صمت تونسي مريب إزاء التغلغل التركي في ليبيا

تحذيرات من عودة تونس إلى لعب سياسة المحاور التي سادت خلال فترة حكم الترويكا بقيادة حركة النهضة الإسلامية.
الاثنين 2019/12/02
الرهان على حصان خاسر

تونس – أثار صمت السلطات التونسية إزاء الاتفاقية التي وقعها رئيس حكومة الوفاق الليبية فائز السراج، مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، حول التعاون الأمني والعسكري، وترسيم الحدود البحرية بينهما، مخاوف الأوساط السياسية في البلاد، التي عادت الهواجس لتنتابها من مخاطر عودة تونس إلى الاصطفاف مجددا إلى جانب المشروع الإخواني الذي سهل تغلغل تركيا في المنطقة عبر البوابة الليبية.

زهير المغزاوي: على الرئيس التونسي إعلان موقف واضح من اتفاقية أردوغان-السراج
زهير المغزاوي: على الرئيس التونسي إعلان موقف واضح من اتفاقية أردوغان-السراج

وترافقت تلك المخاوف مع تحذيرات متصاعدة أملتها ردود الفعل الإقليمية والدولية التي أثارتها تلك الاتفاقية، خاصة وأن تطورات الملف الليبي تبقى ضاغطة على تونس في هذه المرحلة التي بدأت معطياتها تتبدل بوتيرة متسارعة تشي بأزمة غير مسبوقة في حوض المتوسط. ولم يصدر إلى غاية الآن أي بيان عن الدوائر الرسمية في البلاد يوضح موقف تونس من هذه الاتفاقية رغم ما تحمله من مخاطر استراتيجية ستكون لها انعكاسات مباشرة على مقومات الأمن القومي التونسي.

وحاولت “العرب” الاتصال بوزارة الخارجية، وكذلك بالرئاسة في مسعى للحصول عن مثل ذلك الموقف الرسمي، لكن دون جدوى، وذلك في الوقت الذي بدأت فيه ردود فعل بقية الدول المعنية جغرافيا بتداعيات تلك الاتفاقية التي عكستها التحركات المصرية واليونانية التي بعثت بحزمة من الرسائل السياسية التي تردد صداها في أروقة منظمة حلف الشمال الأطلسي “ناتو”.

وبعث الصمت التونسي حيال اتفاقية أردوغان-السراج برسائل وُصفت بـ”المقلقة” في وقت دخلت فيه مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة في مسار شائك، دفع زهير المغزاوي الأمين العام لحركة الشعب التونسية التي حصلت على 16 مقعدا برلمانيا، إلى مطالبة الرئيس قيس سعيد بموقف واضح من هذه الاتفاقية التي وصفها بالتطور الخطير الذي يمس مباشرة المصالح الاستراتيجية لتونس.

وحذر المغزاوي في اتصال هاتفي مع “العرب” من التدخل التركي والقطري في ليبيا، مطالبا في الوقت نفسه بأن تلعب تونس بالتنسيق مع دول الجوار الليبي، دورا بارزا لاحتواء الأزمة الليبية، باعتبار أن أمن تونس شديد الارتباط بأمن ليبيا.

وحذر أيضا من بقاء تونس “تتفرج الآن على ما يجري في ليبيا دون أن تكون مؤثرة في هذا المشهد الذي باتت تتقاذفه العديد من الأجندات الإقليمية والدولية”، معربا عن قلقه من إمكانية عودة تونس إلى سياسة المحاور التي عرفتها خلال السنوات الماضية.

وشدد على أن الرئيس قيس سعيد “مطالب في هذا الوقت بموقف واضح إزاء هذه التطورات التي يشهدها الملف الليبي، يراعي المصالح الاستراتيجية لتونس، خاصة وأنه سبق له أن تعهد خلال حملته الانتخابية بإيلاء الملف الليبي الأهمية التي يستحقها”.

رافع الطبيب: تونس تراهن على حصان خاسر في ليبيا يتمثل بحكومة فائز السراج
رافع الطبيب: تونس تراهن على حصان خاسر في ليبيا يتمثل بحكومة فائز السراج

غير أن مراقبين استبعدوا مثل هذا الموقف في هذه المرحلة، وربطوا ذلك بمؤشرات سابقة تدل على عودة تونس إلى سياسة المحاور التي سادت خلال فترة حكم الترويكا بقيادة حركة النهضة الإسلامية، منها إقدام الرئيس قيس سعيد على استقبال الإخواني الليبي خالد المشري الذي يرأس حاليا المجلس الأعلى للدولة الليبية، وذلك في أول نشاط رسمي له مرتبط بالملف الليبي.

واعتبر رافع الطبيب الخبير التونسي المختص في الشؤون الليبية، أن “القلق من إمكانية اصطفاف تونس من جديد إلى المشروع الإخواني التركي القطري في المنطقة قائم، خاصة وأن العديد من الأطراف ما زالت تعمل على إقحام تونس في قراءات جيواستراتيجية لا تخدم المصالح التونسية”.

وقال الطبيب لـ”العرب” إن “حالة التوجس من هذا الصمت المريب مشروعة، ومردها للأسف استمرار تونس في الرهان على حصان خاسر، أي حكومة الوفاق الليبية برئاسة السراج التي بتوقيعها الاتفاقية المذكورة مع تركيا تكون قد انخرطت في عملية تحويل جزء من الأراضي الليبية إلى خنجر في خاصرة دول الجوار، وخاصة منها تونس ومصر”.

ولفت في هذا السياق إلى أن تونس “ستكون مرة أخرى داخل مجالات عسكرية استراتيجية تخطط لها تركيا في المنطقة، خاصة وأن أردوغان لم ينتظر طويلا بعد التوقيع على الاتفاقية المذكورة، ليلوح بالدفع بقطع حربية بحرية إلى سواحل ليبيا، إلى جانب الإشارة إلى إمكانية إقامة قواعد عسكرية في غرب ليبيا، بما يستجيب للمشاريع التوسعية التركية في المنطقة”.

وكان أردوغان قد تطرق بشكل علني إلى تلك المشاريع، عندما قال أمام منتدى سياسي عُقد في إسطنبول، إن “الأتراك يتواجدون في ليبيا من أجل حقهم، وحق إخوانهم في المستقبل.. الأتراك يتواجدون في جغرافيتهم احتراما لإرث الأجداد، ومن حق تركيا التدخل في الشأن الليبي باعتبار أن ليبيا إرث أجدادها وجغرافيتها جزء من الإمبراطورية العثمانية”.

Thumbnail
1