صمت دولي محير إزاء تمادي تركيا في تسليح ميليشيات طرابلس

السفينة التركية بانا التي أمدت ميليشيات حكومة الوفاق بالعتاد، أحد أكثر الانتهاكات الصارخة لحظر الأسلحة الذي فرضته الأمم المتحدة على ليبيا حتى الآن.
الجمعة 2020/03/27
السفينة بانا راسية في ميناء جنوة بعد إتمام المهمة

يعيق تمادي تركيا في إرسال الأسلحة إلى الميليشيات المحاصرة في العاصمة الليبية طرابلس المساعي الدولية لوضع حد للأزمة الليبية، ما يطرح تساؤلات كثيرة إزاء الصمت الدولي المحيّر تجاه الانتهاكات التركية للقرارات الأممية. ويجد الجيش الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر نفسه وحيدا في مواجهة جرائم تركيا في ليبيا، رغم حظر التسليح الدولي المفروض على البلاد منذ أحداث الإطاحة بنظام العقيد معمر القذافي.

لندن – يؤكد تسجيل فيديو نشرته شبكة بي.بي.سي ما تم تداوله من تقارير في وقت سابق حول إرسال تركيا شحنات أسلحة إلى ليبيا لدعم ميليشيات حكومة الوفاق المحاصرة في طرابلس، ما يرفع الستار عن أسباب رفض الأخيرة لمساعي توسيع مهام صوفيا لتشمل مراقبة حظر التسليح على ليبيا.

وأوردت بي.بي.سي أنه في 24 يناير، بعد الساعة السادسة صباحا بقليل، أبحرت سفينة بانا من ميناء مرسين التركي حيث كانت الوجهة المعلنة ميناء قابس التونسي، لكن السفينة اختفت من الرادار على بعد 400 كيلومتر قبالة سواحل ليبيا.

وبحسب أحد البحارة الذين كانوا على متنها، غيّرت بانا وجهتها المعلنة والتي كانت نحو ميناء قابس في تونس وعندما اقتربت السفينة من ساحل ليبيا في 27 يناير، تعمدت إيقاف جميع أجهزة الاستقبال والإرسال.

وقبيل ذلك في 19 يناير اجتمع جميع اللاعبين الرئيسيين في الأزمة الليبية، بما في ذلك الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في برلين. وتحت إشراف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، وافقت هذه القوى، بما في ذلك تركيا، على وقف إرسال الأسلحة للمساهمة في إنهاء الصراع.

وحسب برنامج “عين أفريقيا” الذي بثته هيئة الإذاعة البريطانية، انتهكت تركيا هذا الاتفاق بعد أيام قليلة من مغادرة أردوغان برلين. وتقدم صور ملتقطة في 28 يناير أدلة على أن السفينة توجهت إلى شمال شرقي طرابلس، حيث التقط قمر صناعي ثلاث علامات صغيرة تكاد تكون غير مرئية لاتساع البحر المتوسط، حيث تظهر سفينة يتطابق حجمها وألوانها تماما مع هيكل بانا وهي راسية في ميناء طرابلس.

وتعطي هذه الصور المنشورة من طرابلس يوم 29 يناير أدلة أخرى، إذ تظهر أن بانا كانت برفقة فرقاطة عسكرية من الفئة جي. وتعتبر القوات البحرية التركية الوحيدة التي تستخدم هذا النوع.

وتظهر على متن بانا مجموعة من الأسلحة، بما في ذلك آليات القتال المدرعة والمدافع مثل الهاوتزر ذاتية الدفع ومضادات الطائرات.

وبعد ثلاثة أيام من مغادرتها طرابلس، وصلت السفينة إلى ميناء جنوة الإيطالي حيث أخبر أحد أفراد الطاقم الشرطة بأن السفينة استخدمت لحمل الأسلحة.

وأكدت صور التقطتها السلطات الإيطالية على متنها هذا الادعاء، فيما أضاف خمسة من البحارة الذين قابلتهم السلطات الإيطالية تفاصيل عزّزت الأدلة المرئية. وقال أحدهم للشرطة “ذهبنا إلى مرسين لتحميل الأسلحة… سمعت صوت العربات التي حُمّلت على متنها”.

وقال آخر للسلطات “إن الأسلحة تشمل دبابات وسيارات جيب محملة بمضادات للدبابات ومتفجرات”، كما أكّد تكليف عشرة جنود أتراك بحراستها.

وتعتبر هذه الحادثة أحد أكثر الانتهاكات الصارخة لحظر الأسلحة الذي فرضته الأمم المتحدة حتى الآن.

نحو وضع حد للعبث التركي بليبيا
نحو وضع حد للعبث التركي بليبيا

في 4 فبراير، أدان الأمين العام للأمم المتحدة سلوك بعض الدول الأعضاء دون ذكر أسماء، لكن وحتى الآن، لم تفعل الإدانات أي شيء لإيقاف عمليات التسليح.

ويفرغ إمداد أنقرة للميليشيات والمجموعات المتطرفة في ليبيا بالسلاح قرار حظر التسليح المفروض دوليا على البلاد منذ 2011 من محتواه ويثير تساؤلات بشأن عدم تحرك المجتمع الدولي لوضع حد للعبث التركي في ليبيا.

وليست هذه المرة الأولى التي تخرق فيها تركيا قرار حظر السلاح المفروض على ليبيا، حيث بدأ تدفق السلاح التركي على الميليشيات والتنظيمات الإرهابية في ليبيا في العام 2015، عندما ضُبطت بالصدفة سفينة تركية محملة بكميات كبيرة من الأسلحة بعد أن اصطدمت بقارب لخفر السواحل الليبي.

ويرى متابعون للشأن الليبي أنه من الضروري وضع حد للعبث التركي بليبيا، من خلال فرض عقوبات على أنقرة لمنع تحويل ليبيا إلى ملاذ للمتطرفين والإرهابيين بعد أن نقلت المسلحين الإسلاميين من إدلب السورية إلى ليبيا لإسناد ميليشيات الوفاق بالمقاتلين بعد العتاد. ويوليو الماضي، كشفت مصادر ليبية متطابقة، النقاب عن استمرار تدفق السلاح التركي جوا وبحرا على الميليشيات الموالية لحكومة فايز السراج، حيث أكدت شركة شحن ليبية وصول شحنة أسلحة تركية جديدة إلى ميليشيات مصراتة.

ونقلت وسائل إعلام ليبية محلية عن مسؤولي تلك الشركة، قولهم إن سفينة إيطالية تحمل اسم “جراند جابون”، وصلت إلى ميناء مصراتة وأفرغت شحنة جديدة من العتاد العسكري التركي، وهي تتكون من 1809 مركبات، وأكثر من 180 مركبة مدرعة للمشاة، وكميات كبيرة من مختلف أنواع الأسلحة بما فيها طائرات مسيرة تركية الصنع.

وكشفت مصادر عسكرية ليبية أيضا أن طائرة شحن من نوع “بوينغ 747” حطت في نفس الشهر بمطار معيتيقة الدولي، الذي يبعد عن العاصمة الليبية طرابلس نحو 23 كلم، حيث أفرغت هي الأخرى شحنة من الأسلحة والذخائر الحربية، وقطع الغيار الموجهة للميليشيات الموالية لحكومة السراج.

وفي 2019، ارتفع عدد السفن التركية التي تم ضبطها محملة بالسلاح، حيث تم الكشف في فبراير عن شحنة من الأسلحة والمعدات الحربية، بالإضافة إلى 9 مركبات مدرعة تركية الصنع، ثم في شهر مايو تم اعتراض السفينة التركية “أمازون” التي عُثر على متنها على 40 مركبة قتال مدرعة، إلى جانب رصد طائرات محملة هي الأخرى بالسلاح والعتاد، وخاصة الطائرات المسيرة.

وتكشف شحنات العتاد التركية المتدفقة على الميليشيات في طرابلس الأسباب الحقيقية لرفض الأخيرة توسيع مهمة صوفيا الأوروبية لتشمل مراقبة حظر السلاح على ليبيا. ووصف المتحدث باسم الميليشيات، محمد قنونو، توسيع مهمة صوفيا لتشمل حظر الأسلحة بأنه عملية “مشبوهة ومتواطئة”.

وقال قنونو لوسائل إعلام قطرية وتركية إن المهمة الأوروبية، التي لم تبدأ بعد، ستفشل، مضيفا “لا ننسى أن لحكومة الوفاق الحق في مواصلة تحالفاتها العسكرية العلنية وما زلنا نحتاج إلى الدعم من الدول الصديقة لمواجهة الخطر الذي يهددنا”.

وفي المقابل يدعم قائد الجيش الليبي المشير خليفة حفتر تسيير دوريات لدول الاتحاد الأوروبي على خطوط التماس لمراقبة تدفق الأسلحة، ما يحشر حكومة الوفاق المحاصرة بطرابلس في الزاوية ويعرّي ادعاءها بالانخراط في الحلول السياسية لوضع حد للأزمة الليبية.

4