صمت ليس من ذهب

الأحد 2016/11/13

لا مسؤولية أخلاقيّة دون معرفة. بيد أنّ هذه المسؤولية تتفاوت، لدى الفرد، بتفاوت درجات المعرفة لديه، وإلى أيّ مدى تستطيع هذه المعرفة، بدرجات تفاوتها وظلال وجودها العميقة، أن تكون قادرة على تحقيق “استنارة” فكرية تجعل المعرفة غير منشودة لذاتها، كمعرفة مجرّدة ليس إلّا، إنما بوصفها طريقًا نورانيًّا يذهب فيها المرء، بمشقّة بالغة، نحو استبطان دواخل نفسه، في المقام الأول، واستبصار مجاهل أغوارها، لكي يتعرّف على نفسه، بكل جوارحه، ويفهمها، وينقّيها من كل ما يعكر صفو وجودها كذات متحققة في العالم الذي يحيط بها إحاطة السوار بالمعصم.

ومن ثم يكون، بعد ذلك السفر الطويل في قرارة النفس، قادرًا على الولوج إلى العالم الخارجيّ، بكل حواسّه، وإدراكه بروحٍ بصيرة، بثقل المسؤولية التي وضعتها تلك المعرفة على كاهليه.

ولا انفصال من الناحية الاصطلاحية، بين “المسؤولية الفكرية” و”المسؤولية المعرفية”، بل إنّ أحد التعبيرين يستخدم، لدى كثير من المفكرين، كمرادف للآخر، للدلالة على “التسويغ المعرفي” الذي هو -وفق التعريف الفلسفي- مرادف للعقلانية، وتعبير واضح عن الموقف “الصحيح” النابع من معتقدات المرء في ضوء مداركه المعرفية.

بيد أنّ الفلاسفة قد اختلفوا حول مسألة تحديد درجة “صحّة” موقف المرء، فربطوها بالمعتقدات نفسها؛ سواء كانت هذه المعتقدات مقولبة، أم هي معرفة تنطق عن موقف أخلاقي أو مسؤول.

ولقد فرّق مفكرون كثيرون بين العديد من المستويات لهذه المسؤولية الأخلاقية التي تنبع من تلك المعرفة. فمسؤولية المثقف -عند نعوم تشومسكي- تنحصر، جوهريًّا، وعميقًا، في سعي المثقف الدؤوب إلى البحث عن الحقيقة وفضح الأكاذيب.

أمّا إدوارد سعيد، فقد عدّ المثقف الحقيقيَّ ذاك الذي “يسعى إلى تحطيم الأفكار الشائعة والقوالب الجاهزة والمقولات المختزلة التي تحول بدرجة كبيرة دون الوصول إلى الفكر الإنساني وتحدّ من التواصل”، والذي يبقى صاحب وعي دائم “بمعايير الشقاء الإنساني والطغيان، بصرف النظر عن انتمائه الفكري، وخلفيته القومية، وولاءاته الفطرية. فلا شيء يشوّه الأداء العلني للمثقف أكثر من الوقوف على الحياد وتغيير الموقف وفق ما تمليه الظروف، والصمت الحذر، والتبجح الوطني، والجحود الذي يستعيد الماضي على نحو دراماتيكي”.

ولم يشهد “مصطلح” المثقف ميوعة بالغة السيولة كتلك التي يشهدها الآن. فقد غامت الحدود بين الأشياء، وأصبح شراء الأنفس بالأموال والمناصب -جهارًا نهارًا- خدمة لهذا الطرف ضدّ ذاك، دون أن يجد “المثقف”، الذي كان دائمًا يتغنّى بقيم الديمقراطية والحرية والعدالة ومقاومة السلطة، في نفسه حرجًا من ذلك، بل إنّه قد ذهب أبعد، حين استمرأ هذه اللعبة القذرة التي باتت سمه العصر، مستفيدًا من حالة الاستقطاب الحادّ، فراح يجيد الرقص على الحبال، ويحسب خطواته بحرفية التجار المهرة، ولا يتورع عن فعل أيّ شيء في سبيل تحقيق مصلحته الشخصية، ولو على حساب أقرب المقربين إليه.

ولم تتوقف المسألة عند هذا القدر فحسب، بل رأيناه يقطع الأشواط دفعة واحدة، ويحرق المراحل كلّها، حين راح يزيّن بيع روحه للشيطان، وخنوعه المشين تحت قدمي “عجل الذهب”، بكلمات وعبارات ليست أقلّ من عيار تلك التي كان يتغنّى بها، حتى أصبح الحديث، في الغالب الأعمّ، عن وجود مثقف عربي “مستقل”، يفضح الأكاذيب ويقول الحقيقة، كل الحقيقة، ضربًا من الجنون.

وليس بالضرورة أن يكون صمت البعض، في هذه اللحظة الحاسمة، صمتًا من ذهب. بل إنه أقرب إلى الفضيحة الأخلاقية منه إلى أيّ شيء آخر. فالنجاة لا تكون دائمًا في السكوت.

لا تغلقِ البابَ الذي تأتي منهُ الريحْ

تعبتَ؟

ضعْ كأسًا طافحةً

على الكتابِ،

وحلّقْ بإصبعكَ الوسطى

عالياً،

قبلَ أن تستريحْ!

كاتب من الأردن

16