صناعة الأقفاص موروث فني مصري يقاوم الانقراض

الثلاثاء 2014/02/11
صناعة الأقفاص الخشبية من النخيل في الحوامدية بمصر

القاهرة -تعتبر صناعة الأقفاص من جريد النخل في مصر من الحرف الصعبة والخشنة التي رغم أهميتها وعراقتها فإنها تواجه الانقراض بسبب متاعبها الصحية وقلة العائد المادي الذي تدره وهجرة معظم العاملين إلى مهن وحرف أخرى.

بملامح أجهدتها كثرة الطرق فوق الخشب، لا تعبأ كثيراً بجدلية 30 يونيو 2013، هل هي “ثورة”، أو “انقلاب”، جذب حمدي جمعة، بيديه الممتلئتين بالعرق، عيدان جريد النخيل، التي اعتاد تقطيعها منذ 8 سنوات، ومن ثم تقشيرها، وتجميعها، ليصبح بذلك أشهر صانع للأقفاص في مدينة كرداسة، إحدى المناطق الشعبية بمحافظة الجيزة المتاخمة للقاهرة.

تلك المدينة التي تعج بكل ما ينتمي إلى الصناعة اليدوية، إذ تكثر فيها ورش النجارة، والحدادة، وصناعة الأقفاص، وفي نفس الوقت تعيش زخما سياسياً، لا يهدأ منذ ثورة 25 يناير 2011.

“صناعة الأقفاص” أو “صناعة الجريد”، مهنة لا زالت تلقى رواجا كبيرا في مصر، رغم سيطرة التكنولوجيا الحديثة، على كل مناحي الحياة.

ويقول جمعة (30 عاما) الذي يرى أن مهنته لا تتأثر بالأحداث السياسية المتتالية، إن “مهنة صناعة الأقفاص، ليست لها علاقة بالمظاهرات، أو غيرها، خاصة أن العمل يكون في ورشة (مصنع صغير)، ويحتاج إلى جهد يومي، والورشة ليست كالمصانع الكبيرة التي ربما تتأثر في حال تدهور الاقتصاد أو خلافه، لا يوجد شيء يعطلنا وزبوننا موجود”.

ويتذكر جمعة أول أيامه في العمل بورشة جده سعيد، قائلا “جئت من محافظة الفيوم، وأخذني جدي سعيد، من يدي، ليعلمني تفاصيل المهنة، لقد حبب صناعة الأقفاص إليّ، وهي الآن تعطيني ما أريد منها”.

يزداد الإقبال على شراء الأقفاص خلال أشهر الصيف

كل يوم، ومنذ أن يستيقظ من نومه في الصباح الباكر، وجمعة لا يشغله إلا تقطيع جريد النخيل، ليتركه حتى يذبل، ثم يشرع في تصنيعه، فيقسمه إلى دوائر ومربعات وعيدان وأسقف وأطواق، يستخدمها في صناعة الأقفاص والكراسي والمناضد بأحجام وأشكال مختلفة.

“صناعتنا يدوية، وليست لها علاقة باستخدام الكهرباء، وأساس عملي هو النخيل، وطالما لا يبخل علينا النخيل بالجريد، فهذا يعني أن المهنة لن تنقرض أو تنتهي”.

هكذا قال جمعة، مضيفا، “نقوم بصناعة الكراسي وأقفاص الدواجن والفاكهة، ونقوم أيضاً بصناعة عشش (بيوت) الحمام، وتحديد أدوار العشة، يعتمد على طلب الزبون”. يبسط جمعة قدميه، وهو محاط بعيدان النخيل المختلفة، يسحب أحده، ويضعه بين أصابعه، يطرق أحده، ويعقد ما تبقى منها، في مشهد سريع، ومعقد لمن يشاهد جمعة “القفاص” لأول مرة.

ليس لجمعة دخل ثابت من هذه المهنة، وحسب قوله: “كل واحد يحسب راتبه وفق جهده في إنتاج وصناعة أكبر عدد من الكراسي والموائد والأقفاص، فهذا يصنع 4 وغيره يصنع 6 في اليوم، وعادة ما يتراوح سعر الكرسي والمائدة بين 20 و30 جنيها مصريا (أقل من خمسة دولارات)”.

خارج الورشة التي تشبه المعرض، يضع مساعد جمعة المقاعد، والموائد في ترتيب وأناقة، ويقول جمعة عن مساعديه، “بالنسبة إلى الشاب، الذي يقبل على هذه المهنة، أفضل أن يكون ممن أنهوا المرحلة التعليمية، لضمان الاستمرار، وهو ما يدفعني إلى رفض تشغيل الشباب صغيري السن”.

ويبدو جمعة دائم التحمس لمهنته، حيث يقول “المهنة تحتاج الدقة، لكن في النهاية، يمكن لأي شخص أن يتعلمها، والأمر يعتمد على تركيزه، لا على شهادة بعينها، لكن أيضاً يجب ألا يكون منشغلا بالمظاهرات”.

وانعكست الاضطرابات السياسية التي تعيشها مصر منذ ثورة 25 يناير 2011 سلبا على الاقتصاد المصري، لاسيما مع ارتفاع وتيرة الإضرابات الفئوية والوضع الأمني المتدهور.

20