صمت كراميري

ستبقى الموجة الهندية تحمل، كما حملت في الماضي حين كانت تصل شواطئنا العربية، الكثير مما يساهم في تنويرها وتوعيتها، رغم أن بيننا اليوم من يسخر بجهل من الهنود، وهم أمة عمل، ونحن صرنا أمة كلام.
الجمعة 2018/05/11
الحياة ممكنة خارج قفص النفس المعتّم

كان صديقي بسيتاكولا كراميري يقضي معظم وقته في الصمت. حاولت عبثاً العثور على طريقة تجعله يخرج عن سكونه. كان أنيقاً ودقيق الملاحظة، لكن علّته الوحيدة كانت أنه لا يريد أن يتكلم.

أخذت أبحث عن جذوره وتكوينه وسيكولوجيته، في زمن لم تكن تتوفر فيه وسائل معرفة مثل الآن، لعلّي أجد ما ينقذه من الصمت الرهيب. فالصمت عندهم، في الهند، من حيث جاء كراميري يعتبر حكمة، بينما هو عندنا بوابة للكآبة.

صرتُ أستأجر من أجل كراميري أفلاماً هندية أشغلها على جهاز الفيديو القديم ليشاهدها، فقد يتذكر بلاده وبيئته. ولم أكن قبلها مولعاً بعالم بوليوود، لكن بسبب صاحبي هذا شاهدت مئات الأفلام الغنائية الراقصة، وعرفت نصير الدين شاه وشامي كابور وأي ياي يا سوكو سوكو أي ياي يا، وديمبل كاباديا وأميتاب باتشان وديسكو ديفاني وميثون شكربورتي بالطبع.

ولكن لأن كراميري بقي صامتاً، فقد قرأت من أجله الكثير، حتى عرفت أن الهند يوجد فيها أكثر من 122 لغة رئيسيّة و1599 لغة غير رئيسية. لكن ما أدراني من أي تلك الثقافات المحتشدة كان صديقي يتحدّر؟

ومع مرور الزمن ومع اختفاء كراميري المفاجئ، فقدتُ اهتمامي بالسينما الهندية، حتى ظهر أمامي فيلم سينمائي هندي أنتج هذا العام، يتحدث عن شخص صامت مثل كراميري يدعى بابو.

وبابو هذا عجوز مكتئب في السبعين لا يجد الشهية للعيش والأكل والشرب. لكنه لم يكن بطل الفيلم، بل كان البطل والده الذي يبلغ من العمر بالأعوام 102، والذي لم يكن يختفي خلف لحيته البيضاء الطويلة سوى أميتاب باتشان ذاته الذي ظهر شغوفا بالحياة والغناء والرقص والمزاح، يحمل معه صورة ضخمة لعجوز صيني دخل موسوعة غينيس كأكبر معمر في العالم بعمر 118 عاما.

 قال الأب لابنه: باعتبارك يا بابو تعيش عجوزا فاقدا للأمل، فقد اتخذت قراراً تاريخيا بوضعك في دار للمسنّين، كي أتفرغ للمنافسة مع الصيني، بقي القليل فقط لأعيشه وأحطّم الرقم القياسي. ثم بعد ذلك أعيدك إلى البيت.

صرخ بابو: ستعيدني بعد 16 عاما؟

أجاب الأب: الأطباء قالوا لا يمكنني أن أعيش هذه الأعوام الـ16 المتبقية وأصبح أكبر معمّر في العالم، إذا كان الذين يعيشون معي أشخاصاً مُملّين يائسين.

ستبقى الموجة الهندية تحمل، كما حملت في الماضي حين كانت تصل شواطئنا العربية، الكثير مما يساهم في تنويرها وتوعيتها، ورغم أن بيننا اليوم من يسخر بجهل من الهنود، وهم أمّة عمل، ونحن صرنا أمّة كلام، فقد تعلمت من “الببغاء” كراميري، كما هو اسمه باللاتينية، مثلما تعلمت من والد بابو أن الحياة ممكنة خارج قفص النفس المعتّم.

24