صناعة الأخبار واستهلاكها: الموبايل أولا

الاثنين 2016/07/11

المشهد النمطي الشهير في المواصلات العامة في أوروبا تغير؛ فلم يعد الراكب يمسك كتابا أو صحيفة، كما كان معتادا. أغلبية الركاب تمسك الموبايل، الآن، وهو ما يمكن اعتباره مؤشرا على التغير، ليس فقط في طرق الاتصال، ولكن في نمط استهلاك المعرفة أيضا. وفي عالم الصحافة، يتزايد استهلاك الأخبار عبر الموبايل يوما بعد يوم، الأمر الذي يفرض على الصحافيين إعادة النظر في ما ينتجون، على مستويي الشكل والمضمون، وفي دورة الإنتاج ذاتها، بما يعيد ترتيب الأولويات في ما يخص الوسائط التي تُستخدم للتواصل مع الجمهور.

عندما حدث ما يمكن تسميته بمرحلة الانتقال الأول في الصحافة، وهو الانتقال من “المطبوع” إلى عالم الأونلاين، استغرق الأمر وقتا طويلا ليحسم صُنّاع الصحافة الجدل حول “أولوية الوصول إلى القراء”، وكانت الأولوية للموقع الإلكتروني، تليه الصحيفة الورقية. لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، لكن التطورات التقنية أصبحت تفرض علينا أن نعيد صياغة بعض المفردات في الجملة السابقة، مثلا، فالتقارب الذي حدث بين الوسائط المتعددة يجعلنا نتحدث عن “جمهور” أو “متلقين”، لا عن “قراء”. كما أن عملية التفاعل بين الصحافيين والمتلقين، فعلا ورد فعل، تجعلنا نتحدث عن “تواصل” معهم، لا عن وصول إليهم.

بانتقال الأخبار من الورق إلى شاشة الكمبيوتر، انتقل شريط الأخبار العاجلة من شاشة التلفزيون إلى شاشة الموقع الإلكتروني، وتحولت تنمية القصة الصحافية، ومتابعتها، إلى عملية مستمرة لا تتوقف إلا بقتل الخبر في أشكال صحافية مختلفة. وبدخول الفيديو إلى الصحافة الإلكترونية، وجهت الأخيرة ضربة مزدوجة للصحافة الورقية، وصحافة التلفزيون في آن. بات مضحكا أن تفتح صحيفة الصباح، لتقرأ أخبار الأمس، التي قتلها التلفزيون، وقتلتها المواقع الإلكترونية. انتهت، إذن، صحافة “قال فلان أمس”، وأصبح على الصحافة الورقية أن تترك هذه المهمة، إلا في حالة الانفراد المؤكد، لمحطات التلفزيون التي تقدم بثا حيا، وللمواقع الإلكترونية التي تتابع الحدث لحظة بلحظة، ويمكنها أن تنافس التلفزيون أيضا بتقديم بث حي من موقع الحدث.

تطور وعي المتلقي بجودة الخدمة التي يريدها، ويدفع مقابلها، فلم يعد يقبل أن يشتري صحيفة ليقرأ فيها ما عرفه فعليا بالأمس عبر وسائط أخرى. لن يشتري المتلقي الخبر مرتين، وعنده حق. لذلك، لن يكون أمام الصحف الورقية فرصة للبقاء إلا بتقديم قيمة مضافة في خدماتها الصحافية. سيكون على الصحف اليومية الورقية أن تتخلى عن الأخبار، لصالح مواقعها الإلكترونية، وأن تقدم خدمة أكثر عمقا، بحيث تساعد المتلقي، ليس على معرفة ما يحدث (فهو يعرفه بالفعل)، ولكن على فهمه في سياقاته المتعددة.

في الأثناء، كانت الهواتف الذكية تحرز تطورا كبيرا، لتغدو أكثر ذكاء، وتدخل بقوة إلى عالم صناعة الصحافة. وعززت مواقع التواصل الاجتماعي ارتباط الجمهور بالموبايل، فتحول من وسيلة تواصل إلى وسيلة معرفة. وأصبح على المواقع الإلكترونية أن تستجيب مجددا لميول الجمهور، وأن تصمم نسخة خفيفة من الموقع ليسهل تحميلها على الموبايل، وأن تنتج في الوقت نفسه موضوعات صحافية تعتمد على المعادل البصري، كالفيديو والإنفوغراف والخرائط، أكثر من النص المكتوب الطويل، لكي تناسب مستخدم نسخة الموبايل.

عندما تنظر إلى “تحليلات غوغل” الخاصة بموقعك الإلكتروني، ستدرك أن أغلب جمهورك يتابعك من خلال الموبايل، ولذلك يجب أن ترفع لافتة في صالة التحرير مكتوبا عليها “الموبايل أولا”.

كاتب مصري

18