صمت جزائري عن جرائم مرسيليا

إهمال الجالية الجزائرية من طرف دولتها هو السبب الذي جعلها تفقد مناعتها ويكرّس لديها الانكماش النفسي والثقافي، ويعمق اغتراب هويتها، ويجذر لديها الإحساس بالدونية.
الخميس 2018/03/08
دعوة للوصول إلى آليات مشتركة مع السلطات الفرنسية لحماية الجالية الجزائرية

في هذا الأسبوع قتل جزائريان اثنان في مدينة مرسيليا الفرنسية في ظروف غامضة، وخلال الشهر الماضي قتل أيضا 11 جزائريا في هذه المدينة ذاتها، ولكن وزارة الخارجية الجزائرية وسفارتها بباريس لم تتحركا إطلاقا على مستوى الدولة الفرنسية والاتحاد الأوروبي لوضع حد لهذه المجازر التي تنفذها جهات فرنسية يمينية متطرفة أمام مرأى الأجهزة الأمنية الفرنسية ومؤسساتها المختلفة، بشكل لا يختلف عن الممارسات الإرهابية التي عانت منها فرنسا وتعتبرها مناقضة لأخلاقيات التعايش السلمي بين الثقافات والأعراق والديانات.

في هذا السياق يلاحظ أن السلطات الجزائرية لم تستدع السفير الفرنسي لدى الجزائر رسميا لفتح النقاش بخصوص هذه الاعتداءات المتكررة والبحث عن سبل القضاء عليها. لا شك أن الرأي العام الجزائري ينظر باشمئزاز إلى سكوت السلطات الجزائرية وإلى عدم اكتراثها بمسلسل قتل الرعايا الجزائريين بشكل منهجي، وعلى نحو مخالف للأعراف الدولية وللقوانين الفرنسية.

ومن المؤسف أن الحكومة الجزائرية اكتفت حتى الآن بالتنزه عن هذه الأحداث الدموية البشعة، حيث لم تمارس أي تدخل رسمي لدى السلطات الفرنسية لمناقشة تعقيدات هذا الملف على الأقل، وذلك قصد الوصول معها إلى آليات مشتركة تتمّ بموجبها حماية الجالية الجزائرية ومعاقبة المجرمين المتطرفين الذين يهددون حياة أفرادها.

وفي هذا السياق ينبغي التذكير أن القوانين الجزائرية تنص على حماية المواطنين الجزائريين حيثما يوجدون في العالم ولكن لا أحد يطبق هذه القوانين، وجرّاء ذلك فإن وزارة الخارجية الجزائرية لا تقوم بواجبها. وفضلا عن ذلك فإن البرلمان الجزائري الذي يملك حق محاسبة وزارة الخارجية لا يزال صامتا وكأن المهاجرين الجزائريين ليسوا جزءا عضويا من الشعب الجزائري.

في الواقع فإن المراقبين السياسيين في الجزائر يتساءلون عن الأسباب التي أدت بالحكومة الجزائرية إلى الاكتفاء بالتنزه من بعيد وبدم بارد عن مجازر جاليتها المقيمة في فرنسا بشكل خاص، وعن مآسيها الاقتصادية والاجتماعية في العالم بشكل عام. ولكن فحص طبيعة العلاقة القائمة بين السلطات الجزائرية المركزية وبين المهاجرين الجزائريين في مختلف بقاع العالم وعلى مدى سنوات طويلة يبرز لنا أن النظام الجزائري لا يملك سياسة خارجية مبدئية وجدية لصالح قضية الهجرة بشكل عام، وكفيلة بضمان حماية أمن الجالية الوطنية المقيمة في الخارج وفي فرنسا بشكل خاص.

من المعروف أن النظام الجزائري لم يفعّل في أي مرحلة زمنية أيّ آلية مادية أو رمزية ناعمة من أجل التصدي للسياسات الفرنسية اليمينية المتطرفة التي تمارس العنفين المادي والرمزي ضد الجالية الجزائرية

من المعروف أن النظام الجزائري لم يفعّل في أي مرحلة زمنية أيّ آلية مادية أو رمزية ناعمة من أجل التصدي للسياسات الفرنسية اليمينية المتطرفة التي تمارس العنفين المادي والرمزي ضد الجالية الجزائرية، كما أنه لم يبذل أي جهد لإجراء مفاوضات جادة مع الدولة الفرنسية المركزية ومع المؤسسات الفرنسية الرسمية التابعة لها من أجل حفظ كرامة وحقوق الجالية الجزائرية التي عانت ولا تزال تعاني من التحقير والتهميش الاجتماعي والثقافي والتربوي والاجتماعي داخل فضاء الجمهورية الفرنسية.

لا شك أن مؤسسة ودادية الجزائريين في أوروبا التي أنشأتها السلطات الجزائرية منذ السنوات الأولى من الاستقلال لم تتأسس على أسس صحيحة، بل كانت مجرّد دكان بيروقراطي عاجز عن إقامة علاقات الحوار مع أبناء الجالية الجزائرية المهاجرة، أما بقاياها بعد اختفائها من الوجود الرسمي فهي متشظية ولا يجمعها جامع.

لا شك أن اليمين الفرنسي المتطرف محكوم بأيديولوجيا رهاب الأجانب وبالممارسات العنصرية الموروثة عن العهد الاستعماري، غير أن اللوم ينبغي أن يوجه أيضا إلى الدولة الجزائرية التي لم تحول قضية الهجرة إلى حجر زاوية لسياساتها الخارجية وشرط ملزم لأيّ علاقة بينها وبين الدولة الفرنسية.

لم تتأسس إلى حد الآن في الجزائر وزارة للهجرة مدعمة بمؤسسات ثقافية وإعلامية ومالية يكون شغلها الشاغل دمج أبناء الجالية المهاجرة والإشراف المادي والمعنوي على شؤونها الثقافية والتربوية والاجتماعية والاقتصادية والتنظيمية سواء في فرنسا أو في عموم أوروبا وغيرها من الدول الأخرى.

إن إهمال الجالية الجزائرية من طرف دولتها هو السبب الذي جعلها تفقد مناعتها ويكرّس لديها الانكماش النفسي والثقافي، ويعمق اغتراب هويتها، ويجذر لديها الإحساس بالدونية، وتصبح جراء ذلك فريسة لتحقير اليمين الفرنسي المتطرف.

9