صناديق الأرابيسك

الجمعة 2017/06/16

الإنسان عندنا في الشرق يبقى صندوقا مغلقا محكم الإقفال، كلما ظننت أنك اكتشفت طبقة منه عرفت أن تحتها طبقة أخرى وثالثة ورابعة، تنطوي على اهتمامات لافتة واتجاهات غريبة.

ووسط أخبار تحول صحيفة الغارديان البريطانية إلى حجم التابلويد مع بداية العام القادم 2018، تخرج من الصندوق العربي ريم الحبيب، وهي ممثلة ومخرجة سعودية درست المحاماة والقانون السياسي في هارفارد وتخرجت بمرتبة الشرف. لكن هذا كله لم يكن منتهى ما اهتمت به، فقد اتجهت إلى إنشاء مزرعة داخل بيتها، وحولتها إلى محطة قيادة لوعي زراعي على مستوى بلادها والعالم العربي والعالم، عبر اليوتيوب.

حيث تنقل مجريات ما يحدث في تلك الغرفة، وتناقش الظواهر الناتجة عن التلوث وتحرّض المتضررين بيئيا من الشركات الكيميائية على رفع دعاوى على تلك الشركات، حتى أصبحت ظاهرة عابرة للقارات. والوعي الزراعي ضروري لنا، لنفهم كثيرا من الصراعات الدائرة حاليا، ما بين ترييف المدينة وسحق الريف.

إذ قبل أن يعتلي الحكم في بلداننا فلاحون ضحايا أذاقوا المرّ لأهل المدينة والريف على حد سواء، كما يرى الباحث الأميركي الفلسطيني الكبير حنا بطاطو، كان الحكام في المدينة يجهلون كل شيء عن الريف والزراعة. فيروى أن عددا من الفلاحين وفدوا لمقابلة قراقوش وشكوا إليه ضريبة القطن. وقالوا “يا مولانا السلطان، إن البرد أفسد القطن هذه السنة فسامحنا من دفع بعض المال”. فسكت طويلا ثم قال “يا أغبياء لما رأيتم البرد كثيرا فلماذا لم تزرعوا مع القطن صوفا حتى يدفئه؟”.

ولكن مهلا. هل تصدقون بالفعل أن قراقوش قال مثل هذا الكلام؟ أم أنه مجرّد تلفيق من بعض اللئام؟ كان قراقوش غلاما مملوكا، أسلم على يد أسد الدين شيركوه، وأصبح اسمه بهاء الدين عبدالله الأسدي، وأتى إلى مصر صحبة صلاح الدين. لكن الشعوب ناكرة للجميل، فقراقوش هذا هو من بنى “قلعة الجبل” في القاهرة، التي جعلوها مقرّا للنسر الإسلامي الذي اتخذه صلاح الدين شعارا لدولته. وأمر ببناء سور عملاق يحيط بالقاهرة والجيزة، وسخّر له آلاف الناس وأجبرهم على تقطيع الحجارة من صحراء الهرم، فحقدوا عليه لأنه شغّلهم بالسخرة بلا أجور.

حتى أنهم ألفوا على المسكين قصصا جمعوها في كتاب بعنوان “الفاشوش في أحكام قراقوش” لمؤلفه أسعد بن الخطير بن المماتي المتوفى عام 606 للهجرة. والذي يقول عنه المقريزي إنه كان قاضيا قبطيا نافس قراقوش على التقرب من صلاح الدين فغلبه قراقوش بدهائه. فكتب كتابه هذا انتقاما منه. وانتصر الجفاف على الزراعة والوعي السكاني والمحاماة والتمثيل في صناديقنا الأرابيسكية.

24