صناعة الأجهزة وصناعة البرمجيات: الحلقة الثالثة من الصراع

بعدما بدا أنها تلفظ أنفاسها الأخيرة لصالح صناعة البرمجيات، تعود صناعة أجهزة وأجزاء الكومبيوتر من جديد في شكل شركات ناشئة تسعى إلى مضاعفة حجمها، فمنصات التمويل باتت مستعدة أكثر من أي وقت مضى للمخاطرة بضخ الملايين من الدولارات لتشجيع شركات صانعي الأجهزة والرقائق على العودة، رغم تعودها في السابق مع شركات تطوير البرامج وأنظمة التشغيل على انتهاج الطرق المختصرة لتحقيق الأرباح.
الثلاثاء 2016/01/12
أفلحت مايكروسوفت

لندن- حافظت شركة مايكروسوفت على خط إنتاج جهاز الكومبيوتر المكون من شاشة ومشغل منفصل ولوحة مفاتيح وفأرة لعقود، وإلى جانب ذلك تمسكت باستماتة بإنتاج الملايين من النسخ من نظام تشغيل “ويندوز”، وهو ما ساعدها لاحقا على الصمود.

وتجني اليوم شركات إنتاج الأجهزة الإلكترونية ومكونات أجهزة الكومبيوتر “هارد وير” مثل ميكروسوفت وأي تي إم ثمار استمرارها في الأسواق على مر عقود، رغم ارتفاع أسهم شركات التطبيقات والبرامج وأنظمة التشغيل “سوفت وير”، إذ أدى انتشار الهواتف الذكية وظهور الطابعات ثلاثية الأبعاد إلى عودة البريق مرة أخرى إلى شركات هارد وير.

وفي السابق، استسهل المئات من رجال الأعمال ضخ المليارات في شركات تصميم البرامج والتطبيقات الإلكترونية لأجهزة الكومبيوتر من أجل تحقيق مكاسب أسرع وأكبر بكثير من الاستثمار في إنتاج المكونات الإلكترونية لأجهزة الكومبيوتر.

وبدلا من ذلك يتطلع اليوم أصحاب رؤوس الأموال إلى الحصول على فرص للاستثمار في شركات تصميم وتصنيع الأجهزة ومواكبة الموجة التالية من الابتكار. واضطر المستثمرون ورجال الأعمال إلى تجنب صناعة الأجهزة ومكوناتها لسنوات، ابتعادا عن المخاطرة الكبيرة التي كانت تصاحب هذا النوع من الاستثمار.

فقد بدأت مؤخرا، شركات تصنيع الكومبيوتر العملاقة كديل واتش بي وأيضا أي بي إم إلى تصميم خدمات “سوفت وير” بدلا من صنع أجهزة الكومبيوتر التي كانت علامات مميزة لها، بحثــا عن تكلـفة أقل بكثير.

سكوت ميللر: هناك موجة ضخمة قادمة في صناعة هارد وير. ونحن لسنا في البداية الآن. الأمر سيتضخم

واعتمدت استراتيجية هذه الشركات على تحقيق أرباح من تكلفة تصل إلى الصفر. فعندما ينتج أحدهم قلما بتكلفة 10 سنتات تقل هذه التكلفة إلى 8 سنتات إذا تم إنتاج ألف قلم من نفس النوع، لكنها تظل كما هي ولا تقل عن ذلك إذا تضاعف معدل الإنتاج إلى 10 آلاف أو 100 ألف أو حتى مليون قلم، نظرا لأن إنتاج القلم يحتاج إلى مواد خام أولية لا يمكن تجاهل تكلفتها دون تكبد أي تكاليف إضافية.

كان هذا ما تعلمته شركات صناعة أجهزة الكومبيوتر خلال العقدين الماضيين، إذ لا يمكن تخفيض التكلفة الأولية لإنتاج جهاز كومبيوتر، بينما تقوم شركات البرمجيات في المقابل بتصميم نسخة واحدة من نظام التشغيل أو التطبيق سوفت وير، ثم تكون مهمتها بعد ذلك هو توزيع نُسخ من نظام التشغيل أو التطبيق مجانا.

ويقول تراي فاسالو الشريك المؤسس في مجموعة كلاينر بيركنز للتمويل إن شركات التمويل مازالت على حذرها من الاستثمار في مجال هارد وير. وأضاف “عندما تكون هناك طريقة أسهل لربح الأموال كالاستثمار في سوفت وير، تتزاحم منصات التمويل على الشركات التي تسلك طريقا مختصرة نحو الأرباح”.

لكن جيرمي كونراد، وهو مؤسس لإحدى شركات صناعة مكونات الكومبيوتر، أصر على أن إنتاج الأجهزة بدأ يصبح بدوره أكثر سهولة من ذي قبل بفضل الطفرة في إنتاج طابعات ثلاثية الأبعاد وانتشار أجهزة كومبيوتر قوية ورخيصة.

وأضاف “نعم مازال بإمكانك البحث عن الطريقة الأفضل لبيع منتجك، لكن بشكل عام فإن تأسيس شركة هارد وير سواء كانت هذه الشركة ستنتج أجزاء دقيقة في الكومبيوتر أو ستصنع طائرات كبيرة دون طيار، أصبح منخفضا للغاية”.

ورغم ذلك مازالت معظم منصات التمويل بعيدة عن الاستثمار في شركات هارد وير. ويقول فاسالو إن هناك عددا كبيرا من منصات التمويل التي لا تمتلك خبرة كافية في تصنيع وتسويق الأجهزة لأنها جميعا تأسست في عهد هيمنة شركات البرمجيات، ومازال الكثير منها لا يود الإقبال على المخاطرة.

الهواتف الذكية والطابعات ثلاثية الأبعاد.. قبلة الحياة لهارد وير

لكن سكوت ميللر، رئيس التصنيع السابق في شركة آي روبوت يبدو متفائلا. وقال “هناك الكثير من الموظفين الذين يعملون في مجال إنتاج الأجهزة الإلكترونية. هناك موجة ضخمة قادمة، ونحن لسنا في البداية الآن. الأمر يتجه إلى التضخم”.

ويرى خبراء أن انتعاش صناعة الأجهزة الإلكترونية نابع من عدة عوامل أهمها تقدم البرمجيات، وظهور منصات جديدة للتمويل، مثل كيك ستارتر وإنديغوغو، إلى جانب زيادة فرص النفاذ إلى تكنولوجيا الطباعة بالتقنية ثلاثية الأبعاد.

قاطرة الهواتف الذكية

وقال تراي فاسالو إن واحدا من العوامل المحركة والأكثر أهمية لعودة الاستثمار في صناعة الأجهزة الإلكترونية يعود إلى الاعتماد الشامل على الهواتف الذكية.

وأضاف فاسالو أن “الشيء الذي يختلف اختلافا جوهريا اليوم، بشكل يفوق ما كان سائدا قبل عامين، هو الانفجار الذي يشهده قطاع الهواتف الذكية. وكانت آثار ذلك على شركات الأجهزة هائلة. وقبل أن تشهد الهواتف الذكية هذه الطفرة، كان إنشاء منصة ترتكز على الهواتف الذكية أمرا مكلفا للغاية… لقد حدث تحول لا يصدق”.

وحتى شركات الإنترنت والبرمجيات العملاقة مثل غوغل اتجهت الآن إلى تصنيع هواتف ذكية بالشراكة مع شركات أخرى. وتمكن شركات تصنيع الهواتف الذكية رجال الأعمال من إنشاء منتجات تعزز تكنولوجيا الهاتف لجمع البيانات وأداء مهام أخرى بثمن أقل.

ومن الأمثلة على ذلك الأجهزة اللاسلكية التي يمكن ارتداؤها لتتبع نشاط أو سلوك أي شخص، والأجهزة المنزلية المتصلة التي تساعد على الحفاظ على الطاقة بالإضافة إلى الروبوتات.
جيرمي كونراد: تأسيس شركة هارد وير سواء كانت ستنتج أجزاء دقيقة في الكومبيوتر أو ستصنع طائرات كبيرة دون طيار، أصبح منخفضا للغاية

وقال ميللر، وهو أيضا مؤسس ورئيس تنفيذي لشركة دراغون أنوفيشن الاستشارية التي تعمل مع الشركات الناشئة ورجال الأعمال لشراء منتجاتهم، إن “كل الأجهزة في العشرة أعوام الأخيرة كانت تدور بشكل أساسي حول شركات البرمجيات، لكن في الواقع أنت تتعامل مع هذه الأجهزة كل يوم، ولا يمكنك إمساك التطبيقات الرقمية بيديك إلا من خلال جهاز”. والمحفزات مثل طفرة الهواتف الذكية، وتطورات اقتصادية أخرى قللت من تكلفة تأسيس الشركات، وجعلت المشاريع أقل مخاطرة.

وقالت رينيه دي ريست، مستثمر في شركة أورايلي ألفا تيك فنتشرز ذات الرأسمال الاستثماري، إن شركات صناعة الأجهزة الإلكترونية الهارد وير واجهت العديد من التحديات والمخاطر بدءا ببناء نموذج مصغر من المنتج، ووصولا إلى عناء تطوير الطلب في السوق.

وأضافت أنه “قبل ذلك، عندما كان المستثمرون يتقدمون إلى شركات التمويل من دون نموذج أولي لمنتجهم ومن دون توفير 500 وحدة إنتاجية على الأقل، كانت أغلب شركات التمويل ترفض المضي قدما في تبني أي مشروع لإنتاج أجهزة الكومبيوتر”.

وقالت “الآن يكتفي المستثمرون بتقديم نموذج أولي قاموا بطباعته عبر طابعة ثلاثية الأبعاد، ويقومون بعرضه على إحدى منصات التمويل مثل كيك ستارتر”. ووسعت منصات التمويل من تبني المزيد من مشاريع أجهزة الكومبيوتر والهواتف الذكية والروبوتات.

وعلى سبيل المثال فإن منصات تمويل مثل كلينر بيركنز كوفيلد أند بايرز، غوغل فنتشرز، لايت سبيد فنتشر بارتنرز، وشاستا فنتشرز كلها تستمثر في وقت واحد في مختبرات “نيست لابس” المعروفة بتصنيع منظم الحرارة الذكي (تيرموستات).

واستثمرت مجموعة فاوندوري غروب في عدد كبير من شركات تصنيع أجهزة هارد وير. ومن بين هذه الشركات ماكر بوت، وهو صانع الطابعات ثلاثية الأبعاد، وشركة فيت بيت التي تنتج أجهزة تتبع الأنشطة اللاسلكية.

وقال كريس ديكسون، وهو شريك في شركة آندرسن هورويتز للتمويل الشهر الماضي إن الشركة، التي استثمرت بالفعل في شركة شايبوايز لإنتاج الطباعة ثلاثية الأبعاد، تخطط لتوسيع وجودها في هذا المجال.

خبرة هارد وير الغائبة

منصات التمويل تدير ظهرها تدريجيا لشركات البرمجيات

ولكن قلة المخاطر بالنسبة للمستثمرين في منصات التمويل لا يعني تقلص خطر شركات الأجهزة نفسها. لا يزال هناك الكثير من التحديات، بما في ذلك زيادة الإنتاج والتحكم في التوريد، لذلك تحتاج الشركات إلى أن تكـون انتقـائية في ما يتعلق بشركائها.

وقال تراي فاسالو إن “هناك عددا قليلا من شركات ذات الرأسمال المغامر التي تأخذ هذا التوجه، ومن المهم إذا كنت رجل أعمال وتعمل مع شركة تمويل أن تكون قد عملت في السابق مع شركة للأجهزة”.

وأطلقت شركة بولت، ومقرها في ولاية بوسطن الأميركية، في وقت سابق من هذا العام، وهي تخطط لتقديم أول برامجها لإطلاق أول أجهزة من تصنيعها في يونيو القادم. ويرأس الشركة بين آينشتاين.

وقال آينشتاين إن “ما يحدث هو جعل شركات البرمجيات وشركات الأجهزة على مستوى واحد”. وأضاف “كان من المفترض أن يكون لشركات البرمجيات اليد العليا لأن إطلاق شركة جديدة لصناعة الأجهزة يحتاج وقتا أطول، كما أن شركات البرمجيات يمكنها أن تنمو بشكل أسرع، وهو ما جعل الاهتمام بتصنيع الأجهزة أقل جاذبية، ولكن الحال سيتغير الآن”.

وتعكف شركة بولت على الاختيار من بين متقدمين لبرنامج مدته ستة أشهر، سيوفر للشركات الجديدة الخبرات اللازمة للاستثمار في تصنيع أجهزة هارد وير. وقال ميللر من شركة دراغون انوفيشن إنه في الوقت الذي تركز فيه الشركات الكبرى على الابتكار، تنشغل الشركات الناشئة بتغيير قواعد اللعبة، وتستعد للنمو.

وأضاف “إذا نظرتم لآبل، فإنهم لم يفعلوا أشياء عظيمة، إنهم نفس الموظفين ولكن بشكل جديد. بالنسبة لنا، كشركات ناشئة، هنا يكمن القلب النابض. آبل لا تسعى إلى مضاعفة حجمها ثلاث مرات، بينما ماكربوت انتقلت من شخصين إلى فريق يضم مائتي شخص”.

13