز “أعتقد أننا في مرحلة وداع أردوغان. لكننا لا نعرف الفترة التي سيستغرقها هذا الأمر وكيف ستكون طبيعتها”.

6