صمت مثقفي الاحتلال

الأربعاء 2016/07/13

رغم أن العراقيين الرافضين للاحتلال لن يغفروا لتوني بلير، رئيس الحكومة البريطانية الأسبق، وضع يده في يد الرئيس الأميركي بوش الابن في غزو بلدهم عام 2003، فإن اعتذاره وأسفه العميق لما أصابهم من دمار ومآس تجعلاننا نستعيد بألم موقف 350 “مثقفا عراقيا”، وقّعوا عقب الاحتلال على رسالة شكر أسموها “خطاب شكر وامتنان باسم الشعب العراقي لمن هبّوا من أجل حريته”، ووجهوها إلى بوش وبلير على ما اعتبروه “مبادرة نبيلة وشجاعة” منهما لـ”تحرير شعبهم”.

ورغم أن هؤلاء “المثقفين”، الذين لا يزال أغلبهم أحياء، قد تأكدوا، في ما بعد، أن ما فعله بوش وبلير لم يكن تحريرا، كما توهم البعض منهم بسبب قصر نظرهم، وسقوط البعض الآخر في مستنقع الخيانة، بل جريمة كبرى أدّت إلى تحطيم بلدهم، وطنا وشعبا وحضارة ومستقبلا، فإننا لم نسمع بأن أحدا منهم اعترف بالخطأ الذي ارتكبه، أو أعلن عن ندمه واعتذاره للشعب، وكأن العزة بالإثم قد أخذته، رغم مرور ثلاثة عشر عاما على توقيع تلك الوثيقة وفوات أوان الاعتذار.

لقد ارتضى موقعو تلك الوثيقة، في حينها، ومنهم للأسف أدباء وكتّاب معروفون تربطني بالبعض منهم علاقة صداقة قديمة، أن يصفقوا للاحتلال، ويروّجوا لاستراتيجيته التدميرية وبضاعته الإعلامية، ظنا منهم أن المارينز وجنود الإمبراطورية العجوز هبوا وقطعوا المحيطات والبحار لمساعدة الشعب العراقي على الخلاص والتحرر من الدكتاتورية، وجلب الديمقراطية والرخاء له.

جاء في تلك الوثيقة، التي وصفها البعض من العراقيين الوطنيين بأنها “وثيقة عار” يجب إبقاؤها حية في الذاكرة، ما نصه “إننا كمثقفين ندرك حجم المأثرة الإنسانية التي قدمتموها لشعبنا ووطننا… وحدكما من انسجم مع النبض الحقيقي لحضارة العالم وروح الحرية والعدالة وحقوق الإنسان، وأقدم على مساعدة شعبنا بشكل فعلي ليتمتع بثمار حضارة العالم التي حرم منها طويلا… وإننا نفهم مواقف الجهات التي لا تزال تشكك بشرعية الحرب وقانونيتها بحجة واهية هي عدم العثور على أسلحة الدمار الشامل. لقد كان قراركما بالوقوف إلى جانب شعبنا لحظة تاريخية ظاهرة وتدخلا إنسانيا يليق بالمثل العليا التي تجسدانها… تمنياتنا لكما بالصحة والسعادة وتقبلا منا فائق الشكر والتقدير”.

نعم هذا ما قاله هؤلاء الموقعون على الوثيقة، بينما انتقد تقرير جون تشيلكوت، الذي دفع توني بلير إلى الاعتذار، قرار مشاركة بريطانيا في الحرب، مفندا الذرائع المزعومة التي استخدمت لتبرير قرار الحرب، الذي اتخذه رئيس الوزراء توني بلير.

وخلص التقرير إلى أن القرار “كان خطأ أدّى إلى عواقب خطيرة لم يتم تجاوزها حتى اليوم”. وكان جون سكوت، نائب بلير إبان الغزو، قد أدان مشاركة بريطانيا في الغزو معتبرا إياها “غلطة كارثية” وغير شرعية، وأن القرار وتداعياته سيلازمانه بقية حياته. كما أن زعيم حزب العمال البريطاني جيرمي كورين قدّم اعتذار الحزب عن قرار خوض الحرب في العراق، مبيّنا أن هذا القرار الذي صوّت ضدّه عام 2003 كان “قرارا كارثيا”.

تُرى أين نضع موقف هؤلاء “المثقفين” المخزي إزاء موقف الصحافي العراقي الشجاع منتظر الزيدي، الذي قذف بوش بحذائه تعبيرا عن رفضه للاحتلال وغضبه من هذا المجرم، الذي جيّش مرتزقة العالم لغزو العراق وتدميره خدمة لإسرائيل؟

ألا ينبغي أن نوجه له التحية اليوم، ونستذكر، باعتزاز، أنه المراسل الصحافي العراقي الوحيد الذي كان ينهي رسائله وتقاريره الصحافية بعبارة “بغداد المحتلة”؟

كاتب عراقي

9