صناجة العصر الحديث

الثلاثاء 2014/06/03

لكلّ عصر أدواته وآليّاته في التواصل والتفاعل، وذلك بما يتلاءم مع طبيعته ومدى التطوّر الحاصل والتقبّل والتفاعل من قبل الناس، بحيث قد يكون تأثير تلك الأدوات محدودا في إطار ضيّق، أو منفتحا من غير ضفاف، وذلك بدوره يعتمد على مقدار التأثّر والتأثير.

بعيدا عن الاسترسال في التذكير بمزايا كلّ عصر ووسائل التواصل والإعلام والإعلان فيه، يمكن الاستئناس بدور الشاعر في عصور سابقة، وكيف كان يشكّل ضمير الأمّة ولسان حالها وأهلها، وكان بمثابة الواجهة الإعلاميّة لقومه أو قبيلته، ينافح عنها ويحامي بلسانه وشعره، وربّما بسيفه أحيانا، ودوره ذاك يوصف ضمن سياق ما بات يسمّى بالقوّة الناعمة في عصرنا.

تقلّص دور الشاعر مع تغيّر ظروف الحياة وتعقّدها، بحيث تراجع الشعر في التأثير، لتتقدّم وسائل تعبير أخرى، من شأنها إبقاء جذوة التواصل والتأثير متّقدة. ولاشكّ أنّ الإعلام الجديد في عصر الثورة الرقميّة أعاد إنتاج صور قديمة بحلل معاصرة، فالفضاء الأزرق -الفيسبوك أو أيّة وسيلة تواصل اجتماعيّة أخرى- يظلّ رهين استخدام المرء له، فقد يوظّفه في خدمة أغراض بعيدة عن روح العصر، ويتّخذه سبيلا لمؤازرة قضيّة أو مناهضة عدوان، بتعريته وكشف ألاعيبه، وذلك بناء على الأرضيّة التي ينطلق منها.

كثيرون يبحرون في هذا الفضاء الذي يكتسب الواقعيّة من تأثيره، يتخفّف من الجانب الافتراضيّ فيه، ويكتسب السطوة والسلطة، وينتزع القوّة من السلطات الفارضة، بحيث كسر نمطية الكتابة والقراءة والنشر، وشكّل نوافذ للإطلال على الآخر والتعرّف إليه ومعايشته في حلّه وترحاله، في تفاصيل حياته، يفتح كوّة للتلصّص، وفسحة للتواصل والتعارف، والتعارك أيضا. ومن هنا لا يعود غريبا تهافت بعض الأنظمة على الحدّ منه، أو فرض قيود عليه، ثمّ السعي إلى تجييره بما يتوافق مع تقييده، كأن يكون بابا لمراقبة الخصوم، أو التشهير بهم، أو اختراق خصوصيّاتهم ومحاولة ابتزازهم لاحقا.

البحر الافتراضيّ الأزرق في فضاء الواقع، يوجد في كثير من تفاصيل الحياة المعاصرة، يبدّد الوحدة والاستيحاش، يثقّف على طريقته، يخفّف من وطء الزمن، يضفي طريقة تعامل تتوافق مع طبيعته الزئبقيّة في الإكثار من المنشورات بمختلف تصنيفاتها وأشكالها.

قيل وسيقال الكثير في مدح الفيسبوك وذمّه، لكن الأكيد أنّه أصبح صنّاجة العصر الحديث، كلّ يغنّي فيه على ليلاه، منهم مَن يؤذي السمع والبصر، ومنهم مَن يُتحف أصدقاءه بالجمال والانتصار للإنسان.. منهم مَن يدافع عن قضيّة ومنهم من يحترف تشويه الآخر والنيل منه تحت هذا الزعم أو ذاك.. منهم ومنّا ومنكم مَن يلوذ به وسيلة، أو غاية.. “وكلّ في فلك يسبحون”.


كاتب من سوريا

15