صمت قصر قرطاج حيال ليبيا

على قيس سعيّد نزع جلبابين اثنين تلبسا به، وهما جلباب المعلّق الصحافي، وجلباب الأستاذ الجامعي، وأن يتمثل الرئاسة فكرا وسياسة وأداء وفعلا وقرارات، وأن ينظر إلى الملف الليبي بالعُمق والواقعية اللازمين.
الخميس 2019/12/19
الوضعية في ليبيا خطيرة وحساسة

إلى اليوم لم تتكرّس بعد السياسة الخارجية للرئيس التونسي المنتخب قيس سعيّد على الشكل اللذي تستوجبه رهانات المنطقة المشتعلة.

صمت القصر الرئاسي حيال الأحداث الأمنية والعسكرية والسياسية المستجدة في الملف الليبي، واكتفاء الرئاسة التونسية ببلاغات مُبهمة وغامضة عقب اجتماعات مع مكوّن واحد من مكونات الحالة الليبية، يؤشران لا فقط إلى تقصير في تحمل المسؤولية الوطنية حيال ملف داخلي أكثر منه إقليمي، بل أيضا عن قصور في مستوى تمثّل خطورة الوضعية وتداعياتها المُمكنة.

والحقيقة أنّ تعيين ثلّة من المستشارين الدبلوماسيين المعروفين بتجربتهم المُباشرة في الشأن الليبي في قصر قرطاج، دون أن يُفضي هذا التعيين إلى خطوات دبلوماسية عميقة يضع أكثر من نقطة استفهام حول أداء الدبلوماسية التونسية.

تمرُّ ليبيا بواحدة من أصعب المراحل ومن أكثرها انكشافا إقليميا ودوليا، فلأوّل مرة يأخذ التدخل الأجنبي طابعا رسميا ومُعلنا، ولأوّل مرة يتجاوز المجلس الرئاسي نطاقه التنفيذي من خلال التوقيع على اتفاقية إعادة ترسيم المياه مع تركيا، دون اعتبار لحساسية الوضع، ودون سعي إلى احتواء الموقف عبر العودة إلى الفاعلين الإقليميين.

الوضعية في ليبيا خطيرة وحساسة، لا فقط لأن المشهد العسكري متسارع ومتأزم، ولا أيضا لأن ليبيا تفقد باطراد قرارها السيادي وسلطتها على ثرواتها الباطنية، بل أيضا لأن التسوية السياسية تلفظ أنفاسها الأخيرة في البلاد، ولأنّ منطق المغالبة والاستقواء المسيطر على الخطاب السياسي للفرقاء الليبيين، سيفرض في المحصلة واقع الدولة الفاشلة والاستنهاض المستحيل.

حيال هذا المشهد لا يبدو أن الرئاسة التونسية واعية بحجم المخاطر الاستراتيجية التي قد تنجر عن تحوّل ليبيا نهائيا إلى كرة من النيران الملتهبة التي تحرق أرضها وتُشعل محيطها.

فأن تتحوّل دولة من سياق النظام إلى الفوضى، فهذا راجع بالضرورة إلى أهلها فقط، ولكن أن تتحول دولة من لاعب إلى ملعب، فهذا راجع إلى أهلها وجيرانها الذين سمحوا بتغيير استراتيجي في الوضع وباستقدام كافة القوى الإقليمية والدولية لإخراجها من الجغرافيا السياسية نحو جغرافيا الثروات الباطنية.

ودون استدرار لسردية طويلة تبدأ من وضع ليبيا تحت الفصل السابع في مارس 2011، فإن الحقيقة التاريخية تفرض القول بأنّ الجوار المغاربي والأفريقي لليبيا تعامل مع التدخل الدولي بمنطق القبول بالواقع، ولم يبذل الجهد السياسي والاستراتيجي المطلوب لإخراج البلاد من محنتها العميقة.

وهُنا تتحمّل الدبلوماسية التونسية جزءا من المسؤولية حيال تدهور الأوضاع في ليبيا، حيث لم تتعامل مع الملف كأولوية أساسية، وفي الأوقات التي كان لا بد أن تأخذ زمام المبادرة كانت تتأخر رافضة أن تمشي بين حقول الألغام في الصحراء الليبية. صحيح أن الدبلوماسية التونسية في عهد الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي كانت وراء العديد من المُنجزات في ما يخص جهود التسوية الليبية، ولكن الصحيح أيضا أن لا بندا من بنود مدونة كاملة من التسويات المقترحة وجد طريقه للتطبيق والتفعيل على أرض الواقع.

لن تزيد حروب الوكالة المُعلنة في ليبيا، الوضع العسكري في تونس إلا خطورة والمشهد السياسي إلا تشرذما والحالة الاقتصادية إلا تدهورا.

وإن كانت عُهدة الرئيس الأسبق المنصف المرزوقي قد رُسمت بطابع الفوضوية التي فرضت على تونس الانخراط في لُعبة إقليمية كانت فيها تونس هي البيدق والعجلة الخامسة، وإن كانت ولاية المرحوم قائد السبسي قد حُبرت برسم الهدوء والرصانة الكلاسيكية الرتيبة في مشهد إقليمي متحرك وهائج، فإن ملامح ولاية سعيّد قد تشير إلى الحضور بالغياب، حيث تحضر القضايا بقوة الخطاب، ولكن دون تفعيل حقيقي في مستوى السياسات والاستراتيجيات.

وعندما تستبق الدبلوماسية الأحداث فإنها تجني الثمار وفي أسوأ الحالات تتجنب السيناريوهات المخيفة، ولكن عندما يتملكها التردد وتفوتها التطورات تصبح أسيرة لاتجاهاتها ولفاعليها الحقيقيين. وفي حال ما لم يؤصّل سعيّد رؤية متكاملة للتعاطي مع الملف الليبي، فإن تداعياته ستمس الحكومة المقبلة التي ستكون متجاذبة في المواقف بين داعم لطربلس ومؤيد لخليفة حفتر، وكلما أمسكت الرئاسة بالملف الليبي كلما تفرغت الحكومة للقضايا المحلية الصرف وقلّت بذلك المشاكل البينية.

على قيس سعيّد نزع جلبابين اثنين تلبسا به، وهما جلباب المعلّق الصحافي، وجلباب الأستاذ الجامعي، وأن يتمثل الرئاسة فكرا وسياسة وأداء وفعلا وقرارات، وأن ينظر إلى الملف الليبي بالعُمق والواقعية اللازمين.

رباعية من القرارات يتطلبها المشهد الليبي، وهي إحياء مبادرة الجوار الليبي مع تشريك تشاد والنيجر ومالي، والدعوة إلى مؤتمر جامع في تونس بمشاركة الأمازيغ والتبو والطوارق وممثلين عن النظام السابق، واقتراح دبلوماسي تونسي كقائد للوساطة الأممية في ليبيا، والعمل على تقاطع المسارات العسكرية والسياسية دون فصل بينهما كما هو حاصل الآن.

المُفارقة أنّ أقصى ما تقدر عليه تونس الآن هو أقل مما تطلبه ليبيا، من فرض للهدنة العسكرية ومن استرجاع للقوى المتحاربة لحدودها الأولى ومن استصدار لقرار دوليّ يمنع التدخل الأجنبي في البلاد، في حين أنّ ما تريده تونس من ليبيا غير متقرر لديها الآن على الأقل، فليس بإمكانها ضبط الحدود والميليشيات ناهيك عن فتح أسواقها لليد العاملة التونسية.

9